ماذا لو أخبرك أحدهم أن خوفك من مكانٍ مظلم، أو نفورك من رائحة معينة، أو شعورك الغامض بالقلق من موقف لم تختبره قط... قد لا يكون نابعاً من حياتك أنت ؟ بل ربما يكون صدى تجربة عاشها أحد أجدادك قبل عشرات أو حتى مئات السنين.
لطالما بدت هذه الفكرة أقرب إلى الخيال أو الروايات الماورائية، لكنها في السنوات الأخيرة وجدت طريقها إلى المختبرات العلمية، فقد ظهر فرع من علم الأحياء يعرف باسم الإبيجينتيكس Epigenetics الذي يدرس كيف يمكن للخبرات الحياتية أن تؤثر في طريقة عمل الجينات وكيف قد تنتقل بعض هذه التأثيرات إلى الأجيال التالية.
لكن هل يعني ذلك أن الإنسان يستطيع حقاً أن يرث ذكريات أسلافه ؟ أم أننا أمام سوء فهم علمي فتح الباب أمام تأويلات غامضة ؟
الذاكرة... أين تعيش ؟
قبل الإجابة، علينا أن نفهم كيف تُخزَّن الذكريات ، يعرف علماء الأعصاب أن الذكريات لا تُكتب داخل الحمض النووي DNA، بل تتشكل عبر شبكات معقدة من الخلايا العصبية والوصلات بينها داخل الدماغ، عندما تتذكر وجهاً أو مكاناً أو حدثاً من طفولتك فإنك لا تستدعي "جيناً" بل تنشط دوائر عصبية تكونت عبر التجربة.
لذلك، كان الاعتقاد العلمي السائد لعقود طويلة يقول إن ما يورثه الآباء لأبنائهم هو الجينات فقط، أما الذكريات الشخصية فتموت بموت أصحابها ، لكن مع مطلع القرن الحادي والعشرين، بدأت هذه الصورة تتغير.
ما هو علم الإبيجينتيكس ؟
تعني كلمة Epigenetics حرفياً "ما فوق الجينات" ، فالجينات يمكن تشبيهها بكتاب ضخم يحتوي تعليمات بناء الجسم، لكن هذا الكتاب لا يُقرأ كاملاً في كل خلية، هناك علامات كيميائية صغيرة تعمل كإشارات تحدد أي الصفحات تُقرأ وأيها تُغلق، هذه العلامات لا تغيّر تسلسل الـDNA نفسه لكنها تغير طريقة استخدامه ولهذا تسمى "التعديلات الإبيجينية".
والأمر المثير أن البيئة قد تؤثر فيها ، التغذية، والإجهاد، والسموم، وبعض أنواع الصدمات النفسية، قد تترك بصمات إبيجينية على الجسم، والسؤال الذي شغل العلماء هو: هل يمكن أن تنتقل هذه البصمات إلى الأبناء ؟
التجربة التي أثارت العالم
في عام 2013 نشر الباحثان براين دياس Brian Dias و كيري ريسلر Kerry Ressler من جامعة إيموري الأمريكية دراسة أصبحت من أشهر الدراسات في هذا المجال ، استخدم الباحثان فئران المختبر، وعرضاها لرائحة تشبه رائحة زهر الكرز، وفي كل مرة كانت الرائحة تقترن بصدمة كهربائية خفيفة ، بعد فترة قصيرة أصبحت الفئران ترتجف بمجرد شم الرائحة، حتى دون وجود صدمة.
لكن المفاجأة جاءت لاحقاً ، عندما أنجبت هذه الفئران صغاراً لم يتعرضوا لأي تدريب أو صدمات، لاحظ الباحثون أن الأبناء أظهروا حساسية غير اعتيادية للرائحة نفسها، كما أبدوا سلوكاً يدل على الخوف منها، والأكثر إثارة أن هذا الأثر ظهر أيضاً لدى بعض الأحفاد.
كما اكتشف الفريق تغيرات مرتبطة بالمستقبلات الشمية الخاصة بهذه الرائحة في الحيوانات المنوية للآباء، مما دفعهم إلى اقتراح أن بعض آثار الخبرة قد تنتقل عبر آليات إبيجينية.
وسرعان ما تصدرت الدراسة عناوين الصحف حول العالم.
هل ورثت الفئران الذكريات ؟
هنا بدأت المشكلة، وسائل الإعلام تحدثت عن "وراثة الذكريات" لكن الباحثين أنفسهم كانوا أكثر حذراً ، فالدراسة لم تثبت أن الفئران ورثت ذكرى الصدمة بكل تفاصيلها بل أشارت إلى أنها ربما ورثت "استعداداً بيولوجياً" يجعلها أكثر حساسية لمنبه معين.
وهذا فرق جوهري فالذاكرة الواعية شيء والقابلية الفطرية للاستجابة لشيء ما شيء آخر تماماً.
ماذا عن البشر ؟
إذا كانت الفئران قد أثارت الفضول، فإن البشر قدموا أسئلة أكثر تعقيداً ، من أشهر الباحثين في هذا المجال الطبيبة الأمريكية راشيل يهوداRachel Yehuda التي درست أبناء وأحفاد الناجين من المحرقة (الهولوكوست)، وجدت دراساتها اختلافات في بعض المؤشرات المرتبطة بتنظيم هرمونات التوتر، مما دفعها إلى اقتراح أن الصدمات الشديدة قد تترك آثاراً بيولوجية يمكن أن تمتد إلى الجيل التالي ، كما ظهرت دراسات تناولت أحفاد من عاشوا المجاعات الكبرى أو الحروب أو الكوارث، وأشارت إلى احتمال وجود تأثيرات طويلة الأمد ، لكن هذه الدراسات واجهت تحدياً أساسياً ، كيف يمكن التمييز بين ما ورثه الأبناء بيولوجياً، وما اكتسبوه من بيئتهم الأسرية وثقافتهم وطريقة تربيتهم ؟
حتى اليوم لا يملك العلم إجابة قاطعة.
هل يمكن أن نخاف مما لم نعشه ؟
هذا هو السؤال الذي جعل الموضوع يتجاوز حدود علم الوراثة ، إذا كان الجسد يستطيع أن يحمل آثار تجارب لم يعشها بنفسه فهل يمكن للعقل أيضاً أن يحمل شيئاً منها ؟
العلم حتى الآن لا يملك دليلاً على ذلك ، لكن السؤال وحده كان كافياً لإحياء أفكار قديمة لطالما اعتبرت من عالم الفلسفة والماورائيات.
كارل يونغ... واللاوعي الذي يسبق الولادة
قبل ظهور علم الإبيجينتيكس بعقود، طرح عالم النفس السويسري كارل يونغ فكرة اللاوعي الجمعي ، كان يونغ يرى أن البشر يشتركون في طبقة نفسية عميقة تحتوي على رموز وصور بدائية مشتركة، تظهر في الأحلام والأساطير والأديان، بغض النظر عن اختلاف الثقافات ، لم يكن يونغ يتحدث عن الجينات أو الكيمياء الحيوية لكنه كان يعتقد أن الإنسان يولد حاملاً شيئاً أقدم من ذكرياته الشخصية.
واليوم يرى بعض المفكرين أن الجدل حول الإبيجينتيكس يعيد إحياء السؤال نفسه، وإن كان من زاوية بيولوجية مختلفة.
هل اقترب العلم من الكارما ؟
في الفلسفات الهندوسية والبوذية، تحمل الكارما آثار الأفعال من الماضي إلى المستقبل وقد تمتد – بحسب المعتقد – إلى حياة جديدة ، الإبيجينتيكس لا يقول شيئاً عن تناسخ الأرواح لكنه يثير فكرة مختلفة وهي أن بعض آثار التجارب قد تستمر بعد رحيل أصحابها.
التشابه هنا رمزي أكثر منه علمياً، لكنه يفسر لماذا أثارت هذه الدراسات اهتمام الباحثين في الأديان والفلسفة والماورائيات.
التنويم المغناطيسي وذكريات الأجداد
يدّعي ممارسون في بعض مدارس العلاج البديل أن الإنسان قد يسترجع أثناء التنويم المغناطيسي ذكريات تعود إلى أجداده أو إلى حياة سابقة ، حتى الآن لا يوجد دليل علمي يثبت هذه الادعاءات ، ويرى علماء النفس أن كثيراً من هذه "الذكريات" قد يكون ناتجاً عن الإيحاء أو بناء قصص ذهنية دون قصد ، ومع ذلك ما زالت هذه الفكرة حاضرة بقوة في الأدبيات الروحية.
بين الميكروفون والجينات
عندما جلس الإعلامي اللبناني جاد وهبي لأول مرة أمام الميكروفون، كان كثيرون يرون أنه يسير على خطى والده، الإعلامي الراحل حكمت وهبي (المذيع الأبرز في إذاعة مونتي كارلو الدولية) والذي توفي قبل أن يولد ابنه، فهل كان ذلك نتيجة قصة عائلية شكّلت هويته منذ الصغر ؟ أم لأنه ورث صوتاً واستعداداً لغوياً ساعداه على النجاح ؟ أم أن هناك أثراً أعمق لم نفهمه بعد ؟
حتى اليوم، لا يملك العلم إجابة قاطعة، لكنه يميز بوضوح بين وراثة الاستعدادات البيولوجية ووراثة الذكريات أو المهن، وهي أمور لم يثبت انتقالها عبر الإبيجينتيكس.
من الأساطير إلى ألعاب الفيديو
ليست فكرة الذاكرة الموروثة جديدة ، في الأساطير القديمة كان بعض الأبطال يولدون وهم يحملون حكمة الأجداد ، وفي الأدب ظهرت شخصيات تستطيع استرجاع ماضي عائلتها كما لو أنها عاشته بنفسها.
أما في ألعاب الفيديو، فقد اشتهرت سلسلة Assassin's Creed بفكرة أن الإنسان يستطيع عبر تقنية خيالية استعادة ذكريات أسلافه المخزنة في حمضه النووي.
إنها فكرة جذابة...لكنها حتى الآن تبقى في نطاق الخيال العلمي.
لماذا يشكك بعض العلماء ؟
رغم الحماس الكبير، فإن كثيراً من الباحثين يدعون إلى الحذر ، فالنتائج الأقوى جاءت من تجارب على الحيوانات وليس من البشر ، كما أن كثيراً من العلامات الإبيجينية تختفي أثناء تكوّن الأجنة، مما يجعل انتقالها عبر أجيال متعددة أكثر تعقيداً مما يُشاع.
وفوق ذلك كله، يصعب جداً فصل أثر الوراثة عن أثر التربية والبيئة ، لهذا يؤكد معظم المتخصصين أن الحديث عن "وراثة الذكريات" بالمعنى الحرفي سابق لأوانه.
حتى الآن، يمكن تلخيص الموقف العلمي في نقاط واضحة :
- لا يوجد دليل على انتقال الذكريات الشخصية من الآباء إلى الأبناء.
- توجد أدلة متزايدة على أن بعض الخبرات قد تترك آثاراً إبيجينية تؤثر في طريقة عمل الجينات.
- بعض هذه الآثار قد ينتقل إلى الجيل التالي في ظروف معينة، لكن مدى استمراره في البشر ما يزال محل نقاش.
- انتقال الاستعداد البيولوجي لا يعني انتقال الذاكرة نفسها.
عندما يلتقي العلم بالماورائيات
كلما تقدم العلم خطوة في فهم الإنسان، ظهرت أسئلة جديدة ، فإذا كانت الصدمات تستطيع أن تترك أثراً يتجاوز صاحبها...فهل يمكن للمحبة أن تفعل الشيء نفسه ؟ وهل يمكن للشجاعة أو الإبداع أو حتى الإيمان أن يترك بصمات بيولوجية لم نكتشفها بعد ؟
قد تبدو هذه الأسئلة أقرب إلى التأمل منها إلى المختبر، لكنها تذكرنا بأن الحدود بين العلم والماورائيات ليست دائماً جداراً صلباً، بل أحياناً تكون منطقة ضبابية يلتقي فيها السؤال العلمي بالخيال الفلسفي.
وربما كان أكثر ما يثير الدهشة في قصة الإبيجينتيكس أنها لم تثبت حتى الآن وجود ذاكرة موروثة...لكنها أجبرت العلماء على إعادة النظر في فكرة كانت تبدو بديهية يوماً ما: أن كل إنسان يبدأ حياته صفحة بيضاء.
فربما لا نرث ذكريات أجدادنا... لكن من يدري ؟ لعلنا نرث شيئاً أكثر هدوءاً، وأكثر غموضاً... "صدى تلك الذكريات" .