في غرفة يضيئها سراج، تنحني أم فوق مهد طفلها، قبل ساعات كان يبكي، ثم هدأ أكثر مما ينبغي، تلمس وجهه، تقترب لتسمع أنفاسه، وتنادي من في البيت، وحين يعجز الجميع عن تفسير ما حدث، يجد الخوف اسماً يتداوله الناس: أم الصبيان.

هذا المشهد المتخيل يختصر مأساة عرفتها أسر كثيرة عبر التاريخ، حمل ينتهي قبل أوانه، وأم تنهار بعد الولادة، ورضيع يمرض فجأة، وطفل يذبل دون سبب مفهوم، وفي المسافة بين وقوع المصيبة وفهمها، ظهرت كائنات قيل إنها تدخل البيوت ليلاً، وتتربص بالحوامل، وتختطف الصغار أو تستنزف حياتهم.

اختلفت الأسماء والهيئات: جنيّة في الموروث العربي، وشيطانة في بلاد الرافدين، ورأس طائر في جنوب شرق آسيا، وجنيات تستبدل الأطفال في أوروبا، وامرأة باكية على ضفاف أنهار أمريكا اللاتينية، تتقاطع حكاياتها عند خوف إنساني بالغ العمق: أن يفقد المرء طفله، وألا يعرف لماذا.

ومع ذلك، لا يكفي التشابه لنفترض أنها شخصية واحدة تجولت في العالم وغيّرت أسماءها، فبعض التقاليد تتداخل بالفعل، بينما تتشابه بعضها في الوظيفة والصورة دون أن نملك دليلاً على انتقال مباشر بينها، ما تجمعه هذه الرحلة هو تاريخ المخاوف التي أحاطت بالأمومة والطفولة، كما حفظته الحكايات والمخطوطات والتمائم.

تحتل أمّ الصبيان مكاناً لافتاً في هذا التاريخ، لأنها تقف عند الحد الفاصل بين اسم المرض واسم الكائن المتهم بإحداثه، ففي بعض المرويات يتم تصويرها كجنيّة مؤذية وترد باسم "التابعة"، وتتسع حكاياتها لتشمل افتراس الأطفال وإيذاء البالغين، وفي أوصاف أخرى تظهر بساقي بقرة، أو تتنكر في هيئة امرأة جميلة تخفي طبيعتها المخيفة.

ولم تبقَ هذه الشخصية حبيسة الرواية الشفوية، إذ تعرض مكتبة هيل للمخطوطات مخطوطاً محفوظاً في المكتبة الشرقية بجامعة القديس يوسف في بيروت، يحمل الرمز USJ 00277 وفيه فصل للحماية من أمّ الصبيان ورسم لها، تكشف الصفحة كيف حاول أصحابها مواجهة الخوف بالكتابة والرموز؛ لكنها توثق الاعتقاد بالكائن، لا وجوده خارج المخطوط.

ويظهر وجه آخر للاسم في استعماله لوصف علل الأطفال،  تنقل صحيفة "الخليج" عن فالح حنظل، في"معجم الألفاظ العامية في دولة الإمارات" ارتباط أمّ الصبيان بالصرع، مع الاعتقاد الشعبي بأن جنيّة تصيب الإنسان به منذ الصغر، وهنا يصبح السؤال أكثر تعقيداً: هل كانت الأسرة تتحدث عن مرض يحمل اسماً مخيفاً، أم عن كائن تعتقد أنه سبب المرض ؟ في الاستعمال الشعبي قد يندمج المعنيان حتى يصعب الفصل بينهما.

وهذا التداخل يستدعي الحذر عند قراءة الموروث؛ فذكر أمّ الصبيان في نص قديم لا يعني تلقائياً أن صاحبه يقصد الشخصية نفسها التي تصفها حكاية معاصرة، كما أن ورود اسم نبي أو دعاء في حجاب شعبي لا يكفي لإثبات صحة نسبته الدينية، فالمخطوطات السحرية تخبرنا بما كتبه الناس واعتقدوه، وتظل صحة النسبة مسألة مستقلة.

إذا عدنا إلى بلاد الرافدين القديمة، وجدنا وجهاً أشد وضوحاً في استهداف الحوامل والمواليد: لاماشتو Lamashtu، يصفها متحف المتروبوليتان بأنها ابنة إله السماء آنو، طُردت من السماء، وفق بعض الروايات، بعدما طلبت أن تتغذى على لحوم الأطفال، ومنذ ذلك الحين راحت تجوب الأرض، وكان الحوامل وحديثو الولادة بين أبرز ضحاياها المتخيَّلين.

بقيت تمائم تحمل صورتها شاهدة على هذا الخوف، منها قطعة بابلية مؤرخة بالقرنين السابع والسادس قبل الميلاد، وإلى جانبها يظهر بازوزو Pazuzu الكائن الشيطاني الذي استُخدمت صورته لصد خطرها، ففي عالم تلك المعتقدات، أمكن لقوة مرعبة أن تؤدي دور الحارس أمام قوة أشد تهديداً، هكذا لم يكن المهد محاطاً بعناية البشر وحدهم، بل أيضاً بصراع متخيَّل بين كائنات غير مرئية.

وفي الفلكلور اليهودي، ارتبط جانب من صورة ليليث Lilith بالخطر على النساء بعد الولادة وأطفالهن، قبل حضورها المعاصر بوصفها رمزاً للتمرد أو الاستقلال، كانت اسماً تخشاه بعض الأسر وتستحضر وسائل لدرء أذاه، وتعرض المكتبة الوطنية الإسرائيلية تمائم ولادة ترتبط بحكايتها وبأسماء ملائكة اعتُقد أنهم يمنعون اقترابها.

تمنح هذه الأوراق الصغيرة تاريخاً ملموساً للخوف: أسرة تنتظر طفلاً أو تستقبله، فتضع بينه وبين المجهول كلمات وأسماء، أما الرواية التي تجعل ليليث زوجة آدم الأولى فتعود إلى تقاليد يهودية لاحقة، ولا يصح عرضها بوصفها رواية مشتركة بين الأديان أو حقيقة تاريخية. وكذلك لا يثبت تشابه دورها مع لاماشتو أو أمّ الصبيان أن الثلاث شخص واحد.

وتزداد الصلة بأمّ الصبيان مباشرة في الموروث الفارسي، حيث يظهر كائن آل Āl، تصفه الموسوعة الإيرانية بأنه تجسيد فلكلوري لحمّى النفاس، وتذكر امتداد المعتقد إلى القوقاز وآسيا الوسطى، مع أسماء منها ألباستي Albastı، وفي المعتقد الفارسي الخاص بالأطفال يقال إنه يسرق كبد المرأة أثناء الولادة ويؤذي طفلها، وتذكر الموسوعة اقترانه باسم "أمّ الصبيان" في ذلك السياق.

هنا يتجه الخوف إلى جسد الأم أيضاً، فقد تبدو الولادة ناجحة، ثم تتدهور حالتها، فيمنح الخيال هذا الانهيار صورة سرقة عضو من داخلها، ويمكن قراءة الصورة باعتبارها محاولة لتجسيد أذى لا يراه أهل البيت، دون أن نجزم بأن كل رواية تصف حالة طبية واحدة. 

ومن غرفة الولادة نفسها تخرج شخصية أبيزو Abyzou، التي ترد باسم Obizuth في ترجمة النص المعروف بـ"وصية سليمان"، في مشهد استجوابها، تقول إنها تجوب العالم ليلاً وتتربص بالنساء أثناء الولادة، وتخنق الطفل إن سنحت لها الفرصة، ثم تنتقل إلى مكان آخر إن أخفقت.

المشهد شديد الوضوح: الخطر له إرادة، ويختار توقيته، ويواصل البحث عن ضحية، لكنه وارد في أدب منحول منسوب إلى سليمان، ولا يمثل شهادة تاريخية على أفعاله، وقيمته هنا أنه يكشف كيف صاغ مؤلفوه الموت الذي يقع قرب الولادة في هيئة عدو يمكن مخاطبته واستجوابه وتقييده.

وفي العالم اليوناني والبيزنطي، نجد جيلو Gello، أو غيلو Gyllou مرتبطة بأذى الأطفال، تصفها بعض الروايات روح فتاة ماتت قبل أن تكتمل حياتها، ثم اتسع الاسم في تقاليد لاحقة ليشير إلى فئة من الكائنات المؤذية، وبالقرب منها تقف لاميا Lamia التي تربط روايات قصتها بفقد أطفالها وتحولها إلى افتراس أطفال الآخرين.

تتيح الشخصيتان قراءة أدبية مؤلمة: الحياة التي لم تكتمل، أو الأمومة التي سُلبت، تعود في هيئة عداء لحياة الآخرين، كأن الخيال يحول الحرمان إلى غيرة خارقة، ويجعل المرأة المنكوبة سبباً لنكبات جديدة، وهذه قراءة لمعنى الحكاية، وليست حكماً على النساء اللاتي فقدن أطفالهن، ولا تفسيراً نفسياً يمكن إسقاطه عليهن.

ولم يكن الخطر دائماً امرأة، ففي الكتاب السادس من "الأعياد" لـ أوفيد، تظهر طيور ليلية مفترسة تسمى ستريغيس Striges، مفردها ستريكس Strix تهاجم الرضع وتشرب دماءهم،  وتروي القصيدة اعتداءها على الطفل بروكا وتدخل قوة حامية لإنقاذه،  يتحول الخوف هنا إلى جناح ومنقار وصوت في الظلام؛ وتصبح هشاشة الرضيع مشهداً عن افتراس ليلي.

لكن التراث البوذي يمنحنا نهاية مختلفة مع هاريتي Hārītī التي كانت وفق الحكاية تلتهم الأطفال رغم أنها أم لأطفال كثيرين، وحين أخفى بوذا أحد أبنائها، اختبرت ألم الفقد الذي كانت تسببه للآخرين ، ثم تحولت إلى حامية للصغار، وصُورت محاطة بهم أو حاملة طفلاً.

في هذه الرواية، ينشأ الخلاص من معرفة ألم الآخر وتمنح صورة هاريتي الحانية، بعد تاريخها المخيف، مساحة للتأمل في قدرة الحكاية على تحويل الخوف إلى رحمة.

أما في شبه الجزيرة الملايوية، فتتخذ أخطار الولادة هيئة جسدية مروعة، يسجل والتر ويليام سكيت في كتابه "السحر الملايوي" الصادر سنة 1900 شخصية بينانغالان Penanggalan رأس منفصل يتدلى منه جزء من الأحشاء، يطير بحثاً عن دم الأطفال، ويروي أيضاً عن لانغسوير Langsuir المرأة التي تحولت إلى كائن مخيف بعد صدمة معرفتها أن طفلها ولد ميتاً.

ويسجل الكتاب باجانغ Bajang الذي عُدّ خطراً على الأطفال مع اعتقاد بإمكان احتفاظ شخص به، وكان المرض الغريب أو التشنج وفقد الوعي قد يثير الشك في أن المريض ضحيته، ثم يتجه الاتهام إلى من يُظن أنه يملك الروح ، هنا يدخل السحر الموجَّه بوضوح: وراء الكائن فاعل بشري مفترض، وينبغي قراءة هذه الروايات بوصفها تسجيلات تاريخية تتفاوت محلياً.

وفي الفلبين تظهر مانانانغال Manananggal التي ينفصل نصفها العلوي ويطير ليلاً، وفي رواياتها الشائعة، تستهدف الحوامل النائمات بلسان طويل تصل به إلى الجنين أو الدم. إنها صورة تجعل الطفل مهدداً حتى قبل أن يغادر الرحم، وعلى الرغم من تشابهها مع الرأس الطائر الملايوي، فإن لكل شخصية هيئتها وتقاليدها.

وحين نصل إلى أوروبا، يتغير السؤال: ماذا لو كان الطفل ما يزال في مهده، لكن الأسرة تعتقد أنه لم يعد طفلها ؟

في حكايات الطفل المستبدل Changeling تختطف الجنيات الصغير وتترك بديلاً مكانه، وقد تثير الشك علامات المرض والضعف أو السلوك غير المألوف، هكذا تقدم الحكاية تفسيراً لتغير يصعب على الأسرة فهمه: الطفل الأصلي غائب، والموجود أمامها دخيل.

وقد ربط بعض الباحثين هذه الروايات بمحاولات تفسير الإعاقة والاختلاف النمائي، غير أن دراسات تاريخية حذرت من المطابقة المباشرة بين شخصيات الفلكلور والتشخيصات الحديثة، فلا يصح القول إن كل "طفل مستبدل" كان طفلاً متوحداً أو مصاباً بمرض بعينه، والأشد إيلاماً هو ما قد يحدث حين يجعل الاعتقاد الطفل المريض موضع خوف وعداء، في اللحظة التي يحتاج فيها إلى مزيد من الرعاية.

وعلى الضفة الأخرى من الأطلسي، تتردد بكائية لا يورونا La Llorona المرأة الباكية في حكايات المكسيك وأمريكا اللاتينية، في روايات شهيرة، تغرق أطفالها ثم تهيم بحثاً عنهم، وفي بعضها تصبح خطراً على أطفال الآخرين، تتعدد قصتها، لكن اجتماع الأمومة والفقد والماء والنداء الليلي يمنحها حضوراً لا ينسى.

تبدو صلتها بأمّ الصبيان أقوى في محور الخطف والفقد منها في أمراض الحمل والرضاعة، إنها توسع دائرة الخوف من المهد إلى الطريق وضفة النهر؛ حيث يستطيع الطفل أن يخرج من حماية أسرته ويغيب.

وتأخذ الرحلة منعطفاً آخر في نيجيريا،  ففي معتقد أوغبانجي Ogbanje لدى الإيغبو ونظيره أبيكو Abiku لدى اليوروبا، يمكن تفسير تكرر فقد الأطفال بعودة الروح نفسها إلى الأسرة، ثم موتها ورحيلها مجدداً، هنا يصبح الطفل نفسه مرتبطاً بالعالم الذي تتهمه الأسرة بسلبه منها.

وهذا المثال يتيح الانتقال من التأويل إلى دراسة محددة، ففي بحث نشرته E. Nzewi سنة 2001 شملت الدراسة مئة طفل صُنّفوا شعبياً ضمن فئة "أوغبانجي المؤذي"، توافرت بيانات نوع الهيموغلوبين لثمانين منهم، وكان سبعون مصابين بفقر الدم المنجلي؛ أي 87.5 بالمئة ممن توافرت بياناتهم.

توضح النتيجة كيف يمكن لمرض وراثي، بما يسببه من معاناة متكررة وخطر وفاة مبكرة، أن يدخل في تفسير روحي للفقد داخل الأسرة، لكنها تخص العينة المدروسة، ولا تجعل كل معتقدات أوغبانجي مرادفاً لمرض واحد، فضلاً عن أن تفسر جميع أساطير الأطفال حول العالم.

ما الذي يجمع هذه الوجوه ؟

 لا توجد إجابة وحيدة، لكن محدودية القدرة على تفسير المرض وعلاجه تشكل جزءاً أساسياً من الصورة ، نعرف اليوم أن مضاعفات الخداج والولادة والعدوى والتشوهات الخلقية من أسباب وفاة المواليد، وأن حالات إجهاض كثيرة ترتبط باضطرابات في تطور الحمل، منها مشكلات الكروموسومات، وكانت نتائج هذه الأخطار مرئية للأسر، بينما ظلت أسباب كثيرة منها عصية على الفهم أو العلاج.

ومع ذلك، لم تكن حياة القدماء فراغاً من الرعاية؛ فقد وجدت قابلات وخبرات متوارثة ومحاولات علاج، وتعايشت معها تصورات غيبية، لذلك فإن اختزال الحكايات في "جهل الناس" وحده يفوّت جانبها الإنساني، لقد كانت أيضاً وسائل للتعامل مع الحزن، وإعطاء المصيبة سبباً، واستعادة شيء من الإحساس بالقدرة على حماية الطفل التالي.

غير أن هذا الإحساس قد يحمل ثمناً قاسياً، فحين يُنسب الفقد إلى كائن يرسله إنسان، قد تصبح الجارة متهمة، وحين يُفسر مرض الصغير بأنه دليل على طبيعة غير بشرية، قد يتحول المحتاج إلى الرعاية إلى موضع نبذ، وحين يُجعل الإجهاض علامة على استهداف غيبي، قد تُضاف إلى حزن الأم مشاعر خوف وذنب لا تستحقها.

ولهذا يستحق الفرق بين صور الأذى أن يبقى واضحاً: لاماشتو تجوب العالم وفق حكايتها، ولانغسوير تنشأ من مأساة، وباجانغ قد يُنسب إلى شخص يملكه،  وجود السحر في بعض الروايات لا يجعل جميع الكائنات أرواحاً مستدعاة، كما أن وجود تميمة ضد كائن لا يثبت أنه قابل للتسخير أو أن وسائل الحماية المنسوبة إليه فعالة.

عبر هذه الثقافات، منحت المخيلة الخوف أسماء وملامح وأجنحة ومخالب، أما ما وراء تلك الصور، فكان في كثير من الأحيان بيتاً فقد طفلاً، وأماً تخشى تكرار الفقد، وأناساً يحاولون فهم ما لا يستطيعون احتماله.

وحين ننظر اليوم إلى رسم أمّ الصبيان في مخطوط، أو إلى تميمة عُلقت قرب مهد، فإننا نرى أثراً لمحاولة بشرية قديمة لحراسة الحياة ، وربما يكون السؤال الأعمق الذي تتركه هذه الحكايات: كم طفلاً حمل مرضه اسم وحش، قبل أن يصبح لذلك المرض اسم نستطيع فهمه وعلاجه ؟