تخيل أن يقف رجل أمام شخص محكوم عليه بالموت، فلا يطعنه ولا يسممه ولا يلمس جسده أصلاً، يركع على ركبة واحدة، يوجّه نحوه عظمة رفيعة معدة في طقس سابق، ثم ينطق كلمات مخصوصة وينصرف.

لا جرح، ولا نزيف، ولا أثر مادي واضح ، ومع ذلك تقول روايات من وسط أستراليا إن بعض من عرفوا أنهم أصبحوا هدفاً لهذا الطقس دخلوا في حالة من الرعب والانهيار، حتى نُسبت إليهم وفيات لاحقة،  الممارسة عُرفت باسم "الإشارة بالعظمة" Bone Pointing وارتبطت في بعض التقاليد بشخصية غامضة تسمى الكُردايتشا Kurdaitcha.

لكن عظمة القتل ليست سوى مدخل صغير إلى عالم أوسع بكثير ، ففي معتقدات عدد من شعوب أستراليا الأصلية نجد أرواحاً تسكن الصخور والمياه، وكائنات أسلاف شكّلت الجبال والأنهار، ورجالاً يُعتقد أنهم قادرون على رؤية ما لا يراه الآخرون، وأماكن لا يجوز دخولها إلا وفق قواعد طقسية، وأحلاماً قد تحمل معرفة، ورسوماً وأغاني لا تروي الأساطير فحسب، بل تحفظ خرائط لعالم روحي كامل.

وما نسميه اليوم"ما وراء الطبيعة" لم يكن بالنسبة إلى أصحاب هذه التقاليد عالماً منفصلاً عن الواقع، بل جزءاً منه.

عالم لا يفصل بين الروحي والمادي

من الخطأ الحديث عن "ديانة السكان الأصليين في أستراليا" بصيغة المفرد، فقد عاشت في القارة مئات الشعوب والمجموعات اللغوية، ولكل منها قصصها وأسماؤها وطقوسها الخاصة ، لكن هناك فكرة تتكرر بصور مختلفة وهي أن الأرض ليست مجرد مساحة جامدة يعيش فوقها الإنسان؛ إنها مرتبطة بالأسلاف والقصص والقوانين والقوى الروحية.

ويستخدم الباحثون مصطلح زمن الحلم The Dreaming وأحياناً التسمية القديمة Dreamtime للإشارة إلى هذا العالم من القصص والمعرفة المقدسة وله أسماء محلية مختلفة منها جوكوربا Jukurrpa أو تجوكربا Tjukurpa في بعض مناطق وسط أستراليا.

وترجمة المصطلح إلى «زمن الحلم» قد تكون مضللة؛ فالأمر لا يتعلق بحلم حدث أثناء النوم ولا بمجرد عصر أسطوري انتهى منذ زمن بعيد.

وفق هذه التصورات تحركت كائنات الأسلاف عبر الأرض وشكّلت التضاريس وأنشأت منابع المياه والجبال والأودية ومنحت البشر القوانين والطقوس والمعرفة وآثار رحلاتها ما زالت حاضرة في المكان ، لذلك قد يكون صخر معين أو بركة ماء أو تل أكثر من مجرد معلم طبيعي؛ إنه جزء من قصة مقدسة ما زالت مستمرة.

حين كانت الكائنات الأسلاف تصنع العالم

من أشهر الكائنات المرتبطة بتقاليد متعددة في أستراليا أفعى قوس قزح Rainbow Serpent، وإن كانت قصصها وأسماؤها وصفاتها تختلف بشدة من منطقة إلى أخرى.

ترتبط في كثير من الروايات بالماء والخصوبة والأمطار وتشكيل الأرض لكنها ليست دائماً قوة خيّرة، فقد تكون مصدراً للحياة والحماية، وفي الوقت نفسه كائناً خطيراً يعاقب من يخالف المحرمات أو يقترب من مواقع معينة.

وفي بعض القصص تمر الأفعى عبر الأرض فينشأ عن حركتها نهر أو وادٍ أو مجرى ماء، بهذا المعنى لا تُروى الأسطورة لشرح منظر طبيعي فقط، بل يصبح المنظر نفسه دليلاً مادياً على القصة وهذه إحدى السمات المدهشة في الموروث الأسترالي الأصلي: الجغرافيا والأسطورة لا تنفصلان بسهولة.

مسارات الأغاني.. خرائط لا تُرسم على الورق

يرتبط بذلك ما يعرف باسم مسارات الأغاني Songlines وهي شبكات من القصص والأغاني والمواقع التي تتبع رحلات كائنات الأسلاف عبر البلاد، وقد تمتد بعض المسارات لمسافات هائلة، عابرة أراضي مجموعات ولغات مختلفة  من خلال الأغاني يمكن حفظ مواقع الماء والجبال والمعابر واتجاهات السفر لكن هذه المسارات تحمل أيضاً أحداثاً وقوانين وقصصاً روحية.

لذلك شبهها البعض بخريطة تُحفظ في الذاكرة بدلاً من الورق، غير أنها أكثر من خريطة؛ فالسفر على طول المسار قد يعني إعادة سرد رحلة كائن من الأسلاف والمرور بالمواقع التي ارتبطت بأفعاله ، كأن الطريق نفسه قصة والقصة جغرافيا.

ميميه -  سكان الصخور النحيلون 

في شمال أستراليا، وخصوصاً في مناطق أرض ارنهيم Arnhem Land، تظهر في القصص والفنون كائنات تعرف باسم ميميه Mimih أو Mimi ، غالباً ما تُصور بأجساد طويلة شديدة النحافة، حتى تقول بعض الروايات إن الرياح العاتية قد تكون خطراً عليها بسبب هشاشتها.

يُعتقد أنها تعيش داخل الشقوق والصخور، في عالم لا يستطيع الإنسان العادي الوصول إليه بسهولة والأكثر إثارة أن بعض التقاليد تنسب إليها تعليم البشر مهارات مثل الصيد والرقص والغناء والرسم ، لكنها ليست دائماً كيانات ودودة فهناك روايات تحذر من أن بعض كائنات ميميه قد تستدرج الإنسان إلى داخل الصخور أو إلى عالمها وقد لا يعود بعدها  ومثل كثير من الكائنات في الفولكلور العالمي، تقف في منطقة غامضة بين المعلم الروحي والكائن الذي ينبغي الحذر منه.

ياوكياوك - نساء المياه

ومن البيئة نفسها تقريباً تأتي كائنات أخرى تعرف باسم ياوكياوك Yawkyawk ، تظهر عادة على هيئة أرواح أنثوية مرتبطة ببرك المياه والجداول والينابيع ويصورها الفن التقليدي أحياناً بذيول شبيهة بذيول الأسماك وشعر طويل يشبه النباتات المائية.

ولهذا قورنت في الكتابات الحديثة بحوريات البحر، رغم أن المقارنة سطحية ولا تعكس معناها الثقافي الحقيقي، ترتبط ياوكياوك بالمياه والخصوبة والمواقع المقدسة وتتحدث بعض القصص عن قدرتها على مغادرة الماء والتحرك على اليابسة.

مرة أخرى نجد الفكرة نفسها: المياه ليست مجرد مورد للحياة، بل قد تكون أيضاً حداً بين عالم الإنسان وعالم الكائنات الروحية.

بونييب - وحوش المستنقعات

البونييب Bunyip هو من أشهر الأسماء التي انتقلت من الموروث الأسترالي إلى الثقافة الشعبية الحديثة ، كانت قصص كائنات غامضة تعيش في المستنقعات والأنهار والبحيرات منتشرة في مناطق عدة، لكن أوصافها لم تكن موحدة؛ فمرة تبدو كحيوان ضخم ومرة ككائن مائي غريب وأحياناً يوصف صوتها بأنه مرعب يسمع ليلاً قرب الماء.

لاحقاً تحول البونييب في الصحافة والأدب الأسترالي إلى ما يشبه "وحش المستنقعات" ومن الصعب معرفة إلى أي حد تعكس الصورة الحديثة المعتقدات الأصلية الدقيقة، إذ اختلطت الروايات المحلية بتفسيرات المستوطنين الأوروبيين.

ومع ذلك، تكشف قصصه عن جانب متكرر: الأماكن المائية العميقة كانت تُعامل أحياناً باعتبارها موطناً لقوى ينبغي احترامها والخوف منها.

كُردايتشا - الجلاد الذي لا تُسمع خطواته

في وسط أستراليا تظهر شخصية مختلفة تماماً: كُردايتشا Kurdaitcha، ويرتبط الاسم خصوصاً بتقاليد شعب Arrernte/Aranda وقد اشتهر كُردايتشا في الروايات التاريخية باعتباره منفذاً لعقوبة طقسية ضد شخص حُكم عليه بسبب مخالفة خطيرة أو اتهام بالسحر أو التسبب في موت آخر ومن أغرب ما ارتبط به نعال مصنوعة من ريش الإيمو أو مواد ليفية وشعر بشري.

وتوجد نماذج حقيقية من هذه النعال محفوظة في متاحف ، كانت خفيفة ومكسوة بالريش ونسجت حولها روايات تقول إنها تجعل خطوات صاحبها شبه صامتة وتساعده على ملاحقة المستهدف من دون ترك أثر واضح.

وهنا تبدأ صورة الكُردايتشا التي غذّت الخيال لاحقاً: رجل يظهر من البرية بلا صوت، يحمل معه حكماً لا يحتاج إلى سيف.

الإشارة بالعظمة

يرتبط أشهر الطقوس بهذه الصورة بما يعرف باسم Pointing the Bone ، تُجهّز عظمة أو أداة مدببة وفق طقس معين، ثم يواجه بها الشخص المستهدف ، وفي بعض الروايات يركع المنفذ، يوجه العظمة نحوه وينطق كلمات مخصوصة، بعد أن تكون قد اكتسبت – وفق الاعتقاد – قوة طقسية ، ولا يحتاج الأمر إلى أن تلمس العظمة جسد الضحية ، الخوف يبدأ عندما يعرف الشخص أن الطقس قد نُفذ ضده.

وهنا تكمن غرابة الظاهرة؛ إذ وصف باحثون وأطباء حالات اعتُقد فيها أن أشخاصاً تعرضوا للعنات دخلوا في حالة من اليأس والخوف الشديد وفقدان الشهية والانهيار الجسدي.

هل يمكن للاعتقاد أن يقتل ؟

لا يقدم العلم دليلاً على أن عظمة يمكن شحنها بطاقة خارقة تقتل إنساناً عن بعد ، لكن هناك ظاهرة نفسية وجسدية معروفة باسم تأثير النوسيبو Nocebo Effect، وهي الوجه السلبي لتأثير البلاسيبو ، فعندما يقتنع الإنسان بشدة بأن شيئاً سيؤذيه، قد تظهر عليه أعراض حقيقية نتيجة التوقع والخوف ، وفي الحالات القصوى قد يسبب الرعب المزمن اضطراباً شديداً في الجهاز العصبي والقلب والدورة الدموية، خصوصاً لدى شخص يعيش داخل مجتمع يمنح اللعنة سلطة مطلقة ويعتقد أنه لا سبيل للنجاة منها ، وهكذا يصبح السؤال أكثر تعقيداً: إذا مات الإنسان لأنه آمن تماماً بأن العظمة ستقتله، فهل قتلته العظمة... أم الاعتقاد ؟

رجال يرون ما لا يراه الآخرون

إلى جانب السحر المؤذي، عرفت جماعات مختلفة شخصيات يمكن تقريبها إلى مفهوم المعالج أو الرجل الحكيم، ويسميها الباحثون أحياناً Clever Men، مع اختلاف الأسماء المحلية والأدوار من منطقة إلى أخرى.

نُسب إلى بعض هؤلاء القدرة على تشخيص الأمراض بوسائل روحية، ورؤية الكيانات أو التواصل معها، والدخول في حالات وعي غير عادية، والعثور على أسباب خفية للمرض.

وتتحدث بعض الروايات عن استخراج أشياء رمزية من جسد المريض أو عن إرسال قوى داخله لإصلاح المرض.

لكن اختزالهم في كلمة «سحرة» يضيّع جزءاً مهماً من دورهم؛ فقد يكون الرجل نفسه معالجاً وحافظاً للمعرفة ووسيطاً روحياً وشخصاً ذا مكانة اجتماعية في آن واحد.

السحر بالصورة

ومن أكثر الممارسات إثارة وجود أشكال من السحر التمثيلي، تقوم على الاعتقاد بأن ما يحدث لتمثيل الشخص قد ينتقل إليه ، في بعض الرسوم المرتبطة بالسحر المؤذي يظهر الشخص المستهدف بصورة مشوهة، أو تُرسم أشياء تخترق أجزاء من جسده.

الفكرة تشبه ما نجده في ثقافات أخرى بعيدة جغرافياً: إنشاء رابط بين الإنسان وصورته أو رمز يمثل جسده، ثم إحداث الضرر في الرمز أملاً في انتقاله إلى الأصل، واللافت أن هذا المبدأ يظهر بأشكال متعددة حول العالم رغم عدم وجود اتصال مباشر واضح بين كثير من تلك الثقافات.

الأحلام ليست مجرد أحلام

للأحلام أيضاً مكان مهم في عدد من التقاليد الأسترالية الأصلية، لكن يجب عدم الخلط بينها وبين مفهوم The Dreaming ، فالأحلام الشخصية قد تحمل رسائل أو تحذيرات أو لقاءات مع أقارب متوفين أو كائنات روحية، بحسب التقاليد المحلية وفي بعض الحالات يمكن للرؤيا أن تكون وسيلة للحصول على معرفة أو تفسير حدث غامض ، وبذلك يصبح النوم إحدى الحالات التي قد تتراجع فيها الحدود بين الإنسان والعالم غير المرئي ، وهذه الفكرة ليست غريبة عن ثقافات العالم؛ فالاعتقاد بأن الأحلام قناة للأرواح والأسلاف موجود من سيبيريا إلى أفريقيا والأمريكتين.

أماكن لا ينبغي دخولها

إذا كانت الأرض مرتبطة بأحداث الأسلاف، فمن الطبيعي أن توجد مواقع لها مكانة مختلفة عن غيرها، بعض المواقع مقدسة وقد تحكم زيارتها قواعد تتعلق بالعمر أو الجنس أو الانتماء إلى جماعة معينة أو امتلاك معرفة طقسية مخصوصة.

وقد لا يكون الخطر المرتبط بالمكان مجرد عقوبة اجتماعية، بل قد يُعتقد أن دخول شخص غير مخول إلى موقع معين يعرضه لقوى روحية خطرة ، وهكذا يصبح المحظور الديني والجغرافي شيئاً واحداً.

ليس السؤال: "هل هذا المكان مسكون؟ "  بل: لمن ينتمي هذا المكان، وما الذي حدث فيه في زمن الأسلاف ؟

أين ينتهي الطبيعي ويبدأ الخارق ؟

عند النظر إلى هذه المعتقدات من الخارج، يسهل تصنيفها تحت كلمات مثل «أساطير» أو «سحر» أو «خرافات» لكن هذه المصطلحات قد تفشل في وصف الطريقة التي تعمل بها داخل ثقافاتها الأصلية.

فالعالم الروحي ليس بالضرورة مكاناً منفصلاً ينفتح منه باب في لحظة خارقة؛ إنه متداخل مع الأرض والحيوان والماء والإنسان والذاكرة.

قد تسكن الأرواح الصخور، وقد تحمل الأغنية طريقاً عبر الصحراء، وقد يكون الجبل أثراً لجسد كائن أسطوري، وقد تتحول العظمة إلى حكم بالموت عندما يؤمن الجميع بقوتها.

ولا يعني ذلك أن علينا قبول هذه المعتقدات بوصفها حقائق علمية، فلا يوجد دليل تجريبي على وجود ميميه داخل الصخور، أو أن اللعنات تستطيع نقل طاقة قاتلة عن بعد.

لكن اختزال كل شيء أيضاً إلى "وهم" لا يفسر كيف استطاعت هذه النظم الرمزية البقاء آلاف السنين وتنظيم العلاقة بين الإنسان والأرض والمجتمع والذاكرة ، ربما لهذا يبدو عالم الماورائيات لدى شعوب أستراليا الأصلية مختلفاً عن الصورة المعتادة للأشباح والسحر فالعالم الخفي هناك لا يبدأ بعد الموت ولا يقع بالضرورة في مكان بعيد ، إنه تحت الماء وفي الصخر وعلى امتداد طريق قديم، وداخل أغنية، وفي حلم...

وأحياناً، في عظمة صغيرة لا تجرح الجسد، لكن مجرد توجيهها نحو إنسان قد يكون كافياً ليعتقد أن نهايته قد بدأت.