في ماردين، المدينة الحجرية الواقعة في جنوب شرق تركيا، لا يبدو المجهول بعيداً عن الحياة اليومية ، الأزقة القديمة، البيوت المتدرجة فوق سفوح صخرية، الكنائس والأديرة والمساجد، والقرى الممتدة نحو نصيبين وميديات، كلها تجعل المكان أقرب إلى مسرح طبيعي للحكايات. 

ماردين ليست مدينة تركية عادية بل منطقة تماس تاريخي بين الأناضول وبلاد الرافدين والشام، عاشت فيها ثقافات ولغات وديانات متعددة، من العرب والأكراد والسريان واليزيديين والأتراك، ولذلك لم يكن غريباً أن تحمل ذاكرتها الشعبية طبقات متداخلة من المعتقدات عن الجن، الأرواح، الكائنات الحارسة، والكائنات التي لا يُستحب ذكرها ليلاً.

ما يميز ماردين في هذا المجال أن قصصها عن الجن لا تأتي كحكاية واحدة منعزلة بل كعالم فولكلوري كامل، فالجن في ماردين ليسوا مجرد كائنات مخيفة تظهر في المقابر أو الخرائب بل جزء من تفسير الناس للمرض، الخوف، الولادة، الحظ، الأحلام، البيوت القديمة، الكنوز المدفونة، وحتى أصوات الحيوانات في الليل. 

ومن هنا تأتي أهمية دراسة تركية حديثة بعنوان "حكايات الكائنات الديمونية في منطقة ماردين"  Mardin Sahası Demonik Varlık Anlatıları  للباحثة شاكيره باليكجي المنشورة عام 2023 في مجلة Folklor Akademi Dergisi. 

من المهم هنا توضيح المصطلحات، عندما تستخدم الدراسة كلمة ديمونية "demonik" فهي لا تقصد بالضرورة "شيطانياً" بالمعنى الديني المباشر، بل تشير إلى كائنات خفية أو مخيفة أو فوق بشرية كما تتصورها الذاكرة الشعبية. 

ولذلك يجب ألا نخلط بين العقيدة الدينية في الجن، كما ترد في الإسلام، وبين الروايات المحلية التي تضيف إليها صوراً وأسماء وأدواراً متوارثة من الفولكلور، فالمقال لا يبحث في إثبات وجود الجن أو نفيه، بل في الطريقة التي تخيل بها الناس في ماردين علاقتهم بالعالم غير المرئي.

هذه الدراسة اعتمدت على العمل الميداني وجمعت ما يسمى في الفولكلور التركي بـ "الميمورات" Memorat، أي رواية تجربة شخصية خارقة أو سمعها الراوي من شاهد مباشر، لا مجرد أسطورة بعيدة عن الواقع اليومي، وتذكر الدراسة أن أكثر الكائنات الديمونية حضوراً في مرويات ماردين هي الجن، وأن الأكثر تأثيراً بينها في المخيال المحلي هو الجن الأنثى.

تقول الدراسة إن ماردين، وخصوصاً منطقة نصيبين، تملك تقليداً غنياً في الروايات المرتبطة بالجن، وهذا ليس مفاجئاً إذا تذكرنا أن نصيبين نفسها تحمل حضوراً خاصاً في الإسلام ولا سيما القصة الشهيرة لـ جن نصيبين المذكورة في القرآن الكريم حينما استمع نفر منهم إلى القرآن بحضور الرسول محمد (ص)، كما أن موقع جيرنافاز قرب نصيبين المعروف شعبياً باسم "تل الجن" يوضح كيف يتحول المكان الأثري إلى موقع مقدس في الخيال الشعبي، فمديرية الثقافة والسياحة في ماردين تذكر أن جيرنافاز يقع على بعد نحو أربعة كيلومترات شمال مركز نصيبين، وأنه موقع أثري استخدم للاستيطان منذ الألف الرابع قبل الميلاد حتى القرن السابع قبل الميلاد، ثم صار في الذاكرة الشعبية مكاناً مرتبطاً بالجن ومير عثمان، أحد أمراء الجن، حيث يقصده بعض الناس طلباً للشفاء.

لكن "جن ماردين" لا يقتصرون على جيرنافاز، فالموضوع أوسع من تل واحد أو مقام واحد، الدراسة الميدانية تكشف أن المخيلة المحلية في ماردين تميل إلى رؤية الجن بوصفهم كائنات قريبة من عالم الإنسان، لكنها لا تنتمي إليه تماماً، هم قد يسكنون الأماكن الموحشة، البيوت القديمة، الحظائر، المياه، الآبار، الخرائب، أو المواضع التي يُعتقد أن فيها كنوزاً، وقد يظهرون على هيئة بشر، نساء، قطط، أو كائنات لا يتضح شكلها، وقد يكونون مؤذين لكنهم ليسوا دائماً أشراراً بصورة مطلقة؛ فبعض الروايات تصفهم ككائنات يمكن تجنب أذاها بالاحترام والابتعاد عن أماكنها وأوقاتها.

إحدى النقاط اللافتة في ماردين أن "الشيطان" نفسه لا يحتل مركز الحكاية كما قد نتوقع، الدراسة تقول إن روايات الشيطان محدودة جداً في هذا المجال بينما يسيطر الجن على المشهد، وهذا يعكس خصوصية : الشرّ أو الخطر لا يأتي دائماً من الشيطان بوصفه رمزاً دينياً عاماً بل من كائنات أصغر وأكثر قرباً من الإنسان، كائنات تشاركه المكان والزمن والبيت والحقل والماء، الجن هنا ليسوا فكرة مجردة، بل جيران غير مرئيين، يجب معرفة حدود التعامل معهم.

في ماردين، علاقة الإنسان بالجن تُبنى على مزيج من الخوف والاحترام والمصلحة والفضول، فالناس في المرويات لا ينظرون إلى الجن كعدو مطلق فقط بل كقوة يجب مراعاة قواعدها، وإذا احترم الإنسان حدودها ولم يسكب الماء الساخن في موضعها ولم يدخل الأماكن الموحشة ليلاً ولم يعبث بما لا يعرفه، فقد يتجنب أذاها. 

أما إذا كسر هذه الحدود، فإن الحكاية تبدأ: مرض مفاجئ، خوف ليلي، اضطراب في البيت، مشكلات بين الزوجين، حرائق متكررة، أو موت أطفال في روايات أشد قتامة، وتذكر الدراسة أمثلة محلية على اعتقادات تربط سكب الماء الساخن في المغاسل أو المواضع المفتوحة من دون بسملة أو استئذان بإيذاء الجن، وهو معتقد معروف أيضاً في مناطق كثيرة من العالم الإسلامي.

ومن أكثر الجوانب إثارة في هذا الفولكلور حضور الجن الأنثى ، حيث تذكر الدراسة أن نسبة وفاعلية الجن الإناث في مرويات ماردين تبدو أعلى من الذكور وأن العلاقة بين البشر وهذه الكائنات الأنثوية تشكل محوراً مهماً، هنا تظهر أسماء مثل بيرابوك Pirabok و غانم Ğanim، وهي كائنات أنثوية تتداخل أدوارها مع كائنات معروفة في الفولكلور التركي مثل الألكاريسي أو "شيطانة النفاس".

الجنية بيرابوك

يتم تصوير بيرابوك في ماردين كجنية أنثى، في بعض الروايات تشبه "الألكاريسي" التي تؤذي النساء بعد الولادة أو الأطفال حديثي الولادة، لكنها في روايات أخرى تتخذ صورة أكثر تعقيداً ، فقد تلبس هيئة امرأة جميلة، أو تدخل في علاقة غامضة مع البشر، أو تُربط بالماء.

تذكر الدراسة رواية عن جنية من هذا النوع يتم "إمساكها" بواسطة إبرة، ثم تبقى في خدمة عائلة بشرية سنوات طويلة، حتى تنشأ بينها وبينهم علاقة عاطفية، قبل أن تشتاق إلى عالمها الأصلي وتطلب العودة إلى الماء، وعندما تُلقى في النهر، تشير الرواية إلى أن أهل عالمها لا يقبلونها لأنها عاشت بين البشر فيكون مصيرها مروعاً.

هذه الحكاية تكشف جانباً إنسانياً غريباً في فولكلور ماردين، فالجنّية ليست مجرد وحش بل كائن يقع بين عالمين: عالم البشر الذي ألفته، وعالم الجن الذي لم يعد يقبلها، لذلك تبدو القصة أقرب إلى مأساة عن الحدود المحرمة بين العوالم.

الجنية غانم

أما غانم Ğanim فهي جنية أخرى ترد في روايات نصيبين وميديات، وتقول الدراسة إن بعض الرواة يستخدمون هذا الاسم للكائن الذي يطارد النساء الحوامل، بينما يرى آخرون أنه لا يقتصر على الحوامل، بل قد يطارد الناس عموما،  وهذا التذبذب في التعريف مهم، لأنه يدل على أن الكائنات الفولكلورية ليست ثابتة دائماً؛ فهي تتغير من قرية إلى أخرى، ومن عائلة إلى أخرى، وقد يحمل الاسم نفسه أكثر من وظيفة.

مير عثمان

في المقابل يظهر مير عثمان كأحد أبرز رموز جن ماردين ونصيبين، هو ليس جنياً عادياً في المخيال المحلي، بل "مير" أو أمير من أمراء الجن، وتصف الدراسة أسطورته بأنها من أكثر أساطير الجن شيوعاً في المنطقة.

في إحدى الروايات، تقترب زوجة مير عثمان من الولادة، لكن الجن يعجزون عن توليدها، فيستدعون قابلة بشرية ماهرة اسمها فاطمة. تُؤخذ فاطمة بعد صلاة العشاء إلى قرية فيسكي/فيسيكه، وتلاحظ أن الذين أخذوها ليسوا بشراً عندما ترى أقدامهم معكوسة، تصل إلى مير عثمان وتنجح في توليد زوجته فيكافئها بقشور بصل تبدو في البداية بلا قيمة، لكنها تتحول لاحقاً إلى ذهب في بعض الصيغ الشعبية للحكاية.

هذه الأسطورة بالذات تكشف موقع القابلة والولادة في خيال ماردين، فحتى عالم الجن يحتاج إلى "قابلة" من عالم البشر، الولادة هنا لحظة عبور خطيرة، ليست للإنسان وحده بل للجن أيضاً،  كما أن فاطمة، بوصفها قابلة، لا تؤدي عملاً طبياً فقط، بل تدخل مؤقتاً إلى عالم آخر، وتعود منه بهدية لا تفهم قيمتها في البداية.

المكان وساكنوه

لا يمكن فهم جن ماردين من دون فهم دور البيت، فالبيت في هذه المرويات ليس مجرد مكان للسكن بل مساحة يجب حمايتها، تذكر الدراسة أن مفهوم البيت يظهر كخلفية عميقة في الروايات، لأن البيت هو "معبد" الإنسان الخاص، ولذلك يجب صونه من الأرواح السيئة. 

ليست الغرفة وحدها مهمة، بل أيضاً المغسلة، الحمام، السطح، الفناء، الحظيرة، ومكان الحيوانات. كل جزء من البيت قد يكون موضع تماس مع المجهول، ولهذا تظهر التحذيرات: لا تسكب الماء الساخن بلا بسملة، لا تترك الأطفال في أوقات معينة، لا تخرج وحدك في الظلام، لا تعبث بالمكان الذي لا تعرف سكانه غير المرئيين.

الحظائر أيضاً لها مكانة خاصة، في الثقافة الريفية، الحيوانات ليست مجرد ممتلكات، بل أساس الرزق، لذلك تصبح الحظيرة عرضة للخوف من الأرواح، تذكر الدراسة روايات عن كائنات تعبث بأعراف الخيل أو ذيولها، وهي صورة معروفة في مناطق تركية أخرى أيضاً. إن تلبد شعر الحصان أو ضياع الحيوان أو مرضه قد يُفسر شعبياً بأنه علامة على اقتراب كائن خفي، خصوصاً إذا حدث في الليل أو في مكان معزول.

الكنوز وحراسها

ومن أغرب أبواب جن ماردين ارتباطهم بالكنوز، فالمنطقة غنية بالآثار والبيوت القديمة والطبقات التاريخية، ولذلك تنتشر حكايات الدفائن والذهب المخبوء، في هذا السياق يصبح الجن أو الكائن الحارس سبباً لتفسير خوف الناس من الحفر أو فشلهم في العثور على الكنز. 

بعض المرويات تقول إن لكل كنز حارساً، وأن الحارس قد يظهر في صورة حيوان، خصوصاً قطة أو أفعى، وتذكر الدراسة أن انتشار أنشطة البحث عن الدفائن في المنطقة ساعد على ظهور motif "الأرواح الحارسة للكنوز"،  بل ترد عبارة شعبية لافتة: " إذا كان هناك كنز، فهناك أفعى".

هذه النقطة مهمة لأنها تجعل الجن جزءاً من اقتصاد الخيال أيضاً، فالكنز المدفون لا يكون مغرياً فقط، بل خطيراً، لا يكفي أن تعرف مكانه بل يجب أن تعرف كيف تتعامل مع حارسه ، وهنا تختلط الرغبة في الثراء بالخوف من العقوبة.، لذلك تبدو حكايات الكنوز في ماردين كأنها تحذير أخلاقي أيضاً: ليس كل ما تحت الأرض ملكاً لمن يجده.

العرافة وأثر السحر

تظهر الجن أيضاً في باب العرافة والسحر الشعبي، تذكر الدراسة أن الفأل والعرافة في ماردين يمثلان نشاطاً نصف طقسي ونصف اجتماعي، وغالباً ما يجري ربطهما بالجن، في إحدى الروايات الميدانية تذهب امرأة مع ابنتها إلى عرافة، فتستخرج العرافة ورقة غامضة من وعاء فيه برغل، وتزعم أن العائلة واقعة تحت تأثير سحر، ثم تطلب مالاً لفكه، مثل هذه الروايات لا تقدم دليلاً على تدخل الجن لكنها تكشف كيف تُستخدم فكرة الجن اجتماعياً ونفسياً لتفسير الفشل، الخلافات العائلية، المرض، أو الحسد.

تقسيم الأوقات

وفي ماردين كما في مناطق كثيرة، يلعب الوقت دوراً أساسياً،  الليل ليس مثل النهار والفجر ليس مثل المغرب، تقول الدراسة إن المرويات تضع تقسيماً ضمنياً بين أوقات البشر وأوقات الجن، فمع أذان الصبح، بحسب الاعتقاد الشعبي، تهرب الجن إلى عالمها، ولهذا تنبح الكلاب لأنها تراها، أما الظلام والأماكن الخالية فهما مجال الخطر، لذلك كانت تحذيرات الأمهات للأطفال من اللعب بعد الغروب ليست مجرد خوف من الشارع، بل صدى لمعتقد أقدم: بعد الغروب تخرج الكائنات التي لا تُرى.

أدوات الحماية

تبرز في الروايات أدوات للحماية، أهمها الحديد،  تذكر الدراسة أن الدبوس المعدني أو الإبرة أو حتى البندقية، بوصفها من الحديد، تظهر في المخيال الشعبي كوسائل حماية من الجن، وهذا الاعتقاد ليس خاصاً بـ ماردين وحدها، بل معروف في ثقافات عديدة، حيث يرتبط الحديد بطرد الأرواح أو إضعافها، في ماردين يأخذ الدبوس وظيفة مزدوجة: قد يحمي من الجن، وقد يمسك الجنّية نفسها في بعض الحكايات، كما في قصة بيرابوك.

كائنات تعبث وتٌرعب وتُمرض

من الكائنات اللافتة في دراسة ماردين كائن يسمى شيفرِسك Şevresk ، وهو ليس مشهوراً في الأدبيات التركية مثل الألكاريسي أو الكراباسان، لكنه يظهر في المرويات المحلية بوصفه كائناً يطرق أبواب البيوت بعد منتصف الليل، يدخل الأحلام، ويتخذ أشكالاً مختلفة لإخافة الناس. 

في إحدى الروايات، يرى رجل قطعتين من الخشب تتحركان أمامه صعوداً وهبوطاً، لكنه عندما يستدعي أخاه لا يجدان شيئاً، هذه الحكاية نموذج واضح لما يسميه الباحثون ميمورات.

ما يلفت النظر أن جن ماردين ليسوا دائماً خارج الإنسان، بل يدخلون في تفسير الاضطرابات النفسية والجسدية والاجتماعية، من علامات "المس" أو "المضايقة" في المرويات: الأرق الليلي، اتساخ الملابس بلا سبب، كثرة الشجار بين الزوجين، تكرر الإجهاض، موت الأطفال، أو اندلاع الحرائق في البيت. 

هذه العلامات لا ينبغي قراءتها طبياً بوصفها تشخيصاً، بل فولكلورياً بوصفها لغة شعبية لتفسير المعاناة، فحين يعجز الناس عن تفسير المرض أو سوء الحظ أو الاضطراب العائلي يمنحهم الفولكلور إطاراً مفهوماً: هناك كائن غاضب، هناك حدّ كُسر، هناك طقس حماية يجب القيام به.

هنا تظهر أهمية ماردين كمجال ثقافي لا كقصة رعب فقط، فالمرويات لا تقول لنا ماذا حدث فعلاً في كل بيت أو حقل، لكنها تقول لنا كيف فهم الناس الخطر.

ثقافة الجن حاضرة في الحياة اليومية

الجن في ماردين هم لغة للخوف من المجهول، وللحذر من الأماكن المهجورة، ولحماية النساء بعد الولادة، ولتنظيم علاقة الإنسان ببيته وحيواناته ومياهه وكنوزه، إنهم خريطة غير مرئية للسلوك: أين تذهب، متى تخرج، ماذا تقول قبل أن تسكب الماء، كيف تحمي الطفل، ولماذا لا تعبث ببيت قديم أو بئر أو حجر في أرض لا تعرف تاريخها.

ومن الناحية الثقافية، تبدو ماردين مكاناً مثالياً لهذا النوع من المرويات لأنها مدينة حدودية بالمعنى العميق، ليست حدوداً سياسية فقط، بل حدود بين لغات وأديان وذاكرات. في المدينة ومحيطها تتجاور العربية والكردية والتركية والسريانية، وتتداخل الرواية الإسلامية مع بقايا أقدم من المعتقدات المحلية. 

ولذلك يمكن أن نجد في قصة واحدة أثراً من الإسلام، ولمحة من الفولكلور الأناضولي، وظلاً من بلاد الرافدين، وخوفاً ريفياً قديماً من الماء والليل والولادة، حتى المصدر الرسمي التركي يصف جيرنافاز بأنه مثال على "الفسيفساء الثقافية" في ماردين، إذ إن طقوس طلب الشفاء في ذلك الموضع لا تقتصر على المسلمين، بل يشارك فيها أيضاً سريان ويزيديون بحسب الرواية المحلية.

وختاماً، لا تبدو ماردين في هذه المرويات مدينة يسكنها الجن بقدر ما تبدو مدينة تسكنها الحكايات عن الجن، هناك فرق مهم بين الأمرين، فالأول ادعاء غيبي يصعب إثباته أو نفيه، أما الثاني فهو حقيقة ثقافية واضحة: الناس هناك رووا، وحذروا، وخافوا، وتوارثوا أسماء وطقوساً وتفسيرات، ومن خلال هذه الحكايات بنوا طريقة للتعامل مع العالم غير المفهوم من حولهم.

جن ماردين، إذن، ليسوا مجرد مادة للرعب، إنهم مرآة لمدينة تقف على حافة حضارات كثيرة، وتحول الليل والماء والبيت والولادة والكنز إلى أبواب محتملة بين عالمين ، عالم نراه ونعيش فيه، وعالم آخر لا يظهر إلا في الحكاية، حين يشتد الظلام، أو ينبح الكلب قبل الفجر، أو تقول امرأة مسنة لطفلها: لا تسكب الماء الساخن قبل أن تستأذن.