منذ قرون، أثارت بعض الجسور الأوروبية حيرة من وقف أمامها؛ أقواس حجرية شاهقة تمتد فوق وديان سحيقة وأنهار هائجة، شُيّد بعضها في أزمنة بدت فيها تقنيات البناء عاجزة عن تفسير كيف أمكن إنجازها، وحين يعجز الخيال الشعبي عن فهم عمل هندسي استثنائي، تبدأ الأسطورة.

وهكذا ظهرت في أنحاء متفرقة من أوروبا حكايات عن "جسور الشيطان"، جسور قيل إن البشر لم يستطيعوا بناءها وحدهم فاستعانوا بالشيطان مقابل ثمن واحد يتكرر بصورة لافتة: "روح أول كائن يعبر الجسر"،  لكن الصفقة لا تنتهي دائماً كما يريد الطرف الجهنمي؛ ففي كثير من الروايات يحتال عليه السكان بإطلاق كلب أو عنزة أو ديك ليكون أول من يعبر.

والأغرب أن هذه القصص تظهر في ويلز وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وسويسرا والنمسا وبلدان أخرى بصيغ متشابهة، رغم أن كثيراً منها يبدو أنه نشأ محلياً بصورة مستقلة،  فهل كان الجسر مجرد إنجاز هندسي مخيف ألهم الحكايات ؟ أم أن فكرة الانتقال فوق الماء والهاوية منحته منذ القدم معنى رمزياً بوصفه "حداً فاصلاً بين عالمين" ؟

جسور الشيطان منتشرة في أنحاء أوروبا

من جسر الشيطان في سيريديغيون في ويلز إلى جسر بونتي ديل ديافولو Ponte del Diavolo في إيطاليا تنتشر في أوروبا جسور ارتبط كل واحد منها تقريباً بحكاية تفسر علاقته بقوى شريرة أو خارقة.

والمثير أن القصص، رغم اختلاف الأماكن، تعيد العناصر نفسها مراراً: مهمة بناء تبدو مستحيلة، ظهور الشيطان وعرضه المساعدة، اتفاق مقابل روح، ثم محاولة الإنسان التحايل على الصفقة.

وقد طُرحت تفسيرات عديدة لارتباط الجسور تحديداً بهذا النوع من الفلكلور، بعضها يربطه بصعوبة هندستها في الأزمنة القديمة، وبعضها يرى في الجسر مكاناً انتقالياً أو "عتبة بين جهتين وعالمين"، بينما تعيد نظريات أخرى أصل القصص إلى معتقدات قديمة عن القرابين التي كانت تقدم لضمان ثبات المنشآت.

جمع دي إل أشليمان D. L. Ashliman  الباحث في الفلكلور في جامعة بيتسبرغ  قاعدة بيانات من هذه القصص، حيث صنف نماذج منها ضمن فئة ATU 1191  وهو تصنيف للحكايات الشعبية تدور حكايته الأساسية حول بناء الشيطان لجسر مقابل روح.

قبل أن تعبر الجسر... عليك دفع الثمن

ورد في موسوعة الخرافات The Encyclopedia of Superstitions لـ إدوين ومونا أوغستا رادفورد أن الناس كانوا يعدون المرء الذي يكون أول من يعبر جسراً جديداً نذير شؤم عظيم.

وقد يرتبط ذلك باعتقادات أقدم تقول إن المنشآت المهمة تحتاج إلى قربان يوضع أسفل أساساتها لكي تبقى ثابتة، وفي بعض التفسيرات لم يكن القربان مجرد وسيلة لحماية البناء بل كان يُعتقد أنه يتحول إلى نوع من الحارس الأبدي للمكان.

حتى أغنية الأطفال الإنجليزية الشهيرة London Bridge Is Falling Down ربطها بعض الباحثين بمعتقدات عن قرابين البناء، مع عدم وجود دليل تاريخي على تقديم قرابين بشرية أثناء بناء جسر لندن.

ومن هذه الخلفية جاءت واحدة من أشهر أفكار "جسر الشيطان": يعد الناس الشيطان بروح أول من يعبر الجسر، ثم يحتالون عليه بإرسال "كلب أو ديك أو عنزة"  قبل أي إنسان.

جسر ويلز: الشيطان يحصل على روح كلب

يعبر جسر سيريديغيون وادياً عميقاً يجري في قاعه نهر مايناتش Mynach في ويلز، والمشهد غريب حتى من دون الأسطورة.

فالمكان يضم في الواقع ثلاثة جسور بنيت فوق بعضها بعضاً،  أحدثها يعود إلى عام 1902، بينما تشير بعض الروايات إلى أن أقدمها قد يرجع إلى نحو عام 1075،  ومن الجسر الأعلى يمكن النزول عبر درجات تعرف باسم سلم يعقوب Jacob's Ladder للوصول إلى الجسور الأقدم.

وتقول الأسطورة إن الوادي كان عميقاً إلى درجة عجز البشر عن إقامة جسر فوقه، عندها ظهر الشيطان وعرض أن يبنيه، مشترطاً الحصول على روح أول مخلوق يعبره.

وفي إحدى أشهر نسخ الحكاية، كان الشيطان قد عرض مساعدته على امرأة عجوز ضاعت بقرتها في الجانب الآخر من الوادي، وبعد أن أنجز الجسر ألقت المرأة قطعة خبز إلى الجهة المقابلة فانطلق كلبها الأسود الصغير خلفها وعبر أولاً وهكذا أصبح الكلب هو الثمن.

وتقول الرواية إن المرأة خاطبت الشيطان ساخرة: الكلب لك يا سيدي ، ولم يجد الشيطان بحسب الحكاية سوى أن ينسحب غاضباً بعدما وقع ضحية خدعتها.

بلغاريا: أثر قدم الشيطان على الحجر

شُيّد جسر الشيطان في أردينو Ardino  في بلغاريا في أوائل القرن السادس عشر فوق بقايا جسر روماني أقدم ، ويتميز الجسر بقوسه المركزي الذي يبلغ ارتفاعه قرابة 12 متراً، إضافة إلى فتحات داخلية صغيرة كانت تستخدم لمراقبة مستوى المياه، وقد جعل مظهره المهيب منه موقعاً ظهر حتى في الفيلم البلغاري "زمن العنف" Time of Violence عام 1988.

وتحيط بالجسر أكثر من أسطورة ، تقول إحداها إن زوجة البنّاء ماتت أثناء تشييد الجسر، وإن ظلها دُفن أو حُبس داخل البناء بطريقة غامضة.

لكن سبب تسميته "جسر الشيطان" يعود إلى رواية أخرى تقول إن الشيطان كان يعبره ليلاً، وترك أثر قدمه على أحد أحجاره، وهو أثر يزعم بعض السكان أنه ما زال موجوداً حتى اليوم.

إيطاليا: جسر يبدو وكأنه يقفز فوق النهر

رغم أن الاسم الرسمي هو جسر مريم المجدلية Ponte della Maddalena في بلدة بورغو موزانو Borgo a Mozzano الإيطالية إلا أن  لكن الفلكلور منحه اسماً آخر أكثر شهرة: جسر الشيطان.

تقول الحكاية إن سكان المنطقة واجهوا صعوبات كبيرة في بنائه، حتى ظهر الشيطان وعرض إنجاز المهمة مقابل روح أول كائن حي يعبره ، وكما في العديد من القصص المشابهة، قرر السكان خداعه، فأرسلوا كلباً فوق الجسر قبل أي إنسان.

لكن حتى بعيداً عن الأسطورة، يتمتع الجسر بمظهر استثنائي، فهو يتكون من خمسة أقواس متفاوتة الحجم وأكبرها يرتفع بطريقة شديدة الانحدار تجعل الجسر يبدو للناظر وكأنه يندفع أو يقفز نحو الضفة الأخرى ، ولهذا قد يكون السير فوقه تجربة غير مريحة حتى لمن لا يؤمن بأسطورته.

فرنسا: البنّاء يخدع الشيطان

استغرق بناء جسر فالينت Pont Valentré في مدينة كاهور الفرنسية أكثر من سبعين عاماً، وهو جسر محصن ضخم يبدو أقرب إلى قلعة ممتدة فوق الماء ، وتقول الأسطورة إن طول مدة العمل أصاب البنّاء باليأس، فاستعان في النهاية بالشيطان ، فوافق الشيطان على المساعدة، لكنه اشترط أن يحصل على روح البنّاء بعد اكتمال الجسر.

عند اقتراب العمل من نهايته، فكر البنّاء في حيلة تمنع اكتماله رسمياً، فأعطى الشيطان غربالاً وطلب منه أن يحمل فيه الماء اللازم لإعداد آخر كمية من الملاط ، وبما أن الماء يتسرب من الغربال، استحال إتمام المهمة ، أدرك الشيطان أنه خُدع، فقرر الانتقام بطريقة غريبة: نزع حجراً واحداً من الجسر، وكلما أعيد الحجر إلى مكانه نهاراً عاد الشيطان ليلاً وأزاله مجدداً.

وعندما جرى ترميم الجسر لاحقاً على يد المعماري  باول غوت Paul Gout أُضيف حجر يحمل تمثالاً صغيراً للشيطان وهو يسرق الحجر من البرج، ويمكن مشاهدة التمثال حتى اليوم.

ألمانيا: فتحة لا يمكن سدها

تتحدث إحدى الحكايات الألمانية عن جسر قرب فرانكفورت كان يحتوي على قوسين لا يلتقيان تماماً في أعلاهما، وكانت الفجوتان تغطيان بالأخشاب، وقد يكون لذلك تفسير دفاعي بسيط إذ يسمح بإزالة الخشب وجعل الجسر غير صالح للعبور وقت الحروب لكن الفلكلور يقدم تفسيراً مختلفاً تماماً.

تقول القصة إن البنّاء عجز عن إتمام الجسر فعقد صفقة مع الشيطان وفي ليلة واحدة أكمل الشيطان البناء، بحيث: " لم ترَ عين بشرية في الظلام كيف صنعه."

ومقابل عمله طالب بروح أول مخلوق يعبر، لكن البنّاء دفع ديكاً أمامه ليكون أول العابرين، فاستشاط الشيطان غضباً ومزق الديك وألقاه بعنف نحو الجسر محدثاً الفتحتين، وتزعم الأسطورة أن هاتين الفتحتين لا يمكن إصلاحهما؛ فكل ما يبنيه العمال نهاراً ينهار أو يختفي خلال الليل.

النمسا: لماذا ذيل العنزة قصير ؟

في إحدى الحكايات النمساوية طلب أهل قرية من نجار بناء جسر خلال ثلاثة أيام فقط ووعدوه بثروة إذا نجح لكن الرجل أدرك أن المهمة شبه مستحيلة ، عندها ظهر أمامه "رجل صغير يرتدي قبعة خضراء" وعرض عليه المساعدة، ولم يكن الرجل الصغير، بالطبع، سوى الشيطان.

اشترط أن يحصل مقابل بناء الجسر على روح أول من يعبره ، وافق النجار لكنه لم يكن مستعداً للتخلي عن روحه،  وبعد اكتمال الجسر دفع عنزته أمامه ، ثار الشيطان غضباً فأمسك العنزة من ذيلها وأخذ يدورها بعنف حتى انفصل الذيل.

ولهذا، تقول الأسطورة مازحة، أصبحت للماعز ذيول قصيرة حتى يومنا هذا.

سويسرا: الشيطان والعنزة والصخرة العملاقة

يمتد جسر الشيطان Teufelsbrücke فوق مضيق Schöllenen في سويسرا حيث يجري النهر بعنف في قاع الوادي قبل أن يدخل الطريق في نفق محفور داخل الجبل ، الجسر الحالي هو الأحدث بين عدة جسور أقيمت في الموقع لكن الأسطورة ترتبط بالجسر الأول الذي لم يعد موجوداً.

تقول الحكاية إن السكان فشلوا مراراً في بناء جسر فوق النهر الخطير، فطلبوا مساعدة الشيطان فوافق شرط الحصول على أول روح تعبر الجسر ، وعندما انتهى البناء أرسل القرويون عنزة أولاً.

غضب الشيطان من الخدعة وحمل صخرة هائلة استعداداً لتحطيم الجسر، لكن امرأة عجوز واجهته بعلامة الصليب فأفلت الصخرة وفرّ ، وبقيت الصخرة في المنطقة قروناً قبل أن تُنقل عام 1977 بسبب مشروع لإنشاء طريق ولا تزال قصة الجسر حاضرة حتى اليوم؛ إذ تظهر قربه رسمة للشيطان والعنزة تخليداً للأسطورة.

إسبانيا: جسر يبدو مستحيلاً

يتميز جسر الشيطان Pont del Diable في كتالونيا بهندسة قد تدفع من يراه لأول مرة إلى الاعتقاد أن بناءه كان يتطلب شيئاً يتجاوز قدرات البشر في زمنه ، يرتفع قوسه المركزي النحيل إلى نحو 44 متراً وفوقه بناء صغير يشبه الكنيسة أو المصلى ، لكن لهذه الإضافة الغريبة وظيفة هندسية؛ إذ يساعد وزنها على تثبيت الأحجار الموجودة أسفلها.

أقيم الجسر فوق بقايا منشأة رومانية قديمة ما زالت أجزاء منها قائمة، بينها قوس روماني عند أحد طرفيه ، وقد تضررت أجزاء كبيرة من الجسر خلال الحرب الأهلية الإسبانية ثم أعيد بناؤه عام 1965 باستخدام الكثير من أحجاره الأصلية.

وحتى هنا، كان غرابة التصميم وارتفاعه سبباً كافياً كي يلحقه الخيال الشعبي بعائلة جسور الشيطان.

إنجلترا وحدها تضم عدة جسور للشيطان

تضم مجموعة الفلكلور التابعة لجامعة بيتسبرغ ما لا يقل عن أربع حكايات عن جسور الشيطان في إنجلترا وثلاثاً أخرى في ويلز ، وتكرر أغلبها الحبكة المألوفة: شخص يعقد اتفاقاً مع "صاحب الجلالة السوداء" لبناء جسر يستحيل إنجازه، ثم يحتال عليه بإرسال حيوان، وغالباً كلباً، ليعبر قبل البشر ، لكن إحدى حكايات يوركشاير تختلف بصورة لافتة.

ففيها يصبح الشيطان صديقاً لصانع أحذية ويعرض عليه إقامة جسر في غيل فورد Gill Ford على الطريق المؤدي إلى باتيلي  Pateley ، يسخر أهل القرية من الفكرة لكنهم عندما يعودون بعد عدة أيام يجدون جسراً مكتملاً بصورة مثالية، فيقومون برشه بالماء المقدس، ويرسمون عليه الصلبان، ثم يعلنونه آمناً للعبور ، والغريب أن الشيطان في هذه الرواية لا يطلب روحاً ولا ثمناً ولا ينتقم من أحد بل يبدو وكأنه أراد بالفعل مساعدة صانع الأحذية.

لماذا ارتبطت الجسور بالشيطان ؟

التشابه بين هذه الحكايات لا يعني بالضرورة أن وراءها حدثاً واحداً أو تقليداً موحداً، الأرجح أن الجسر نفسه كان أرضاً خصبة للأسطورة.

فالجسر في المخيلة القديمة ليس مجرد بناء؛ إنه مكان يربط ضفتين ويفصل في الوقت نفسه بينهما،  وتحته غالباً ماء عميق أو وادٍ خطير، بينما يقف العابر للحظات معلقاً بين أرض تركها وأخرى لم يصل إليها بعد.

كما أن بناء الأقواس الحجرية الضخمة في العصور الوسطى كان عملاً هندسياً مدهشاً بالنسبة لعامة الناس، وعندما يظهر أمامهم جسر يبدو وكأنه يتحدى الجاذبية يصبح السؤال "كيف تم بناؤه ؟" مدخلاً طبيعياً للأسطورة.

ومن هنا ربما ولد "المهندس الجهنمي": الشيطان الذي يستطيع في ليلة واحدة إنجاز ما يعجز عنه البشر، لكنه لا يعمل مجاناً.

أما الإنسان، ففي هذه القصص، لا ينتصر على القوة الخارقة بالقوة، وإنما بشيء أبسط وأكثر إنسانية: الحيلة.

ولهذا بقيت أساطير "جسور الشيطان" حية قروناً؛ فهي ليست فقط قصصاً عن أماكن مخيفة بل حكايات عن خوف الإنسان من المجهول وإعجابه بما لا يستطيع تفسيره وإصراره في النهاية على الاعتقاد بأن الذكاء قد يتغلب حتى على الشيطان.