تخيّل أنك وحيد في مكان لا تصل إليه النجدة، جسدك منهك، البرد ينهشك، النوم أصبح حلماً بعيداً، وكل خطوة قد تكون الأخيرة، وفجأة يتغير شيء ما: لم تعد وحيداً ... هناك شخص يسير إلى جوارك.

قد لا ترى وجهه، وربما لا تسمع صوته، لكنك متأكد من وجوده كما لو أنه إنسان حقيقي، تشعر أنه يراقبك، يرافقك، وأحياناً يرشدك أو يمنحك القوة كي تستمر، ثم تصل إلى بر الأمان تنظر حولك وتكتشف الحقيقة الغريبة: لم يكن هناك أحد طوال الوقت.

هذه التجربة تكررت في روايات متسلقي الجبال ومستكشفي القطب والناجين من الكوارث حتى أصبحت تعرف باسم متTلازمة الشخص الثالث Third Man Syndrome أو عامل الشخص الثالث Third Man Factor.

ولكن من يكون ذلك الرفيق الغامض ؟ هل هو هلوسة يولدها دماغ أوشك على الانهيار، أم إحدى أغرب آليات البقاء التي يمتلكها العقل ؟ ولماذا يظهر أحياناً في اللحظة التي يحتاج فيها الإنسان إلى شخص آخر أكثر من أي وقت مضى ؟

الرجل الرابع في جليد القطب

ترتبط أشهر روايات الظاهرة باسم المستكشف البريطاني السير إرنست شاكلتون Ernest Shackleton وبعثته القطبية الكارثية التي بدأت عام 1914.

بعد أن حاصر الجليد سفينته إنديورانس Endurance ثم حطمها، أمضى أفراد البعثة شهوراً طويلة يحاولون النجاة في واحدة من أقسى بقاع الأرض، وفي المرحلة الأخيرة من رحلة طلب الإغاثة، اضطر شاكلتون برفقة فرانك وورسلي Frank Worsley وتوم كرين Tom Crean إلى عبور جبال وأنهار جليدية مجهولة في جزيرة جورجيا الجنوبية ، سار الرجال نحو 36 ساعة وسط البرد والإرهاق الشديد وقلة النوم ، وبعد انتهاء المحنة كتب شاكلتون في كتابه "الجنوب"  South أن إحساساً عجيباً رافقه أثناء المسير: بدا له مراراً أنهم أربعة أشخاص وليسوا ثلاثة، والأغرب أنه عندما تحدث لاحقاً مع رفيقيه، اكتشف أن وورسلي وكرين شعرا بدورهما بأن شخصاً إضافياً كان معهم ، لم يكن هناك رجل رابع ومع ذلك ظل الإحساس بحضوره حقيقياً بما يكفي ليجد طريقه إلى التاريخ.

سبب تسمية متلازمة "الشخص الثالث"

من الطريف أن تجربة شاكلتون كانت في الحقيقة تجربة "الرجل الرابع" لأن المجموعة كانت مؤلفة من ثلاثة رجال ، أما الاسم الذي اشتهرت به الظاهرة لاحقاً فجاء جزئياً من الأدب، وتحديداً من قصيدة الأرض الخراب The Waste Land للشاعر ت. س. إليوت، المنشورة عام 1922.

يصف إليوت فيها شخصين يسيران بينما يظهر إلى جوارهما شخص ثالث غامض، وأوضح في ملاحظاته على القصيدة أن المشهد مستلهم من قصة بعثة قطبية، يعتقد أنها بعثة شاكلتون، شعر أفرادها في أقصى حالات الإنهاك بأن شخصاً إضافياً يرافقهم، ومن هنا ترسخت تسمية "الرجل الثالث" Third Man.

 لكن شاكلتون لم يكن الوحيد.

متسلق إيفرست الذي حاول إطعام شبح

في عام 1933 كان المتسلق البريطاني فرانك سميث Frank Smythe يحاول الوصول إلى قمة إيفرست، في زمن لم تكن فيه تجهيزات التسلق وتقنيات الأكسجين بما نعرفه اليوم.

وصل إلى ارتفاع بالغ الخطورة وهو وحيد، منهك وقليل الأكسجين والطعام، وأثناء تقدمه بدأ يشعر بأن متسلقاً آخر يسير معه، لم تكن مجرد فكرة عابرة، كان الإحساس قوياً إلى درجة أنه شعر كما لو أن حبلاً يربطه بذلك الرفيق، وأنه إن انزلق فسيمسك به.

وعندما توقف ليستعيد بعض قوته أخرج قطعة من حلوى Kendal Mint Cake، قسمها إلى نصفين ثم استدار بصورة تلقائية ليعطي نصفها إلى رفيقه، عندها فقط أدرك أنه لا يوجد أحد خلفه ، إذ كان وحيداً طوال الوقت.

ربما تكون هذه الحادثة واحدة من أوضح الأمثلة على قوة الظاهرة، لأن "الشخص الآخر" لم يكن مجرد إحساس غامض، بل أصبح جزءاً طبيعياً من الواقع الذي كان عقل سميث يتعامل معه في تلك اللحظة.

متسلق ثالث على نانغا باربات

تكررت تجربة مشابهة مع أحد أشهر متسلقي الجبال في التاريخ، كان بطلها الإيطالي رينهولد ميسنر Reinhold Messner.

ففي عام 1970 كان ميسنر وشقيقه غونتر ينزلان من جبل نانغا باربات الواقع في شمال باكستان ، في الطرف الغربي من سلسلة جبال الهيمالايا، وفي ظروف كارثية كانا منهكين ويعانيان من البرد ونقص الطعام والارتفاع الشديد، قبل أن يفقد ميسنر شقيقه لاحقاً في انهيار جليدي، وخلال النزول شعر ميسنر بوجود متسلق ثالث يسير إلى جواره على مسافة ثابتة، خارج مجال رؤيته تقريباً، لم يحتج، بحسب وصفه، إلى أن يراه كي يقتنع بوجوده؛ كان يشعر به فقط.

وقد أصبحت رواية ميسنر لاحقاً من الحالات التي استشهد بها علماء الأعصاب عند دراسة ظاهرة "الإحساس بحضور شخص".

هذه القصص تتشابه في تفصيل لافت: يظهر ذلك الرفيق عادة عندما يكون الإنسان في أقصى درجات الإنهاك والعزلة والخطر.

فهل العقل هو الذي يصنعه ؟

ليست "متلازمة" بالمعنى الطبي

رغم انتشار اسم  "متلازمة الرجل الثالث" Third Man Syndrome فإنها ليست متلازمة نفسية مستقلة معترفاً بها كتـشخيص طبي، المصطلح العلمي الأقرب هو "الإحساس بوجود شخص" Feeling of a Presence – FoP، أو أحياناً هلوسة حضور شخص Presence Hallucination ، والمقصود به تجربة يشعر خلالها الإنسان بأن كائناً أو شخصاً آخر موجود بالقرب منه، رغم غياب أي دليل حسي طبيعي على وجوده.

ويمكن لهذه الظاهرة أن تظهر في بعض الحالات العصبية والنفسية، لكنها سبق وأن رُصدت أيضاً لدى أشخاص أصحاء تماماً تعرضوا لظروف قاسية من العزلة والإرهاق ونقص النوم والبرد والارتفاع ، لذلك فإن رؤية أو الإحساس بحضور ما  لا تعني بحد ذاتها أن صاحب التجربة يعاني مرضاً عقلياً.

عندما يختلط "أنا" بـ "الآخر"

أحد أكثر التفسيرات العلمية إثارة ظهر سنة 2014 عندما حاول عالم الأعصاب أولاف بلانكه Olaf Blanke وفريقه دراسة الظاهرة داخل المختبر.

صمم الباحثون منظومة روبوتية يقوم فيها الشخص بتحريك جهاز أمامه بأصابعه، بينما يقوم جهاز آخر في الوقت نفسه بلمس ظهره وفق تلك الحركات.

عندما كانت الحركة واللمسة متزامنتين، لم يحدث شيء غريب ، لكن عندما أدخل العلماء تأخيراً زمنياً بسيطاً بين حركة اليد واللمسة على الظهر، بدأ بعض المشاركين يشعرون بأن هناك شخصاً آخر خلفهم رغم عدم وجوده.

كان الدماغ نفسه هو الذي أعاد تفسير الإشارات القادمة من الجسد وكأن مصدر بعضها شخص آخر، وربط الباحثون الظاهرة باضطراب مؤقت في دمج المعلومات الحسية والحركية المتعلقة بموقع الجسد، مع دور لمناطق في القشرة الجبهية الجدارية والصدغية الجدارية والجزيرة الدماغية.

بعبارة أبسط: يبني دماغنا باستمرار خريطة صامتة تجيب عن سؤالين أساسيين: أين يوجد جسدي ؟ وأي الإشارات تنتمي إليّ ؟

وعندما تضطرب هذه العملية، قد يحدث شيء مدهش: جزء من الإحساس المتعلق بـ"أنا" يتم تفسيره على أنه صادر عن "شخص آخر" وبدلاً من أن يشعر المرء بامتداد ذاته، يشعر بوجود رفيق منفصل يقف أو يسير إلى جانبه.

لماذا الجبال والقطبان ؟

إذا كانت هذه الفكرة صحيحة، فإن بيئات الاستكشاف القاسية تبدو وكأنها المختبر المثالي لإنتاج الظاهرة.

فالمتسلق أو المستكشف قد يتعرض في الوقت نفسه إلى:

- الحرمان من النوم.

- الإرهاق البدني الشديد.

- البرد والجوع والجفاف.

- العزلة الطويلة.

- الرتابة الحسية وسط الثلوج والضباب.

- الضغط النفسي والخوف من الموت.

- ونقص الأكسجين في الارتفاعات العالية.

وجميع هذه الظروف قادرة على إرباك الإدراك الطبيعي.

وفي دراسة نشرتها عام 2017 مجموعة بحثية بقيادة كاتارينا هوفنر من جامعة إنسبروك الطبية، جرى تحليل 83 حادثة موثقة وقعت لمتسلقي جبال على ارتفاعات تفوق 3500 متر، وكشفت النتائج عن حالات من الذهان المؤقت والهلوسات والإحساس بوجود أشخاص غير موجودين، وهي أعراض كانت تزول عادة بعد النزول من المرتفعات، وهذا قد يفسر لماذا تحفل كتب متسلقي الجبال بالرفاق الوهميين والأصوات والشخصيات التي تظهر ثم تختفي بمجرد انتهاء الخطر.

هل يصنع العقل رفيقاً كي يبقى حياً ؟

لكن التفسير العصبي لا يجيب وحده عن أكثر ما يثير الفضول في الظاهرة.

لماذا يبدو ذلك الشخص في كثير من الروايات ودوداً ؟

نادراً ما يوصف "الشخص الثالث" بأنه مهاجم أو وحش يطارد الناجي، على العكس، كثيراً ما يبدو رفيقاً هادئاً يمنح الطمأنينة، أو شخصاً يسير بجانب صاحبه، وأحياناً صوتاً يشجعه على الاستمرار.

ومن هنا ظهرت فرضية نفسية مثيرة: ربما تعمل التجربة في بعض الحالات بوصفها آلية تكيف في ظروف البقاء القصوى.

فالإنسان كائن اجتماعي يعتمد بصورة عميقة على الآخرين، وعندما يصبح الشخص وحيداً تماماً، خائفاً ومنهكاً، قد يكون الإحساس بأن هناك شخصاً إلى جانبه كافياً لتخفيف الوحدة والذعر واستعادة القدرة على اتخاذ القرارات.

لكن علينا الانتباه إلى أن هذه الفكرة ما تزال "فرضية تفسيرية" وليست آلية تطورية مثبتة يقوم الدماغ بتشغيلها عمداً لإنقاذ الإنسان، فالعقل لا يضغط زراً كهربائياً يسمى "الشخص الثالث" عندما يقترب الموت كما تروج بعض المواد الشعبية على الإنترنت.

الأرجح أننا أمام تفاعل معقد بين الجسد والدماغ والإرهاق والخوف والحرمان الحسي والظروف المحيطة.

صوت من الداخل أم شخص في الخارج ؟

ليس من الضروري أيضاً أن يتجسد هذا الحضور "الشخص الثالث" بهيئة إنسان واضح، بعض الناجين لا يرون شيئاً وإنما يشعرون فقط بأن "أحداً هنا"، آخرون يسمعون صوتاً يأمرهم بالنهوض أو السير أو اتخاذ قرار معين ، وهناك من يمنح الوجود الغامض هوية محددة؛ فيراه قريباً متوفياً أو صديقاً أو شخصية ذات معنى ديني أو روحي.

وهنا تتداخل الظاهرة مع تجارب أخرى، مثل الهلوسات الناتجة عن الإجهاد وتجارب الاقتراب من الموت والحوار الداخلي المنفصل، لكنها لا تطابق أياً منها تماماً.

فالإنسان الذي يمر بهده التجربة يكون في كثير من الأحيان واعياً، يتحرك ويتخذ قرارات ويحاول النجاة، بينما يسير ذلك الوجود الغامض معه داخل العالم نفسه.

بين التفسير العصبي والتفسير الروحي

طبيعي أن يرى البعض في هذه القصص دليلاً على الملاك الحارس أو أرواح الموتى أو قوة غير مرئية تظهر عند الخطر، ومن عاش التجربة قد يجد صعوبة في قبول وصفها بأنها مجرد هلوسة، لأن الأمر بالنسبة إليه لم يكن حلماً أو خيالاً، لقد شعر فعلاً بأن أحداً كان هناك.

لكن الدراسات العصبية أثبتت شيئاً مهماً: يمكن إحداث إحساس قوي بوجود شخص غير موجود حتى لدى أشخاص أصحاء، بمجرد إرباك الطريقة التي يدمج بها الدماغ إشارات الجسد والحركة.

وهذا يمنحنا تفسيراً ممكناً لجزء كبير من الظاهرة، لكنه لا يستطيع أن يخبرنا بما شعر به كل شخص في كل حادثة، ولا لماذا يأخذ "الحضور" أحياناً صورة شخص معين أو يقدم لصاحبه إحساساً عميقاً بالطمأنينة والمعنى.

العلم يستطيع دراسة كيفية نشوء الإحساس أما السؤال عما يعنيه لصاحبه فهو أكثر تعقيداً.

عندما تنقسم الذات إلى اثنين

ربما تكون متلازمة الشخص الثالث واحدة من أكثر النوافذ غرابة على طبيعة الوعي البشري، فنحن نعتقد عادة أن الإحساس بـ"الذات" شيء ثابت لا يحتاج إلى تفسير، لكن هذه التجارب تكشف أن إحساسنا بأننا شخص واحد داخل جسد واحد هو في الحقيقة بناء شديد التعقيد يصنعه الدماغ لحظة بعد أخرى، وفي أقسى الظروف قد تهتز الحدود بين الداخل والخارج، وبين "أنا" و"الآخر".