عندما ينظر المرء للمرة الأولى إلى أوراق تاروت تحوت Thoth Tarot قد يظن أنه أمام نسخة أكثر غرابة من أوراق التاروت المعروفة؛ رسوم هندسية متشابكة، رموز فلكية، حروف عبرية، آلهة مصرية، ألوان مشحونة وإشارات يصعب فهمها.
لكن بالنسبة إلى مبتكر النظام، الساحر والباطني البريطاني أليستر كراولي Aleister Crowley، لم تكن هذه الأوراق مجرد وسيلة لمعرفة المستقبل، بل محاولة لاختزال منظومة كاملة من السحر والقبالة (الكابالا) والتنجيم والخيمياء داخل 78 صورة.
فهل توجد بالفعل «مفاتيح سرية» داخل تاروت تحوت ؟ وما الذي يجعله مختلفاً عن التاروت التقليدي ؟ وهل يستخدم للعرافة فقط، أم أن وراءه أغراضاً سحرية أخرى ؟
كتاب تحوت الذي لم يأت من مصر
اختار كراولي اسم Thoth نسبة إلى تحوت، إله الحكمة والكتابة والمعرفة والسحر في مصر القديمة، لكنه لم يكن أول من ربط التاروت بمصر.
ففي القرن الثامن عشر ظهرت في الأوساط الباطنية الأوروبية فكرة تزعم أن أوراق التاروت ليست لعبة أوروبية، بل بقايا كتاب مصري سري للحكمة نجا من العصور القديمة في صورة رموز وصور. لم تثبت هذه الفكرة تاريخياً؛ فالأدلة المعروفة ترجع نشأة التاروت إلى أوروبا في القرن الخامس عشر، ولا توجد سلسلة تاريخية تربطه بمصر الفرعونية.
لكن الأسطورة استمرت، ووجد فيها كراولي أرضاً مثالية لبناء مشروعه الخاص.
وفي عام 1944 أصدر كتابه الشهير "كتاب تحوت : مقالة قصيرة عن تاروت المصريين" The Book of Thoth: A Short Essay on the Tarot of the Egyptians، شارحاً فيه فلسفة مجموعته ومعاني أوراقها وعلاقاتها بالسحر والقبالة والتنجيم.
يمكن القول إذن إن كراولي لم يعثر على «كتاب تحوت» المفقود، بل صنع كتاب تحوت الخاص به.
المرأة التي رسمت عالم كراولي
ورغم ارتباط المجموعة باسم كراولي، فإنه لم يرسمها بنفسه ، فقد تولت الفنانة البريطانية الليدي فريدا هاريس Lady Frieda Harris تحويل أفكاره إلى صور. بدأ التعاون بينهما أواخر ثلاثينيات القرن العشرين، وتحول المشروع الذي كان يفترض أن يكون محدوداً إلى عمل استمر سنوات.
ولم تكن هاريس مجرد رسامة تنفذ تعليمات كراولي؛ فالدراسات الحديثة لمراسلاتهما وأعمالهما تشير إلى مساهمتها الفنية والفكرية المهمة في تطوير الشكل النهائي للمجموعة.
والنتيجة كانت صوراً تختلف جذرياً عن الأسلوب القصصي الواضح الذي يعرفه كثيرون في Rider-Waite-Smith Tarot. أوراق تحوت تبدو أقرب إلى أحلام هندسية أو مخططات باطنية، وكأن المطلوب ألا «ترى» الصورة فقط، بل أن تفككها.
ماذا غيّر كراولي في التاروت ؟
احتفظ كراولي بالبنية الأساسية للتاروت: 22 ورقة كبرى تعرف بـ Major Arcana و56 ورقة صغرى Minor Arcana، لكنه أعاد تفسير أجزاء أساسية منها.
فورقة Justice – العدالة أصبحت Adjustment – الاتزان أو التعديل، بينما أصبحت Strength – القوة باسم Lust، التي لا يقصد بها الشهوة الجنسية وحدها، بل الطاقة والرغبة الجامحة وإرادة الحياة.
أما Temperance – الاعتدال فتحولت إلى Art – الفن، وأصبحت تحمل معنى خيميائياً يتعلق بمزج المتضادات وتحويلها إلى شيء جديد.
لكن التغيير الأكثر دلالة كان تحويل Judgement – يوم الحساب إلى The Aeon – الدهر.
هنا تظهر عقيدة كراولي الخاصة المعروفة باسم ثيليما Thelema بوضوح؛ فالورقة تعبر عن انتقال البشرية، وفق تصوره، إلى عصر روحي جديد سماه دهر حورس Aeon of Horus.
وهكذا لم يعد التاروت عنده مجرد مجموعة رموز موروثة، بل أصبح أيضاً خريطة لفلسفته الخاصة.
شبكة مخفية خلف كل ورقة
هنا يكمن السر الحقيقي لتاروت تحوت ، فالكثير من العلامات الموجودة في الأوراق ليست زخارف عشوائية وإنما أجزاء من منظومة تسمى في الباطنية الغربية Correspondences – المراسلات.
قد ترتبط الورقة بكوكب، وبرج فلكي، وعنصر من العناصر، ورقم، وحرف عبري، وموضع في شجرة الحياة القبالية، ورمز خيميائي، وأحياناً بإله أو أسطورة.
خذ مثلاً ورقة واحدة: قد يكون رقمها مهماً، والكوكب المرتبط بها مهماً، ولون الخلفية مقصوداً، والرمز الهندسي يشير إلى مفهوم آخر. وعندما توضع هذه الطبقات فوق بعضها تظهر شبكة من العلاقات لا يمكن اكتشافها بمجرد قراءة العبارة المختصرة التي يعطيها دليل التاروت للورقة.
أما الأوراق الكبرى الـ22 فترتبط في التقليد الهرمسي بالحروف العبرية الـ22 وبالمسارات الموجودة في شجرة الحياة Tree of Life القبالية، بينما تدخل في الأوراق الصغرى تقسيمات فلكية أكثر دقة تشمل الأبراج والكواكب وأجزاء دائرة البروج.
ولهذا قد يرى شخص عادي ورقة واحدة، بينما يرى الممارس المتمرس خلفها رقماً وكوكباً وبرجاً وعنصراً ومساراً قبالياً في الوقت نفسه.
هل توجد شيفرة سرية ؟
لهذا السبب انتشرت فكرة أن كراولي أخفى «شفرة» داخل تاروت تحوت ، لكن الأمر أكثر تعقيداً.
لا يوجد دليل على وجود رسالة سرية واحدة يمكن ترتيب الأوراق بطريقة معينة لكشفها، كما يحدث في قصص الشيفرات والألغاز، لكن توجد بالفعل طبقات متعمدة من الرموز والمراسلات لا يفهمها من لا يعرف النظام الذي استخدمه كراولي.
بمعنى آخر، الأسرار ليست مخفية لأن كراولي أخفاها، وإنما لأنها مكتوبة بلغة باطنية تحتاج إلى مفاتيح لفهمها ، ومن أهم هذه المفاتيح القبالة الهرمسية والتنجيم والخيمياء ونظام الفجر الذهبي Golden Dawn وأفكار كراولي الأخرى، ولهذا يحتاج الباحث المتعمق أحياناً إلى العودة إلى مؤلفاته الأخرى، مثل Liber 777، لفهم العلاقات بين الرموز ، ربما كان كراولي قد وضع أسراره أمام الجميع بالفعل، لكن بلغة لا يقرأها إلا من يعرف أبجديتها.
أكثر من وسيلة لمعرفة المستقبل
يمكن استخدام تاروت تحوت للعرافة، وقد شرح كراولي نفسه طريقة لقراءة الأوراق في The Book of Thoth، لكن اختزال المجموعة في سؤال مثل «ماذا سيحدث لي غداً ؟ » يفقدها جزءاً كبيراً من الغرض الذي بنيت من أجله.
في التقليد السحري الهرمسي يمكن استخدام أوراق التاروت في التأمل ودراسة القبالة والتنجيم والخيمياء واستكشاف الحالات النفسية والرمزية.
وهناك أيضاً ممارسة تعرف باسم "عمل المسارات" Pathworking حيث يستخدم الممارس الرموز المرتبطة بمسارات شجرة الحياة في عملية تخيل وتأمل داخلي وكأن الورقة أصبحت مدخلاً رمزياً إلى حالة معينة من الوعي.
وهنا يبدأ التاروت بالابتعاد كثيراً عن صورة العرافة الشعبية فالورقة لم تعد مجرد جواب عن المستقبل وإنما تمثيلاً لقوة أو فكرة أو حالة يمكن للممارس التركيز عليها.
هل استخدمت اوراق تاروت تحوت في السحر فعلاً ؟
نعم، ضمن بعض مدارس السحر الغربي ، فإذا كانت ورقة معينة تمثل وفق النظام الهرمسي، كوكباً وعنصراً ومساراً قبالياً ومجموعة من الصفات، يمكن استخدامها كبؤرة رمزية في التأمل أو التخيل الطقسي أو بعض الممارسات السحرية.
وقد تستخدم الورقة لاستحضار معنى رمزي معين، أو للمساعدة في بناء طقس أو لدراسة العلاقات بين القوى التي يفترض النظام الباطني أنها تشكل الإنسان والكون.
وهذا لا يعني بالطبع أن مجرد امتلاك مجموعة تاروت تحوت يجعل صاحبها يمارس السحر؛ فكثيرون يستخدمونها اليوم للعرافة أو الدراسة أو التأمل أو حتى لجمالها الفني.
لكن تاريخياً وفكرياً، الجذور السحرية للمجموعة ليست إضافة حديثة إليها، بل جزء من تصميمها الأصلي.
لماذا تبدو القراءة وكأنها تعرفك ؟
يبقى السؤال الأصعب: إذا لم نفترض وجود قوة خارقة، فلماذا يشعر بعض الناس بأن التاروت يقدم وصفاً دقيقاً بصورة مذهلة لمشكلاتهم وحياتهم؟
هنا لا تكفي عبارة «القراءة الباردة» وحدها ، فالقراءة الباردة Cold Reading تحدث خصوصاً عندما يستنتج قارئ التاروت معلومات من عمر الشخص ومظهره وكلامه وردود أفعاله، ثم يعيد تقديمها إليه وكأن الأوراق كشفتها.
لكن ماذا لو خلط الإنسان الأوراق وسحبها بنفسه ؟
هنا تظهر آليات نفسية أخرى، منها تأثير بارنوم Barnum Effect؛ أي ميل الإنسان إلى اعتبار الأوصاف العامة وكأنها تصفه بصورة خاصة، إضافة إلى الانحياز التأكيدي Confirmation Bias حيث نتذكر الحالات التي أصابت فيها القراءة وننسى الحالات التي أخطأت.
وهناك أيضاً الإسقاط النفسي ، فالصور الغامضة والمعقدة تعمل بطريقة تشبه أحياناً بقع الحبر في الاختبارات الإسقاطية: الشخص لا يستخرج المعنى من الصورة فقط، بل يضع شيئاً من مخاوفه ورغباته وذكرياته داخلها ، إقرأ المزيد في مقال التاروت : هل نقرأه أم يقرأنا ؟
ومن هذه الزاوية يمكن للتاروت أن يعمل مثل مرآة رمزية للعقل حتى من دون افتراض أنه يتنبأ بالمستقبل ، لكن هذا التفسير يختلف بالطبع عن رؤية الممارسين الباطنيين الذين يعتبرون التزامن بين السؤال والورقة المختارة ذا معنى يتجاوز المصادفة.
خريطة للكون في 78 ورقة
يبدو تاروت تحوت مختلفاً عن معظم الصور الشعبية للتاروت ، لم يكن كراولي يحاول فقط ابتكار مجموعة جميلة لقراءة الحظ بل ضغط داخلها جزءاً كبيراً من العالم الباطني الذي عاش فيه: القبالة، والتنجيم، والخيمياء، والسحر الهرمسي، والرمزية المصرية، والثيليما.
وبمساعدة فريدا هاريس تحولت تلك الأفكار إلى 78 لوحة يستطيع الإنسان استخدامها للعرافة، لكن يستطيع أيضاً دراستها باعتبارها خريطة رمزية للإنسان والكون وفق تصور كراولي.
أما «المفاتيح السرية» التي يتحدث عنها محبو المجموعة فهي موجودة بمعنى مختلف عن القصص المثيرة عن الشيفرات المخبأة، إنها العلاقات التي تربط الأرقام بالكواكب، والكواكب بالأبراج، والحروف بشجرة الحياة، والأساطير بالخيمياء، ثم تجمع كل ذلك داخل صورة واحدة.
تبقى المسألة التي لا تستطيع الأوراق نفسها الإجابة عنها:
هل هذه الشبكة مجرد بناء رمزي بالغ التعقيد صنعه عقل بشري بارع، فتقوم أذهاننا بإسقاط المعنى عليه ؟
أم أن كراولي ورفاقه اكتشفوا في تلك المراسلات شيئاً أعمق عن العلاقة بين العقل والرمز والصدفة ؟
مهما كانت الإجابة، فإن تاروت تحوت لم يصمم ليكون مجرد وسيلة لقراءة المستقبل.
لقد أراده كراولي شيئاً أقرب إلى كتاب باطني لا تُقلب صفحاته، بل تُخلط أوراقه.