ماذا لو كان لقاء ملاكك الحارس يتطلب أن تكرّس أشهراً من حياتك للاستعداد، ثم تكتشف أن اللقاء الموعود ليس نهاية الرحلة، بل بداية مواجهة مع عالم من الأرواح ؟ هذه هي المفارقة التي يحملها كتاب أبراملين، أحد أكثر كتب السحر الغربي تأثيراً وإثارة للجدل؛ كتاب يتحدث بلغة التقوى والتطهير، لكنه يعد أيضاً بمنح الإنسان سلطة على كيانات خفية.

بين معلم غامض في مصر، ومخطوطات مختلفة، ومنزل اسكتلندي أحاطت به حكايات الرعب، تشكلت سمعة أبراملين، غير أن تتبع حكايته يكشف أن الغموض لا يقتصر على الطقس المنسوب إليه؛ فحتى هوية مؤلفه وعمر نصه أقل يقيناً مما توحي به الروايات الشائعة.

معلم في مصر ووصية إلى الابن

يقدّم الكتاب نفسه بوصفه معرفة ينقلها "إبراهيم من فورمس" وهو رجل يعرّف نفسه بأنه يهودي من المدينة الألمانية، إلى ابنه لامِخ. ويروي إبراهيم رحلة بحث عن الحكمة انتهت بلقاء معلم يدعى أبراملين في مصر.

داخل هذه الحكاية، يظهر أبراملين شيخاً وقوراً، ينشغل بالتقوى واستقامة الحياة أكثر من انشغاله باستعراض القوى، ومن التفاصيل اللافتة أنه يأخذ مبلغاً من المال ليوزعه على الفقراء، في صورة تجعل المعرفة السرية مرتبطة باستحقاق أخلاقي، قبل أن تكون وسيلة لتحقيق الرغبات.

تمنح مصر القصة هالة من الحكمة القديمة، لكن وقوع الأحداث فيها لا يثبت أن الكتاب فرعوني الأصل، أو أن تعاليمه امتداد موثق لطقوس مصر القديمة، ما نملكه هنا هو رواية داخل كتاب، تحتاج شخصياتها وأحداثها إلى أدلة مستقلة.

كتاب أقدم من مخطوطاته

ينسب النص نفسه إلى سنة 1458، إلا أن التاريخ الذي يذكره كتاب عن نفسه لا يكفي لإثبات زمن تأليفه، وتتركز الشواهد المهمة على تداوله في أوائل القرن السابع عشر، بينما تبقى هوية "إبراهيم من فورمس" بهذه السيرة محل خلاف.

وتبين دراسة نقدية لتاريخ النص بأن له قرائن مسيحية وربما لوثرية، تتعارض مع التسليم البسيط بأنه من تأليف حكيم يهودي في القرن الخامس عشر، كما ترصد ما لا يقل عن 28 مخطوطاً تاريخياً محفوظاً في مكتبات أوروبية،  لذلك فإن نسبة الكتاب إلى إبراهيم، ووجود معلمه أبراملين، ينبغي عرضهما باعتبارهما جزءاً من تقليده الروائي، لا حقيقتين محسومتين.

وزاد انتقال الكتاب بين اللغات من تعقيد حكايته، فالترجمة الإنجليزية المؤثرة التي نشرها صموئيل ليدل ماكغريغور ماذرز سنة 1898 اعتمدت مخطوطاً فرنسياً، وأصبحت بوابة واسعة لانتشاره بين المهتمين بالسحر الغربي.

لكن المقارنة بالمصادر الألمانية كشفت اختلافات كبيرة: نسخة ماذرز تتألف من ثلاثة كتب وتحدد مدة العمل بستة أشهر، بينما تتضمن مصادر ألمانية أربعة كتب وتمتد فيها المدة إلى ثمانية عشر شهراً ، وتشمل الفروق أيضاً المربعات الحرفية وبعض محتويات النص. 

وهكذا لم يكن أبراملين الذي عرفه القراء عبر الترجمة الإنجليزية مطابقاً تماماً لأبراملين الموجود في شواهد أخرى. 

ما هي فكرة الكتاب ؟

يقوم المشروع على اعتقاد بأن للإنسان ملاكاً يمكن أن يرشده إلى المعرفة الصحيحة ويعينه على إصلاح حياته، والغاية هي إقامة صلة مستمرة معه، عُرفت في الباطنية الغربية بتعبير "معرفة الملاك الحارس المقدس ومحادثته".

يصف الكتاب ظهور الملاك بجمال استثنائي، وحديثه بمودة، وتذكيره الإنسان بأخطائه، وتعليمه كيف يسلك حياة مستقيمة، لذلك يحمل اللقاء الموعود بُعداً أخلاقياً واضحاً: طالب القوة مطالب بمراجعة نفسه قبل أن يصبح جديراً بما يطلبه، هذه أوصاف يقدمها النص، وليست توثيقاً مستقلاً لظهور ملائكي. 

أما الاستعداد، ففي ملامحه العامة، مشروع طويل من التفرغ والصلاة والانضباط وتقليل الانشغال بالحياة اليومية، ومن هنا تأتي قوته الدرامية: أشهر من الانتظار يعيش خلالها الممارس بين الوعد والشك، ويربط نجاح التجربة بصدق نيته واستقامته.

ويجب فهم "الملاك الحارس المقدس" هنا بوصفه مصطلحاً داخل تقليد باطني محدد؛ فلا يكفي التشابه في الاسم لمساواته بالملائكة الحفظة في الإسلام أو بسائر التصورات الدينية عن الملائكة.

لماذا تحضر الشياطين في كتاب عن الملاك ؟

تظهر المفارقة الأهم بعد اللقاء الموعود، فبحسب الكتاب، تتيح معرفة الملاك وحمايته للممارس إخضاع أرواح يعدّها النص شريرة، وتوجيهها لتنفيذ أغراض مختلفة.

في هذا البناء، تأتي السلطة من الأعلى، ثم تُمارس على الكيانات الأدنى، وبذلك يبرر الكتاب الجمع بين لغة الطاعة لله وطموح السيطرة على الأرواح ، وهذا ما يجعل وصفه لنفسه بأنه "سحر مقدس" تعبيراً عن منطقه الخاص، لا حكماً دينياً متفقاً عليه.

ومن أشهر ملامحه البصرية مربعات تتوزع داخلها الحروف والكلمات، وتُنسب إليها وظائف سحرية، وهي تعكس الاعتقاد بأن للأسماء وترتيب الحروف قوة تتجاوز معناها اللغوي،  غير أن اختلاف هذه المربعات بين النسخ يذكّر أيضاً بأن الكتاب وصل عبر عمل بشري من النسخ والترجمة والتحرير، بكل ما يصاحب ذلك من أخطاء.

كراولي والمنزل الذي ابتلعته الأسطورة

انتقلت حكاية أبراملين من صفحات المخطوطات إلى مكان حقيقي عندما اشترى أليستر كراولي منزل بولسكين، قرب بحيرة لوخ نيس في اسكتلندا، سنة 1899، وكان اختيار المنزل مرتبطاً برغبته في التفرغ للعمل المنسوب إلى أبراملين وبلوغ الاتصال بملاكه الحارس. مؤسسة بولسكين

أما القصة الأشهر فتقول إنه قطع العمل وغادر قبل استكماله، وإن الأرواح التي استدعاها بقيت في المكان، ومع الزمن أصبحت الحوادث والمآسي المرتبطة بالمنزل تُفسَّر بوصفها نتائج لذلك الطقس غير المكتمل.

هنا ينبغي الفصل بين اهتمام كراولي بالممارسة وإقامته في المنزل، وبين ادعاء أن أرواحاً بقيت فيه وتسببت بالمصائب، فالأخير ينتمي إلى أسطورة بولسكين ولا يتحول إلى حقيقة بمجرد تكراره، لكنه يكشف كيف تستطيع سمعة شخص ومكان أن تصنع إطاراً تُفسر داخله كل حادثة لاحقة.

كائن مستقل أم وجه خفي للذات ؟

لم يستقر تفسير الملاك على معنى واحد، فهناك قراءات تربطه بالطبيعة الروحية الأعمق للإنسان، وأخرى تتعامل معه باعتباره كائناً مستقلاً.

وقد رفض كراولي، في فصل من كتابه "سحر من غير دموع" Magick Without Tears اختزاله في "الأنا العليا"، وأكد اعتقاده بأنه فرد ذو وجود موضوعي، لذلك فإن تفسير أبراملين كله باعتباره مجرد حديث مع العقل الباطن لا يمثل بالضرورة ما اعتقده أصحابه، مثلما أن اعتقادهم باستقلال الملاك لا يثبت وجوده خارج التجربة الشخصية.

حين دخل أبراملين السينما

استلهم فيلم A Dark Song هذا العالم من خلال امرأة مثقلة بالفقد، تستعين برجل متخصص بالممارسات الباطنية، وينعزلان في منزل لإنجاز عمل طويل، وتأتي قوة الفيلم من الانتظار والتوتر، ومن العلاقة المضطربة بين شخص يطلب الخلاص وآخر يدّعي امتلاك الطريق إليه.

قال المخرج ليام غافن إنه أجرى أبحاثاً عن أبراملين، لكنه تعمد ألا يعرض الممارسة الأصلية كاملة أثناء تنفيذها،  لذلك يبقى الفيلم معالجة خيالية، ولا يجوز اعتبار كل اختبار أو اعتداء فيه جزءاً موثقاً من الكتاب.

ما تثبته المصادر هو وجود نص مؤثر، وتاريخ طويل من نسخه وتأويله، وأشخاص سعوا إلى تحقيق وعوده، أما لقاء ملاك مستقل واكتساب سلطة على الأرواح، فلا تقدم المصادر المستعرضة دليلاً مستقلاً قابلاً للتحقق عليهما.

وتبقى جاذبية أبراملين في الوعد الذي يحمله: أن يجد الإنسان مرشداً يعرفه بعمق، ويمنح معاناته اتجاهاً ومعنى، غير أن الكتاب يضيف إلى هذا الشوق طموحاً آخر أكثر التباساً؛ فالباحث عن الهداية يريد أيضاً امتلاك القوة،  وبين الرغبتين يعيش لغزه الأشد إثارة.