يُقال أن "العين نافذة الروح" وكأنها الجزء الوحيد من الوجه الذي يصعب عليه أن يخفي تماماً ما يدور في الداخل وربما لهذا السبب لا تمرّ بعض النظرات علينا مروراً عادياً، فقد تقابل شخصاً لا يقول شيئاً مريباً ولا يقوم بحركة تهديدية، ومع ذلك تشعر بعد ثوانٍ من التقاء عينيك بعينيه بأن نظرته لم تتوقف عند وجهك، بل عبرته إلى مكان أعمق، إحساس غامض يدفعك إلى خفض بصرك، أو يجعلك تتساءل دون سبب واضح : لماذا أشعر أنه يراني أكثر مما ينبغي ؟
نصف بعض هذه النظرات بأنها "ثاقبة" أو "مغناطيسية" وأحياناً بأنها باردة، مفترسة أو مخيفة، ومنذ القدم نُسب إلى العين ما يتجاوز وظيفتها في الرؤية؛ فارتبطت بـ الحسد والسحر والتنويم والقوة الخفية، وكأن النظرة شيء يمكن أن يخرج من صاحبها ويصيب من يقع عليه.
أما علم النفس وعلم الأعصاب فيقدمان احتمالاً مختلفاً وأكثر تعقيداً: ربما لا تكمن قوة تلك النظرة في العين ذاتها بل في ما يحدث داخلنا حين ندرك أن شخصاً آخر لا يكتفي برؤيتنا... بل يراقبنا باهتمام شديد.
العين ليست مجرد عضو للرؤية
عندما ننظر إلى شيء جامد فإن دماغنا يعالج شكله ولونه وموقعه، أما عندما نكتشف أن إنساناً آخر ينظر مباشرة إلى أعيننا، فإن الأمر يصبح مختلفاً.
الاتصال البصري يحمل رسالة ضمنية شديدة القوة: أنا أراك، وأعرف أنك تراني، ولهذا فإن النظرة المباشرة تستطيع زيادة الانتباه والاستثارة الجسدية والوعي بالذات، نحن لا نستقبلها كمعلومة بصرية محايدة بل كحدث اجتماعي يقع علينا شخصياً.
يكفي أحياناً أن يثبت شخص نظره علينا لثوانٍ أطول مما اعتدنا حتى يبدأ الدماغ في البحث عن تفسير:
لماذا ينظر إلي ؟ هل لاحظ شيئاً ؟ هل هو غاضب؟ هل يحاول تخويفي ؟ هل يعرف أنني متوتر؟
وهنا تتحول النظرة من مجرد رؤية متبادلة إلى تجربة نفسية كاملة.
ما الذي يجعل بعض النظرات "ثاقبة" ؟
لا توجد صفة تشريحية واحدة تجعل إنساناً يمتلك ما يمكن تسميته علمياً بـ«العين الخارقة» لكن اجتماع مجموعة من التفاصيل الدقيقة قد يصنع هذا الانطباع.
الشخص الذي يحافظ على اتصال بصري طويل ويقلل من الرمش ولا يحرك رأسه كثيراً،ويحافظ على وجه هادئ أو خالٍ من التعبير، قد يبدو أكثر اختراقاً من شخص يبتسم ويكسر الاتصال البصري بصورة طبيعية.
الدماغ لا يقرأ العين وحدها، بل يراقب في الوقت نفسه:
اتجاه الحدقة، حركة الجفون، تعابير الفم، عضلات الوجه، وضع الرأس، المسافة بين الشخصين، ونبرة الصوت إن وُجدت.
ومن هذه الإشارات الصغيرة يبني خلال لحظات انطباعاً عاماً: هل الشخص ودود أم مسيطر ؟ مهتم أم عدائي ؟ واثق أم غامض ؟
وقد تكون النظرة نفسها مريحة إذا جاءت من شخص نحبه لكنها تصبح مقلقة إذا صدرت من شخص غريب يقف في مكان مظلم مثلاً.
أي أن السياق قد يكون أقوى من العين نفسها.
حين تشعر أنه "قرأك"
هناك نوع آخر من النظرات لا يبدو عدائياً، لكنه يسبب شعوراً بالانكشاف ، قد يجلس أمامك شخص هادئ جداً ويستمع إليك من دون أن يشيح بنظره، وبعد فترة تبدأ أنت في مراقبة نفسك: هل يبدو عليّ القلق ؟ هل لاحظ ترددي ؟ هل اكتشف أنني أخفي شيئاً ؟
المفارقة أن هذا التفكير ذاته يزيد توترك ، كلما أصبحت واعياً بنفسك أكثر شعرت أن الطرف الآخر أصبح قادراً على رؤيتك أكثر. وهكذا تتشكل دائرة نفسية: هو ينظر إليك فتنتبه إلى نفسك فيزداد توترك فتشعر أن نظرته أقوى فتزداد مراقبتك لنفسك.
وفي النهاية قد تغادر اللقاء مقتنعاً بأن ذلك الإنسان كان «يقرأ ما بداخلك»، مع أنه ربما لم يفعل شيئاً سوى المحافظة على اتصال بصري ثابت.
هل العين تكشف الكذب فعلاً ؟
من الأفكار الشائعة أن الإنسان صاحب النظرة الثاقبة يستطيع كشف الكاذب من عينيه لكن الأمر أكثر تعقيداً.
لا توجد حركة واحدة للعين تستطيع وحدها إثبات الكذب بطريقة موثوقة، فالقلق، الخجل، الثقافة، الشخصية، وحتى طبيعة الموقف يمكن أن تجعل الشخص يتجنب النظر أو يثبت عينيه أكثر من المعتاد بل إن بعض الأشخاص الذين يحاولون إقناع الآخرين بصدقهم يتعمدون زيادة الاتصال البصري.
لذلك فإن شعورنا بأن شخصاً «كشف كذبنا» قد يرجع أحياناً إلى أننا نحن نعرف أننا نكذب، فنصبح أكثر حساسية لكل حركة يقوم بها.
أسطورة نظرة السيكوباتي
انتشرت في الأفلام ووسائل التواصل صورة معينة للشخص السيكوباتي: عينان جامدتان، تحديق طويل، نظرة خالية من المشاعر وهذه صورة درامية أكثر مما هي وسيلة تشخيص علمية.
لا يمكن تشخيص الاعتلال النفسي من شكل العينين أو طريقة التحديق وحدها، بل تشير بعض الدراسات إلى أن أصحاب السمات السيكوباتية قد يظهرون في ظروف معينة اهتماماً أقل بالنظر إلى عيون الآخرين ولا سيما عند محاولة قراءة تعبيرات الخوف.
وهذا يكشف مفارقة مهمة: ما نسميه أحياناً «نظرة شريرة» قد يعكس تفسير المشاهد بقدر ما يعكس شخصية صاحب النظرة.
لقد تعلمنا من السينما والروايات أن نعطي العينين الثابتتين معنى مخيفاً ولذلك قد نستحضر هذا المعنى تلقائياً عندما نصادف شخصاً قليل التعبير.نظرة افتراس في قاعة المحكمة
من أكثر الأمثلة التي تجسّد فكرة «النظرة التي تخترقك» تلك اللقطة الشهيرة لسفاح النساء تيد بندي وهو يحدّق في الناجية كارول دارونش أثناء شهادتها ضده في المحكمة، تبدو نظرته ثابتة وباردة، لا تحمل انفعالاً واضحاً بقدر ما توحي بتركيز شديد على الشخص المقابل، ولذلك شبّهها كثيرون لاحقاً بـ نظرة مفترس إلى فريسة أفلتت منه.
غير أن قوة المشهد لا تأتي من نظرة بندي وحدها، بل من التناقض بينها وبين موقف دارونش؛ فهي المرأة التي تمكنت من الهرب منه ثم عادت لتواجهه أمام القضاء وتحدد هويته، وقد تكون معرفتنا اللاحقة بجرائمه هي التي تضاعف رهبة اللقطة وتجعلنا نقرأ في عينيه تهديداً وصيداً وترصداً، لكن المشهد يبقى مثالاً قوياً على الكيفية التي يستطيع بها التحديق الصامت، حين يقترن بتاريخ الشخص وسياق المواجهة، أن يبدو أكثر رعباً من أي كلمة أو حركة.
النظرة المغناطيسية
ليست كل النظرات الثاقبة مخيفة ،فهناك أشخاص توصف نظراتهم بأنها جذابة أو مغناطيسية، يشعر من يتحدث إليهم أنهم يمنحونه كامل انتباههم وكأن لا أحد آخر موجود في المكان وهذه إحدى أدوات الكاريزما الاجتماعية.
الاتصال البصري الجيد يستطيع أن يصنع شعوراً بالألفة والثقة والأهمية، لكن المثير أن الخط الفاصل بين «النظرة الآسرة» و«النظرة المزعجة» دقيق للغاية.
إذا كانت النظرة مصحوبة بابتسامة وتعبير دافئ، فسوف تُفهم غالباً كاهتمام ، أما إذا بقي الوجه ساكناً تماماً واستمر التحديق لفترة طويلة، فقد تتحول الاستجابة إلى شعور بالتهديد.
العيون نفسها تقريباً، لكن الرسالة التي يقرأها الدماغ مختلفة.
من المغناطيسية الحيوانية إلى التنويم
خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر انتشرت في أوروبا أفكار عن وجود قوة غير مرئية يمكن أن تنتقل بين البشر، وأصبح ما سمي آنذاك بـ"المغناطيسية الحيوانية" مرتبطاً لاحقاً بتاريخ التنويم المغناطيسي ومع مرور الوقت ارتبط المنوّم في المخيلة الشعبية بصورة شخص يثبت عينيه في عينَي ضحيته حتى يفقد الآخر إرادته.
التنويم الحديث لا يعتمد على قوة غامضة تنبعث من العين كما لا يحتاج بالضرورة إلى تحديق متبادل ومع ذلك بقيت صورة "النظرة المنومة" قوية في الثقافة لأنها تستند إلى تجربة نعرفها جميعاً: التحديق المباشر يمكن بالفعل أن يجعلنا أكثر انتباهاً وأقل وعياً بما حولنا ، ومن هنا كان من السهل تحويل تجربة نفسية حقيقية إلى اعتقاد بوجود قوة خاصة داخل العين.
عين تُرسل شيئاً إلى الخارج : "الحسد"
اللافت أن ثقافات قديمة كثيرة لم تتصور العين كعضو يستقبل الضوء بالطريقة التي نعرفها اليوم، بل اعتقد بعضها أن العين ترسل شيئاً إلى الخارج ومن هذه الفكرة ربما نفهم جانباً من الانتشار الهائل لمعتقد "العين الشريرة".
فالنظرة الحاسدة في ثقافات عديدة ليست مجرد علامة على الغيرة، بل قوة يمكن أن تسبب المرض أو سوء الحظ أو الأذى ولهذا ظهرت تمائم ورموز لحماية الإنسان من تلك النظرات في مناطق مختلفة من البحر المتوسط والشرق الأوسط وآسيا ،وفي هذه المعتقدات تتحول العين من وسيلة للرؤية إلى أداة تأثير.
والغريب أن التعبير ما زال حاضراً في لغتنا اليومية عندما نقول إن أحدهم "رمقني بنظرة" أو "رمى عليّ نظرة"؛ كأن النظر شيء ينتقل بالفعل من شخص إلى آخر.
النظرة القاتلة في الأساطير
ذهبت الأساطير أبعد من ذلك ، في الأسطورة اليونانية كانت نظرة ميدوسا قادرة على تحويل من ينظر إليها إلى حجر ، أما كائن الباسيليك Basilisk في التراث الأوروبي الوسيط فقد كان مخلوقاً مخيفاً نُسبت إليه، في بعض الروايات، قدرة قاتلة عبر النظر وغالباً ما يصور كحيزان مخيف زاحف.
ولا تكمن أهمية هذه الكائنات في إثبات وجودها، بل في المعنى الذي تحمله: خوف الإنسان القديم من العين التي لا تستطيع مقاومتها.
فإذا كان النظر عادة وسيلة لمعرفة العالم، فإن هذه الأساطير تقلب المعادلة: هنا يصبح مجرد أن يراك الآخر خطراً.
لماذا نخاف من التحديق ؟
في عالم الحيوانات يمثل التحديق المباشر أحياناً علامة على التحدي أو الاستعداد للمواجهة وقد يكون البشر احتفظوا ببعض هذه الحساسية التطورية.
عندما يثبت غريب نظره علينا لفترة طويلة، خصوصاً في موقف لا يوجد فيه سبب اجتماعي واضح لذلك، يصبح الأمر غامضاً والغموض يجعل الدماغ أكثر حذراً.
فالعقل يفضّل تفسيراً واضحاً حتى لو كان سلبياً على ترك الموقف بلا معنى، ولذلك قد يبدأ بتخيل النوايا: مراقبة، تهديد، رغبة في السيطرة، أو حتى شيء غير طبيعي.
وهكذا تتحول بضع ثوانٍ من الاتصال البصري إلى قصة كاملة يصنعها الدماغ.
الوجه الذي لا يعطيك إجابة
ربما تكون أكثر النظرات إثارة للقلق هي تلك التي يصعب معها معرفة شعور صاحبها ، الابتسامة تعطي معنى ، الغضب يعطي معنى ، الخوف يعطي معنى أما الوجه الهادئ جداً الذي لا يكشف شيئاً بينما تظل العينان مثبتتين عليك، فيترك الدماغ دون إجابة.
وفي غياب المعلومات يبدأ العقل بإكمال الفراغات بنفسه ، وهذا قد يفسر أيضاً لماذا تبدو بعض الأقنعة والدمى والوجوه الاصطناعية مخيفة: العينان موجودتان، لكن التعابير التي يفترض أن ترافقهما غائبة ، فنحن نرى إنساناً، لكننا لا نستطيع معرفة ما الذي يشعر به.
هل لبعض الناس حضور مختلف فعلاً ؟
لا يعني التفسير العصبي والنفسي أن جميع الناس ينظرون بالطريقة نفسها فالفروق الفردية حقيقية ، بعض الأشخاص أكثر ثقة في التواصل البصري وبعضهم أكثر قدرة على ملاحظة التغيرات الدقيقة في تعبير الآخرين، وهناك أشخاص تعلموا من المهنة أو الخبرة أو الشخصية، مراقبة من أمامهم بهدوء شديد.
المحقق، الطبيب النفسي، لاعب البوكر، المفاوض، الممثل وحتى الشخص شديد الملاحظة قد يبدو لمن أمامه كأنه يقرأ أفكاره، بينما هو في الواقع يلتقط إشارات صغيرة لا ينتبه لها معظم الناس.
ولذلك فإن «النظرة التي تخترقك» قد تكون أحياناً نتاج مهارة اجتماعية حقيقية، من دون الحاجة إلى افتراض قدرة خارقة.
الثقافة تغير معنى العين
حتى مقدار الاتصال البصري المقبول ليس ثابتاً في كل المجتمعات ، في ثقافات معينة يدل النظر المباشر الطويل على الصراحة والثقة، بينما قد يعتبر في ثقافات أخرى سلوكاً متحدياً أو غير لائق، خصوصاً تجاه الأكبر سناً أو الأعلى مكانة.
وهذا يعني أن النظرة التي تبدو طبيعية تماماً لشخص قد تبدو عدوانية لشخص آخر فالدماغ لا يفسر العين وفق البيولوجيا وحدها، بل وفق التربية والتجارب السابقة أيضاً.
هل يمكن أن نشعر بمن يراقبنا ؟
كثيرون يروون تجربة مألوفة: تكون مشغولاً بشيء ثم تشعر فجأة أن أحداً ينظر إليك، فتلتفت لتجده بالفعل يراقبك وتُقدم هذه التجربة أحياناً كدليل على وجود «حاسة سادسة» لاكتشاف النظرات.
لكن من الصعب فصل هذه الحالات عن مجموعة هائلة من المرات التي التفتنا فيها ولم يكن أحد ينظر إلينا، أو التقطنا خلالها إشارات محيطية صغيرة من دون أن ندرك ذلك بوعي، مثل حركة في طرف مجال الرؤية أو تغير في صوت المكان.
قد يشعر الإنسان بالنتيجة فقط بينما تبقى الإشارات التي أدت إليها خارج وعيه وهنا يبدو الحدس أحياناً أكثر غموضاً مما هو عليه فعلاً.
وفي الختام ، ربما لا يكون السؤال الحقيقي هو: لماذا يمتلك بعض الناس نظرة تخترق الآخرين ؟
بل: ماذا يحدث داخلنا عندما نشعر بأن أحداً يرانا حقاً ؟
في تلك اللحظة تتقاطع آليات قديمة للحذر مع الوعي بالذات والخبرة والثقافة والخيال، وتصبح العينان مرآتين لا نرى فيهما صاحب النظرة فقط، بل نرى أيضاً مخاوفنا وشكوكنا وما نحاول إخفاءه.
وربما لهذا تستطيع نظرة صامتة أن تكون أحياناً أشد تأثيراً من الكلمات.
فقد لا يكون الشخص الذي أمامك قادراً على قراءة أفكارك، لكن مجرد إحساسك بأنه يستطيع ذلك قد يكون كافياً لتشعر للحظة بأن نظرته لم تتوقف عند عينيك...بل تجاوزتهما إلى مكان أعمق.