في أعماق جبال القوقاز الوعرة، شمال جمهورية أوسيتيا الروسية، تختبئ واحدة من أكثر الأماكن رعباً وغموضاً في العالم: قرية دارغافس، المعروفة باسم مدينة الموتى ، تبدو القرية من بعيد كأنها تجمع جبلي هادئ تحيط به الطبيعة الخلابة، ببيوت حجرية صغيرة ذات أسقف مدببة لكن الاقتراب أكثر يكشف الحقيقة الصادمة ، كل تلك “البيوت” ليست مساكن للبشر… بل مقابر مليئة بالجثث المحنطة طبيعياً منذ مئات السنين.
وتضم القرية ما يقرب من مئة سرداب عائلي بُنيت بين القرنين السادس عشر والثامن عشر ، وقد شُيدت هذه السراديب من الحجارة البيضاء المحلية، مع أسقف مميزة تشبه المدرجات أو الأهرامات الصغيرة، مما يمنح المكان مظهراً غريباً يجمع بين الجمال والرعب في آنٍ واحد ، لكن أكثر ما يثير القشعريرة هو ما يوجد داخل تلك السراديب.
نوافذ تكشف عالم الموتى
لكل سرداب نافذة صغيرة مربعة، وعند النظر عبرها يمكن رؤية الهياكل والجثث المحنطة بوضوح ، بعضها لا تزال ملابسه محفوظة، بينما احتفظت جثث أخرى بملامحها بشكل مذهل رغم مرور قرون ، ويُعتقد أن الظروف الطبيعية الفريدة في الوادي لعبت دوراً كبيراً في حفظ الجثث، إذ ساعد الهواء الجاف والارتفاع الشاهق والرياح الباردة المستمرة التي تمر عبر فتحات السراديب على تجفيف الأجساد طبيعياً ومنع تحللها الكامل في ظاهرة تشبه ما حدث في بعض المقابر الشهيرة الأخرى حول العالم.
التوابيت التي تشبه القوارب
من أغرب الاكتشافات داخل دارغافس أن العديد من الموتى وُضعوا داخل توابيت خشبية منحوتة على شكل قوارب، وبعضها احتوى حتى على مجاديف صغيرة والمثير للحيرة أن المنطقة جبلية بالكامل، ولا توجد أنهار صالحة للملاحة أو بحار قريبة من الوادي.
لهذا يعتقد المؤرخون أن سكان أوسيتيا القدماء كانوا يؤمنون بأن روح الميت يجب أن تعبر "نهراً سفلياً" للوصول إلى العالم الآخر، ولذلك جرى دفن الموتى في قوارب رمزية تساعدهم في رحلتهم بعد الموت، في فكرة تذكّر بأساطير عبور الأرواح في حضارات قديمة عديدة مثل عبور نهر ستيكس Styx عند الإغريق وكذلك رحلة الموتى لدى الفايكنغ والمصريين القدماء.
عندما دخل الأحياء إلى المقابر طوعاً
لكن الجانب الأكثر مأساوية ورعباً في قصة دارغافس يرتبط بالأوبئة القاتلة التي اجتاحت المنطقة بين القرنين السادس عشر والثامن عشر، خاصة الكوليرا والطاعون ، فبحسب الروايات المحلية والسجلات التاريخية كان المصابون بالأمراض المعدية يحملون طعامهم ومؤنهم ويدخلون إلى سراديب عائلاتهم بأنفسهم، ثم يغلقون الأبواب عليهم انتظاراً للموت، خوفاً من نقل العدوى إلى بقية سكان القرية.
بمعنى آخر، تحولت السراديب إلى نوع من "الحجر الصحي الأخير" حيث عاش المصابون أيامهم الأخيرة بين رفات أجدادهم حتى فارقوا الحياة ، وتقول بعض الروايات إن الأهالي كانوا يضعون الطعام خارج السراديب للمصابين فإذا بقي الطعام في مكانه لعدة أيام، عرفوا أن الشخص قد مات في الداخل.
أسطورة "من يدخل لا يعود"
بسبب عزلتها الجبلية وطابعها الكئيب، ارتبطت دارغافس بالكثير من الأساطير المحلية ، إذ تقول إحدى أشهر الخرافات أن أي شخص يدخل مدينة الموتى لن يعود حياً أبداً ، ورغم أن هذه الأسطورة ليست سوى معتقد شعبي إلا أنها ساهمت لقرون طويلة في إبقاء المكان شبه مهجور، حتى إن عدد الزوار ظل محدوداً جداً مقارنة بمواقع أثرية روسية أخرى ، ويزيد من رهبة المكان الصمت الثقيل الذي يلف الوادي، حيث لا يُسمع سوى صفير الرياح الجبلية وهي تمر بين السراديب الحجرية، وكأنها أصوات قادمة من زمن آخر.
أين هي الجثث المحنطة ؟
رغم شهرة دارغافس بوجود "جثث محنطة"، فإن الزائر اليوم لن يشاهد مومياوات كاملة كما في مصر القديمة. فمعظم الرفات تحولت عبر القرون إلى هياكل عظمية أو بقايا أجساد جفّت طبيعياً بفعل الهواء الجبلي الجاف والرياح المستمرة داخل السراديب وقد ساعدت هذه الظروف على حفظ بعض الملابس والأنسجة والشعر بدرجات متفاوتة، لكن مرور أكثر من ثلاثة قرون أدى إلى تدهور معظم الأجساد، لذلك لا تزال آثار التحنيط الطبيعي موجودة، وإن كانت أقل وضوحاً مما توحي به الروايات الشائعة.
هل كانت دارغافس مجرد مقبرة ؟
يرى بعض الباحثين أن الموقع لم يكن مجرد مكان للدفن، بل يعكس فلسفة كاملة لدى سكان المنطقة تجاه الموت والمرض والعالم الآخر ، فالسراديب العائلية كانت تمثل رابطاً دائماً بين الأحياء وأسلافهم، بينما أظهرت طقوس الحجر الصحي استعداداً صادماً للتضحية بالنفس من أجل حماية المجتمع.
واليوم، تقف مدينة الموتى في دارغافس كواحد من أكثر المواقع الجنائزية غرابة في العالم، وشاهد صامت على حضارة تعاملت مع الموت بطريقة مباشرة ومرعبة في آنٍ واحد.