ماذا لو كان بإمكان العاشق أن يلتقي من يحب من دون رسالة أو موعد، ومن دون أن يقطع الطريق إلى منزله ؟ ماذا لو كان عليه فقط أن يقلب أكمام ثوبه إلى الداخل، ثم ينام منتظراً أن يُفتح بينهما طريق لا يظهر إلا في الأحلام ؟

عرفت اليابان القديمة اعتقاداً شعبياً شاع في الأدب والشعر، مفاده أن النوم بعد قلب أكمام الثوب أو ارتداء الرداء مقلوباً قد يؤدي إلى ظهور الحبيب في المنام، ولم يكن الاحتمال يسير في اتجاه واحد فقط؛ فقد يحلم الشخص بمن يحب، أو تنتقل صورته هو إلى حلم الحبيب البعيد.

وراء هذه الممارسة البسيطة يختبئ تصور غريب وجميل للمنام: الحلم ليس مجرد صور يصنعها العقل أثناء النوم، بل قد يكون مساحة يمكن للآخر أن يدخلها، وطريقاً تعبره الأشواق حين تعجز الأجساد عن اللقاء.

حاشية تكشف معتقداً منسياً

يرد الدليل الأكثر وضوحاً على هذا الاعتقاد في الحواشي التي وضعتها الباحثة والمترجمة سونيا أرنتزن لترجمتها الإنجليزية لكتاب مذكرات كاغيرو Kagerō Nikki ، ففي شرحها لعبارة تتعلق بقلب الأكمام، تذكر أن اعتقاداً شعبياً كان يقول إن النوم والأكمام مقلوبة إلى الداخل يجعل الحبيب يظهر في حلم النائم، أو يجعل النائم نفسه يظهر في حلم محبوبه.

لا تقدم المذكرات وصفاً لطقس ديني متكامل، ولا نعرف عن وجود كهنة أو نصوص مقدسة أو تعاويذ إلزامية ترافقه، لذلك كان ممارسة شعبية لاستحضار حلم عاطفي أو نوع من السحر الرمزي البسيط الذي وجد طريقه إلى الشعر وأصبح مفهوماً لدى قرائه.

كان الفعل الأساسي يقوم على قلب أكمام الثوب أو الرداء قبل النوم، بينما ينشغل الشخص بالتفكير في حبيبه، ثم ينام آملاً أن يحدث اللقاء في المنام، ولم تكن النتيجة المتوقعة دائماً أن يرى هو الحبيب؛ فالاعتقاد كان يترك احتمالاً أكثر غرابة: أن تؤثر الرغبة في الطرف الآخر، فتصل صورة العاشق إلى حلمه.

ما هي مذكرات كاغيرو ؟

كُتبت مذكرات كاغيرو في القرن العاشر، وتنسب إلى امرأة أرستقراطية لم يصل إلينا اسمها الشخصي، فعُرفت باسم والدة ميتشيتسونا Michitsuna no Haha،  وتعد من أبرز كاتبات عصر هييان، وقد سجلت في مذكراتها تفاصيل زواجها المضطرب من رجل الدولة فوجيوارا نو كانييه وما رافقه من انتظار وغيرة وهجران وتعلق وألم عاطفي.

لا يأتي ذكر الأكمام المقلوبة في فراغ؛ فالمذكرات نفسها تنتمي إلى عالم كانت فيه العلاقات تُعاش من خلال الانتظار والرسائل والقصائد والزيارات غير المنتظم،  وفي مثل هذا العالم، يمكن لحلم قصير أن يحمل قيمة عاطفية تعادل لقاءً حقيقياً، خصوصاً بالنسبة إلى امرأة لا تعرف متى سيعود إليها الرجل الذي تنتظره.

هنا يصبح طقس الحلم مفهوماً من الناحية الإنسانية، فحين يعجز العاشق عن استدعاء الحبيب إلى بيته، يحاول استدعاء صورته إلى نومه.

أونو نو كوماتشي تقلب رداء الليل

لم يكن الاعتقاد مقتصراً على مذكرات كاغيرو، فقد ظهر بوضوح في شعر أونو نو كوماتشي Ono no Komachi، إحدى أشهر شاعرات اليابان الكلاسيكية التي عاشت قبل مؤلفة المذكرات بنحو قرن.

في إحدى قصائدها الواردة في مجموعة كوكين واكاشو Kokin Wakashū تصف كوماتشي شوقاً بلغ درجة لا تستطيع احتمالها، فتقول، في ترجمة تقريبية للمعنى :

حين يعذبني الشوق إليه فوق احتمالي،

أقلب رداء الليل الأسود،

وأرتديه مقلوباً.

توضح الدراسات الأدبية أن قلب الرداء في هذه القصيدة يشير إلى الاعتقاد بإمكان رؤية الحبيب في المنام، وقد استعادت الشاعرة إيزومي شيكيبو الفكرة لاحقاً في قصيدة تتحدث فيها عن قلب ردائها أملاً في الحلم بمن تحب، لكنها تظل مستيقظة، فيفشل الطقس لأن النوم نفسه يهرب منها.

يحمل فشل إيزومي شيكيبو مفارقة مؤلمة: لقد فعلت ما يُفترض أن يستدعي الحبيب، لكنها لم تتمكن من عبور البوابة الأولى، لأن شدة الشوق منعتها من النوم.

هل يستدعي الحالم حبيبه أم يذهب إليه ؟

يفتح المعتقد احتمالين مختلفين، في الاحتمال الأول يقلب الشخص ثوبه ثم يرى حبيبه داخل حلمه وهنا يبدو الحلم كأنه مسرح داخلي استدعت إليه الرغبة صورة الغائب.

أما الاحتمال الثاني فهو أكثر اتصالاً بعالم ما وراء الطبيعة: أن يظهر النائم نفسه في حلم حبيبه، ووفق هذا التصور لا يكون الحلم ملكاً مغلقاً لصاحبه، بل مساحة يمكن لشخص آخر أن يصل إليها بفعل الحب أو الشوق أو قوة التركيز.

لهذا لم يكن السؤال دائماً: « لماذا حلمت به ؟ »، بل ربما كان: « هل رأيته لأنني أشتاق إليه، أم لأنه كان يفكر بي ؟»

تظهر هذه الفكرة أيضاً في قصائد كوماتشي عن لقاء الحبيب أثناء النوم، ففي إحدى القصائد تتساءل إن كان قد ظهر لأنه شغل أفكارها قبل أن تغفو، ثم تتمنى لو أنها أدركت أنها تحلم حتى لا تستيقظ، وفي قصيدة أخرى ترى أن الأحلام أصبحت أكثر موثوقية من الواقع، لأنها تمنحها اللقاء الذي يحرمها منه العالم اليقظ.

المنام بوصفه طريقاً بين قلبين

بالنسبة إلى الإنسان الحديث، يحدث الحلم عادة «داخل العقل»، أما في الكثير من الثقافات القديمة، فلم تكن الحدود بين الحلم والعالم الخارجي واضحة بهذه الصرامة، فقد يكون المنام رسالة أو زيارة أو تحذيراً أو لقاءً روحياً، وقد يظهر فيه شخص ميت أو حبيب بعيد كما لو أنه حضر فعلاً.

ضمن هذا التصور، لم تكن صورة الحبيب في المنام نسخة ذهنية بالضرورة، بل يمكن أن تُفهم بوصفها حضوراً حقيقياً أو أثراً من روحه ومشاعره، ولهذا اكتسبت أحلام الحب قيمة تتجاوز الراحة النفسية؛ إذ قد تصبح علامة على استمرار العاطفة من الطرف الآخر.

إذا ظهر الحبيب، أمكن للعاشق أن يتخيل أن الشوق لا يزال متبادلاً،  وإذا غاب فقد يتساءل بقلق: هل توقف عن التفكير بي ؟ هل انقطع الطريق بيننا ؟

وهكذا أصبح الحلم اختباراً غامضاً للحب، رغم أن نتيجته لا يمكن إثباتها أو التحقق منها.

لماذا الأكمام ؟

لم تكن الأكمام في الشعر الياباني القديم مجرد جزء من الملابس، فقد ارتبطت مراراً بالدموع والانتظار والفراق؛ فالعاشق يبكي حتى تبتل أكمامه، ويخفي وجهه بها، وقد يحتفظ الثوب بعطر صاحبه أو بآثار لقاء سابق.

كما كانت الملابس في ثقافة البلاط وسيلة للتعبير عن الذوق والمكانة والحالة العاطفية. ويكشف الأدب الذي كتبته نساء عصر هييان عن عالم شديد الحساسية للألوان والروائح وترتيب طبقات الأثواب، إلى جانب المراسلات الشعرية والعلاقات العاطفية المعقدة التي شكلت حياة البلاط.

ومن هنا يمكن فهم اختيار الكم أو الرداء أداةً للطقس. إنه أقرب شيء إلى الجسد أثناء النوم، والسطح الذي حمل دموع صاحبه ورائحته وحرارته.

أما قلب الثوب إلى الداخل، فيمكن قراءته رمزياً بوصفه قلباً لنظام العالم نفسه. فالوجه المخفي يصبح ظاهراً، والداخل يتحول إلى خارج، والبعيد يصبح قريباً، وما لا يمكن تحقيقه في اليقظة يصبح ممكناً في المنام.

لكن هذا تفسير رمزي حديث، وليس شرحاً حرفياً وصل إلينا من أصحاب المعتقد أنفسهم.

هل كانت الروح تغادر الجسد ؟

لا تقول الحاشية الواردة في مذكرات كاغيرو إن الروح تغادر الجسد فعلياً عند قلب الأكمام. كما لا توجد أدلة تسمح بالجزم بأن كل من مارس هذا الفعل كان يؤمن بانتقال روحه إلى حلم شخص آخر.

مع ذلك، لم تكن فكرة الروح المتجولة غريبة عن الأدب الياباني في عصر هييان. ففي بعض القصص، وعلى رأسها حكاية غينجي، تستطيع المشاعر الشديدة، مثل الغيرة والتعلق، أن تظهر في صورة روح حية "إكيريو"  Ikiryō تنفصل عن صاحبها وتؤثر في شخص بعيد، وقد لا يكون صاحب الروح واعياً تماماً بما تفعله مشاعره خارج جسده.

من الضروري عدم الخلط بين الحالتين، فالروح الحية في حكاية غينجي غالباً ما تكون مخيفة ومؤذية، بينما يبدو طقس الأكمام المقلوبة أكثر رقة وارتباطاً بالاشتياق، لكن الفكرتين تلتقيان عند تصور واحد: أن المشاعر القوية قد لا تبقى حبيسة الجسد.

هل يعمل الطقس من الناحية النفسية ؟

يمكن لعلم النفس الحديث أن يقدم تفسيراً لا يحتاج إلى افتراض انتقال الأرواح، فعندما يفكر الإنسان في شخص بصورة مكثفة قبل النوم، ويقوم بفعل رمزي مرتبط به، ثم ينتظر رؤيته، فقد يزداد احتمال ظهور ذلك الشخص في حلمه.

تُعرف محاولة توجيه موضوع المنام باسم استحضار الأحلام Dream Incubation، وقد أظهرت تجارب حديثة أن تقديم موضوع أو إشارة معينة خلال بداية النوم يمكن أن يؤثر في محتوى بعض الأحلام ويجعلها تدور حول الموضوع المقترح.

كما طوّر باحثون في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا طريقة تسمى الاستحضار الموجّه للأحلام Targeted Dream Incubation بهدف إدخال موضوعات محددة إلى الأحلام خلال مرحلة الانتقال من اليقظة إلى النوم.

من هذا المنظور، يعمل قلب الأكمام بوصفه إشارة نفسية، إنه يركز الانتباه على الحبيب ويعزز التوقع، فتستمر صورته في الذاكرة حتى بداية النوم، وقد تدخل بعد ذلك في الحلم.

لكن هذه النتائج لا تثبت أن شخصاً يستطيع إرسال روحه أو صورته إلى حلم شخص آخر، ولا تقدم دليلاً على حدوث اتصال تخاطري بين حالمين متباعدين، إنها تفسر فقط كيف يمكن للتركيز والإيحاء السابق للنوم أن يؤثرا في أحلام الشخص نفسه.

طقس حب أم سحر أحلام ؟

يصعب وضع الأكمام المقلوبة في تصنيف واحد، فهو ليس طقساً دينياً معروفاً، وليس تعويذة سحرية معقدة، كما أنه ليس مجرد استعارة شعرية خالية من أي أساس شعبي.

يبدو أنه كان مزيجاً من المعتقد والممارسة والشعر، قد يقوم به البعض أملاً في رؤية الحبيب، بينما يستخدمه الشعراء رمزاً يفهمه القراء من دون حاجة إلى شرحه، ومع مرور الزمن أصبح قلب الرداء صورة أدبية تختصر ليلة كاملة من الانتظار والحرمان.

وما يمنح هذا الاعتقاد مكانته في تاريخ الأحلام ليس غرابة الفعل نفسه، بل فكرته العميقة: أن المنام يمكن أن يصلح ما أفسده الواقع، وأن يمنح العاشقين لقاءً مؤقتاً لا يخضع للمسافة أو الأبواب أو أعين المجتمع.

بين الوهم والزيارة

ربما كانت المرأة التي تقلب أكمامها ترى حبيبها لأن ذهنها ظل مشغولاً به حتى غلبها النوم، وربما لم تر شيئاً فتستيقظ أكثر وحدة من قبل،  لكن بالنسبة إليها، لم يكن ظهور الحبيب صورة عشوائية بالضرورة؛ فقد يكون علامة على أنه لا يزال يتذكرها، أو أنه عبر في تلك الليلة طريقاً خفياً نحو حلمها.

لهذا بقي السؤال من دون جواب حاسم، تماماً كما بقيت الأحلام نفسها واقفة بين التجربة النفسية واللغز:

حين يظهر شخص نحبه في المنام، هل نحن الذين استحضرناه من ذاكرتنا، أم أن شيئاً منه كان يبحث عنا ؟

في اليابان القديمة، كان بعض العشاق يقلبون أكمامهم، يغمضون أعينهم، ويتركون للشوق مهمة العثور على الطريق.