في قصة ملكة سبأ الواردة في سورة النمل، يظهر شخص مجهول للحظات ثم يختفي من النص، مع أنه يقوم بأكثر أفعال القصة إثارة: " إحضار عرش الملكة إلى سليمان في زمن أقصر من ارتداد الطرف".

قال عفريت من الجن إنه يستطيع إحضار العرش قبل أن يقوم سليمان من مقامه، لكن شخصاً آخر وصفه القرآن فقط بأنه "الذي عنده علم من الكتاب" ، قال: "أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك"، ثم كان العرش أمام سليمان.

اللافت أن القرآن لم يذكر اسم هذا الرجل ولا منصبه ولا طبيعة العلم الذي امتلكه، ومع ذلك يعرفه كثيرون اليوم باسم آصف بن برخيا، وزير سليمان وصاحب «الاسم الأعظم».

فمن أين جاء هذا الاسم ؟ وهل كان آصف بالفعل هو من نقل العرش ؟ وكيف تحولت شخصية لم يسمها القرآن إلى واحد من أشهر رجال الأسرار والسحر في التراث، حتى ظهر كتاب غامض يدعى «الأجناس» منسوباً إليه ؟

الرجل الذي سبق العفريت

ما يمكن قوله اعتماداً على النص القرآني وحده محدود للغاية: هناك عفريت من الجن قدّم عرضه أولاً، ثم جاء «الذي عنده علم من الكتاب» بعرض أسرع وبعدها رأى سليمان العرش مستقراً عنده.

أما كل ما عدا ذلك ــ اسم الرجل، كونه وزيراً، ومعرفته بالاسم الأعظم ــ فهو من "التفسير والروايات اللاحقة وليس من نص الآية نفسها".

والأهم أن المفسرين لم يتفقوا أصلاً على هويته.

فالطبري، المتوفى سنة 923، جمع عدة روايات: قيل إنه رجل من بني آدم اسمه بليخا، وقيل رجل من بني إسرائيل عرف اسماً من أسماء الله، وقيل عابد مجهول عاش في جزيرة بينما تذكر رواية أخرى أنه آصف بن برخيا، وفي هذه الرواية الأخيرة التي يوردها الطبري عن ابن إسحاق، يوصف آصف بأنه رجل صالح يعرف «الاسم الأعظم».

وفي تفاسير لاحقة تتسع الاحتمالات أكثر؛ فقيل إنه الخضر، أو جبريل أو مَلَك آخر، بل ذهب بعضهم إلى أنه سليمان نفسه، وهذا يعني أن التعريف الشائع اليوم ــ «آصف بن برخيا هو الذي أتى بالعرش» ــ ليس حقيقة منصوصاً عليها، وإنما واحد من تأويلات متعددة أصبح بمرور الزمن أكثرها شهرة.

من أين جاء اسم «آصف بن برخيا» ؟

هنا تظهر صلة مثيرة بالتراث اليهودي ، فالاسم ليس اختراعاً إسلامياً بالكامل؛ إذ نجد في سفر أخبار الأيام في الكتاب المقدس رجلاً يسمى آساف بن برخيا Asaph son of Berechiah لكنه لا يظهر هناك كساحر ولا كناقل لعرش ملكة سبأ وإنما كأحد اللاويين ورجال الموسيقى في عهد الملك داود ومن المسؤولين عن الغناء والعزف في الشعائر.

وهذه نقطة مهمة؛ لأن وجود الاسم في التراث العبري لا يعني أن الرواية اليهودية القديمة قالت إن هذا الشخص هو صاحب «علم الكتاب».

الأرجح أن الاسم وصل إلى الثقافة الإسلامية عبر شبكة الأخبار التي سميت لاحقاً الإسرائيليات: قصص وأسماء وتفاصيل عن أنبياء بني إسرائيل كانت تتداول بين المسلمين وأهل الكتاب، ثم تدخل كتب القصص والتفسير وتتغير خلال انتقالها.

وتظهر آثار هذه القناة بوضوح عند الطبري نفسه فبعض التفاصيل المتعلقة بالقصة يرويها ابن إسحاق عن بعض أهل العلم عن وهب بن منبه وهو من أشهر الأسماء المرتبطة بنقل أخبار الأمم والأنبياء السابقين إلى الأدب الإسلامي.

لذلك لا يصح أن نقول إن المسلمين وجدوا في كتاب يهودي معين عبارة تقول إن «آصف نقل العرش» ثم اقتبسوها حرفياً؛ لم نعثر على دليل يثبت وجود ذلك المصدر المباشر، ما يمكن إثباته هو وجود الاسم العبري القديم ثم ظهوره في شبكة القصص الإسلامية مرتبطاً بسليمان قبل أن تتضخم الشخصية لاحقاً وتكتسب صفات لم يعرفها النص الكتابي.

وتؤكد دراسة حديثة للمؤرخة ميشال بيران Michal Biran أن صورة آصف بن برخيا تطورت على امتداد العصور الإسلامية، وانتقلت بين أدوار الوزير والحكيم وصاحب المعرفة السحرية حتى ازدادت أهميته بصورة ملحوظة في الأدب الوسيط.

كيف أصبح صاحب «الاسم الأعظم» ؟

ربما كان الفراغ الذي تركته الآية هو السبب في تضخم الشخصية ، فالقرآن يقول إن الرجل امتلك «علماً من الكتاب» دون أن يخبرنا ماهية ذلك العلم، وكان من السهل أن تحاول الروايات اللاحقة ملء الفراغ: قيل إنه عرف "اسم الله الذي إذا دُعي به أجيب" ثم ارتبط ذلك لاحقاً بفكرة «الاسم الأعظم».

وهكذا أصبح آصف شخصية مثالية للأدب الباطني: ليس نبياً ولا جناً، وإنما إنساناً امتلك معرفة مكنته ــ بحسب الرواية ــ من إنجاز ما لم ينجزه العفريت بالسرعة نفسها.

ومن هنا بدأ الانتقال من شخصية تفسيرية غامضة إلى شخصية تُنسب إليها أسرار وأسماء وخواتم وكتب في الروحانيات.

اسم آصف معروف في كتب التفسير والقصص منذ قرون طويلة قبل ظهور الطبعات الحديثة لـ«الأجناس»، فالطبري مثلاً يذكره في القرن العاشر ثم يتكرر اسمه في التفاسير وقصص الأنبياء والأدب اللاحق ، أما البحث عن كتب سحرية قديمة كتبها آصف نفسه فيقود إلى نتيجة مختلفة.

تنتشر على الإنترنت ملفات وصور تحمل عناوين مثل «دعوة آصف بن برخيا» و«عزائم آصف» ونحوها وبعضها يقدم على أنه مخطوط قديم، لكن النسخ الرقمية التي أمكن تتبعها لا تقدم عادة سجلاً مخطوطياً موثوقاً: لا تاريخ نسخ يمكن الاعتماد عليه، ولا سلسلة تملك، ولا رقم حفظ في مكتبة مخطوطات معروف يسمح بإرجاعها إلى عصر محدد. 

فمثلاً النسخة المنشورة بعنوان «دعوة آصف بن برخيا ودعوة المريخ» في ارشيف الانترنت  Internet Archive لا تسجل في بياناتها تاريخ المخطوط أو مصدره التاريخي، وإنما تاريخ رفع الملف في سنة 2023.

وفي البحث المفتوح في فهارس ومصادر المخطوطات التي أمكن الوصول إليها، لم نعثر على نسخة مؤرخة وموثقة من «كتاب الأجناس» تستطيع أن تثبت وجوده بهذا العنوان والنص قبل العصر الحديث.

وهذا لا يثبت أن كل مادته حديثة؛ فقد يكون بعض ما جمع فيه مقتبساً من تقاليد ومخطوطات أقدم. لكنه يجعل نسبة الكتاب نفسه إلى رجل مفترض من زمن سليمان بلا سند تاريخي.

كتاب الأجناس : المنسوب إلى آصف

الكتاب المتداول اليوم يقدم آصف بن برخيا باعتباره مؤلفه، وتوجد طبعة عربية مفهرسة صادرة سنة 2005 في نحو مئتي صفحة ومادته تنتمي بوضوح إلى أدب السحر والروحانيات: يتحدث عن السماوات والكواكب والملائكة وملوك الجن والأسماء والخواتم والأوفاق والمجربات، وتظهر فيه أسماء ذات أصول عبرانية مثل أدوناي، آل شداي وأصباؤوت، إلى جانب شخصية ميططرون المعروفة في التراث الباطني اليهودي، بينما توجد في المواضع نفسها آيات وأدعية ومفاهيم إسلامية.

وهذا المزيج مثير تاريخياً، لكنه لا يثبت أن المؤلف آصف؛ بل على العكس، التحقيق في النص نفسه يكشف مشكلة كبيرة في نسبته.

هل «الأجناس» كتاب آصف فعلاً ؟

أول ما يلفت الانتباه أن الكتاب يتحدث صراحة عن النبي محمد والقرآن؛ ففيه أدعية تستشهد بسورة «ألم نشرح» وتكرر عبارة «نبينا محمد» وتستخدم مفاهيم إسلامية واضحة. وبالتالي يستحيل أن تكون هذه الأجزاء قد كتبها شخص عاش في الزمن المفترض لسليمان.

يمكن بالطبع القول إن نساخاً مسلمين أضافوها إلى أصل أقدم. لكن الكتاب يقدم قرينة أكثر قوة تكشف أن التعديل استمر إلى زمن متأخر جداً.

ففي أحد أبوابه يصف النص ــ حرفياً في معناه ــ الحصول على عملة فضية متداولة «على سكة الحكومة المصرية»، ثم يتحدث عن ذهب على «ضربة الدينار الإنجليزي».

وهنا تنهار نسبة النص الموجود أمامنا إلى عصر سليمان بالكامل.

لا يمكن لآصف المفترض أن يتحدث عن «الحكومة المصرية» أو عن نقد إنجليزي،  وهذه ليست مجرد صياغة دينية أضافها ناسخ مسلم بل علامة تاريخية تشير إلى أن أجزاء من النص جُمعت أو عُدلت في العصر الحديث نسبياً.

وبذلك يبدو «الأجناس» أقرب إلى كتاب تراكمي: مواد قديمة ومتأخرة من مدارس روحانية مختلفة، أُضيف بعضها إلى بعض عبر الزمن ثم نُسبت المجموعة في النهاية إلى اسم آصف بن برخيا لإكسابها سلطة سليمانية قديمة.

أما افتراض وجود «نسخة أصلية» كتبها آصف ثم تعرضت للتحريف، فهو احتمال لا يمكن استبعاده منطقياً بصورة مطلقة، لكنه لا يملك حتى الآن دليلاً مخطوطياً معروفاً يثبته.

من نقل عرش ملكة سبأ ؟

إذا كان السؤال دينياً وفق ظاهر النص القرآني، فالجواب بسيط وغامض في الوقت نفسه:

الذي نقل العرش هو شخص «عنده علم من الكتاب»، ولا يخبرنا القرآن باسمه.

أما آصف بن برخيا فهو الهوية التي منحتها له إحدى الروايات التفسيرية، ثم تغلبت شهرتها على بقية الآراء حتى كاد الاسم يصبح جزءاً من القصة الأصلية.

ويبدو أننا أمام مثال نادر على كيفية ولادة شخصية أسطورية عبر القرون: بدأ الأمر برجل مجهول في آية، ثم مُنح اسماً معروفاً من تراث بني إسرائيل، وأصبح كاتب سليمان ووزيره وصاحب الاسم الأعظم، ثم تحول في الأدب الباطني إلى سيد للأسرار، وفي النهاية ظهرت كتب سحر تحمل اسمه.

ولهذا ربما لا يكون السؤال الأكثر إثارة هو فقط:

كيف نُقل عرش ملكة سبأ ؟

بل أيضاً:

كيف استطاع رجل لم يذكر القرآن حتى اسمه أن يكتسب خلال القرون سيرة كاملة، وسراً أعظم، وكتباً في السحر نُسبت إليه ؟

في هذه المسافة بين النص والتفسير والأسطورة يقف آصف بن برخيا كواحدة من أكثر الشخصيات الغامضة في التراث.