في كل ثانية تقريباً تضرب آلاف الصواعق سطح الأرض في أماكن مختلفة من العالم ، هذه الصواعق لا تضيء السماء فحسب بل تولد أيضاً موجات كهرومغناطيسية تنتشر حول الكوكب، ومن بين هذه الموجات يظهر تردد غريب ظل يجذب اهتمام العلماء والمهتمين بالظواهر الغامضة على حد سواء، وهو ما يعرف باسم تردد شومان Schumann Resonance.
خلال السنوات الأخيرة انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي صور لرسوم بيانية سوداء تتخللها خطوط بيضاء متعرجة مرفقة بعبارات من قبيل:
"تردد الأرض يرتفع"
أو "استعدوا لتغيرات قادمة"
أو "هل تشعرون بالإرهاق اليوم ؟
لكن ما حقيقة هذا التردد ؟ وهل يمكن أن يؤثر فعلاً في الإنسان ؟
ما هو تردد شومان ؟
يمكن تخيل الأرض على أنها كرة ضخمة محاطة بطبقة عليا من الغلاف الجوي تعرف بالأيونوسفير ، بين سطح الأرض وهذه الطبقة يتشكل ما يشبه التجويف العملاق القادر على احتجاز بعض الموجات الكهرومغناطيسية ، عندما تضرب الصواعق الأرض فإنها تضخ طاقة كهرومغناطيسية داخل هذا التجويف ، تتلاشى معظم هذه الطاقة بسرعة، لكن بعض الترددات تستطيع البقاء والارتداد ذهاباً وإياباً حول الكوكب، مكونة ما يعرف بالموجات الواقفة ، أبرز هذه الترددات يبلغ حوالي 7.83 هرتز، وهو ما يسمى بالتردد الأساسي لرنين شومان.
لماذا 7.83 هرتز بالذات ؟
قد يبدو الرقم غريباً، لكنه ليس سحرياً ، فالعلماء يفسرونه بأبعاد الأرض وخصائص الغلاف الجوي المحيط بها ، ببساطة حجم التجويف بين الأرض والأيونوسفير يسمح لبقاء هذا التردد أكثر من غيره، تماماً كما أن طول وتر آلة موسيقية يحدد النغمة التي يصدرها ، لذلك فإن الرقم 7.83 هرتز ليس رقماً غامضاً اختير عشوائياً بل نتيجة طبيعية لخصائص كوكبنا الفيزيائية.
هل يؤثر تردد شومان في الإنسان ؟
هنا يبدأ الجدل الحقيقي ، يرى بعض المهتمين بالطاقة الروحية أن الإنسان يتناغم مع هذا التردد ويعتقدون أن ارتفاعه أو تغيره قد يسبب حالات مثل: الإرهاق المفاجئ والصداع والأرق والتوتر أو التقلبات العاطفية ، الشعور بالنشاط أو الصفاء الذهني.
لكن المشكلة أن الدراسات العلمية لم تجد دليلاً قوياً يثبت وجود علاقة مباشرة بين تغيرات تردد شومان وهذه الأعراض ، فالمجالات الكهرومغناطيسية المرتبطة بالرنين ضعيفة جداً مقارنة بالإشارات الكهربائية التي ينتجها الدماغ البشري نفسه، كما أن العوامل المؤثرة في مزاج الإنسان ونومه وصحته أكثر تعقيداً بكثير.
لماذا يربط الناس بينه وبين مشاعرهم ؟
رغم غياب الدليل العلمي، لا يزال الاعتقاد منتشراً ، وربما يعود ذلك إلى أن البشر يميلون بطبيعتهم إلى البحث عن الأنماط والإيقاعات في العالم من حولهم ، فنحن نعيش وسط دورات متكررة لا حصر لها: تعاقب الليل والنهار ، الفصول ، المد والجزر ، نبض القلب ، دورات النوم والاستيقاظ ، لهذا تبدو فكرة وجود "إيقاع طبيعي للأرض" فكرة جذابة لكثير من الناس، حتى لو لم تثبت علمياً كعامل مؤثر في المشاعر والسلوك.
الأرض تهتز فعلاً
المثير للاهتمام أن الأرض ليست جسماً ساكناً تماماً ، فعقب الزلازل الكبرى يهتز الكوكب بأكمله كما لو كان جرساً عملاقاً تم طرقه ، ويستطيع علماء الزلازل قياس هذه الاهتزازات التي قد تستمر لساعات أو أيام ، لكن هذه الاهتزازات الميكانيكية تختلف عن رنين شومان الكهرومغناطيسي رغم أن كليهما يعكسان حقيقة مهمة: الأرض نظام ديناميكي مليء بالإيقاعات الطبيعية.
بين العلم والأسطورة
من الناحية العلمية، يعد رنين شومان ظاهرة حقيقية وموثقة جيداً ، أما الادعاءات التي تربطه بالوعي البشري أو بالأحداث العالمية أو بالتنبؤ بالمستقبل فلا توجد أدلة علمية قوية تدعمها حتى الآن ، ومع ذلك يبقى هذا التردد مثالاً رائعاً على الطريقة التي يتحول بها اكتشاف علمي حقيقي إلى مادة خصبة للتأملات الفلسفية والروحانية ونظريات الغموض.
وربما يكون السبب في استمرار سحر تردد شومان هو أنه يذكرنا بحقيقة بسيطة: كوكبنا ليس صخرة صامتة في الفضاء، بل عالم نابض بالحركة والطاقة والإيقاعات الخفية التي تعمل حولنا باستمرار، سواء شعرنا بها أم لا.