في أواخر القرن التاسع عشر، وقبل أن يولد أنطون لافي Anton LaVey مؤسس كنيسة الشيطان بسنوات طويلة، كان كاتب بولندي يعيش بين برلين وكراكوف يعلن عن نفسه بأنه "شيطاني" Satanist ، ويكتب عن السحر والشهوة والتمرد والقوى المظلمة في النفس.
اسمه ستانيسواف بجيبشيفسكي Stanisław Przybyszewski وفي عام 1897 أصدر كتاباً بعنوان يصعب تجاهله:
كنيس الشيطان Die Synagoge des Satan .
لم يكن الكتاب مجرد استعراض أدبي للشيطان، بل محاولة لإعادة تفسيره بوصفه رمزاً للغريزة والحرية والتطور والتمرد على الأخلاق التقليدية، ولهذا يرى الباحث بير فاكسنلد Per Faxneld المتخصص في تاريخ الشيطانية أن بجيبشيفسكي ربما كان من أقدم من عرّفوا أنفسهم علناً بأنهم شيطانيون وطوّروا حول ذلك منظومة فكرية متماسكة ، فمن كان هذا الرجل الذي سبق ظهور الشيطانية المنظمة بقرابة سبعين عاماً ؟
من الطب إلى عالم الغريزة
ولد بجيبشيفسكي سنة 1868 في الأراضي البولندية الخاضعة آنذاك لبروسيا وانتقل إلى برلين حيث درس العمارة ثم الطب، لكنه سرعان ما انجرف نحو الأدب والفلسفة والفن.
تأثر بنيتشه وشوبنهاور والداروينية والتيارات الفوضوية والانحطاطية، وعاش في أجواء بوهيمية صاخبة ارتبطت بالشراب والعلاقات العاطفية المضطربة والجدل الثقافي.
لكن خلف هذه الصورة الاستفزازية كانت هناك فكرة واحدة تهيمن على عالمه :
الإنسان لا تحكمه الأخلاق والعقل بقدر ما تحركه قوى أقدم وأعمق منه.
الغريزة، والشهوة، والخوف، والرغبة في السيطرة أو الاتحاد بالآخر، كلها كانت بالنسبة إليه مفاتيح لفهم النفس البشرية.
ومن هنا بدأ انتقاله من الأدب إلى ما يشبه الميتافيزيقا.
حين تصبح الشهوة قوة خفية
لا يمكن فهم بجيبشيفسكي من دون التوقف عند موقع الجنس في فكره، الإيروتيكية عنده لم تكن مجرد وسيلة لإثارة القارئ، بل قوة أساسية تحرك الإنسان من الداخل وقد تأثر بـ شوبنهاور في النظر إلى الدافع الجنسي بوصفه قوة أعمق من الإرادة الواعية.
في أعماله تتكرر صورة الحب باعتباره تجربة تجمع بين النشوة والألم، والرغبة والتدمير، والاتحاد والفقد.
وتظهر هذه الرؤية في نصوص مثل "من الأعماق" De Profundis و "الخنثى" Androgyne وثلاثية "الإنسان العاقل" Homo Sapiens، حيث يتحول الحب إلى صراع بين أفراد تبتلعهم رغباتهم أكثر مما يسيطرون عليها.
وكان بجيبشيفسكي يتحدث أيضاً عن مفهوم الروح العارية Nagła dusza أي محاولة الوصول إلى الإنسان بعد إزالة أقنعة المجتمع والأخلاق والعقلانية.
هناك، في هذه الطبقة العارية من النفس، لا يبقى سوى الدوافع البدائية: الخوف، الرغبة، الغيرة، الشهوة، والموت.
ولهذا لم يكن غريباً أن يلتقي الجنس بالشيطان في عالمه الفكري.
لماذا الشيطان ؟
لم يكن شيطان بجيبشيفسكي مجرد الكائن الشرير في العقيدة المسيحية، لقد أخذ الرمز الديني وقلب معناه، ما تصفه الأخلاق التقليدية بأنه خطيئة أو انحراف أو شهوة قد يكون، في منظومته يكون جزءاً طبيعياً من الإنسان تحاول الحضارة قمعه.
وهكذا أصبح "الشيطان" Satan رمزاً للقوى التي لا تخضع بسهولة للنظام: الغريزة، والفردية، والتغير، والتمرد.
ويشير فاكسنلد إلى أن بجيبشيفسكي ربط الشيطان بفكرة التطور أيضاً، ضمن خليط فكري تأثر بالداروينية الاجتماعية والتشاؤم والفوضوية والاحتفاء بالغريزة الجنسية.
كان هذا قريباً من طريقة أدباء الانحطاط Decadence في نهاية القرن التاسع عشر: أخذ الكلمات التي يستخدمها المجتمع للإدانة ثم قلب معناها.
فالشر قد يصبح قوة ، والانحطاط تحرراً، والساحرة امرأة متمردة ، والشيطان رمزاً لمن يرفض الخضوع.
كنيس الشيطان
في عام 1897 نشر بجيبشيفسكي كتابه الأشهر في هذا المجال: "كنيس الشيطان: نشأته وتنظيمه وأهميته الراهنة" Die Synagoge des Satan: Ihre Entstehung, Einrichtung und jetzige Bedeutung
ظهر النص أولاً على جزأين في مجلة Die Kritik ثم صدر في كتاب مستقل ، يتناول الكتاب الساحرات والسابات الشيطاني والسحر الأسود والطقوس المنسوبة لـ عبادة الشيطان، لكنه لا ينبغي أن يقرأ اليوم بوصفه دراسة تاريخية دقيقة.
قيمته الأساسية في الفلسفة التي يبنيها حول الشيطان، فهو يضع أمام القارئ صراعاً بين قوتين:
قوة النظام والقانون والثبات، وقوة التغير والغريزة والتمرد ، وفي هذه الثنائية يقف الشيطان مع القوة الثانية.
وهنا يتحول من شخصية دينية إلى مفهوم فلسفي ،ولهذا يحتل بجيبشيفسكي موقعاً مهماً في تاريخ الشيطانية الحديثة؛ فقد تجاوز الاستخدام الرومانسي للشيطان كشخصية أدبية، واقترب من تحويله إلى مركز لهوية فكرية معلنة.
حلقة برلين
خلال إقامته في برلين انضم بجيبشيفسكي إلى الحلقة البوهيمية التي كانت تجتمع في حانة "الخنزير الأسود الصغير" Zum schwarzen Ferkel ، هناك التقى كتّاباً وفنانين مثل أوغست ستريندبرغ وإدفارد مونك وداغني يول.
كان معروفاً بعزفه الحماسي لـ شوبان، وبأفكاره عن الفن والجنس والشيطان، كما أصبح من أوائل المدافعين عن فن مونك، لكن أهمية هذه المرحلة لا تكمن في علاقته بمونك بقدر ما تكشف البيئة الفكرية التي تشكل فيها:
عالم تختلط فيه الحداثة بالأوكولتية، وعلم النفس بالفن، والجنس بالفلسفة، والبحث عن الحرية بالرغبة في تحطيم أخلاق المجتمع.
المرأة والساحرة والشهوة
تحتل المرأة موقعاً شديد التعقيد في كتابات بجيبشيفسكي، فهي تظهر أحياناً كامرأة مغوية، مدمرة، تستنزف الرجل وتدفعه إلى الهوس وفي هذا الجانب يمكن رؤية أثر المخاوف الذكورية الشائعة في أدب نهاية القرن التاسع عشر تجاه المرأة المتحررة جنسياً.
لكن داخل منظومته تصبح الصورة أكثر التباساً، إذا كان التمرد والغريزة و"الشر" نفسه يمكن أن تحمل معنى إيجابياً، فإن الساحرة أو المرأة المتمردة لا تكون مجرد رمز للفساد، بل تمثل أيضاً قوة عصية على الخضوع.
ولهذا تتكرر في عالمه ثلاثية واحدة: المرأة، والجنس، والشيطان.
ثلاث صور لقوة تحاول الحضارة ضبطها ولا تنجح دائماً، ولم تكن حياته الشخصية بعيدة عن ذلك العالم؛ فقد عرف علاقات عاطفية عديدة ومضطربة.لم تكن هذه الإيروتيكية محصورة في كتبه، فقد كانت حياة بجيبشيفسكي العاطفية شديدة الفوضى والتداخل، ارتبط منذ عام 1891 بـ مارتا فوردر Marta Foerder وأنجب منها ثلاثة أطفال، لكنه تزوج في الوقت نفسه تقريباً من النرويجية داغني يول Dagny Juel عام 1893.
وانتهت علاقة مارتا نهاية مأساوية، ففي 9 يونيو 1896 توفيت وهي حامل للمرة الرابعة؛ وتذكر السير البولندية المعتمدة أنها انتحرت بعد أن هجرها بجيبشيفسكي وتركها دون دعم مادي كافٍ، وأثارت وفاتها شبهات حوله إلى درجة أنه احتجز في برلين نحو أسبوعين للتحقيق، قبل أن يطلق سراحه، ومع ذلك ظهرت لاحقاً فرضية بحثية مخالفة ترى أن الوفاة ربما نتجت عن عدوى أعقبت محاولة إجهاض سري، ولذلك تبقى بعض تفاصيل موتها موضع نقاش تاريخي.
ولم تكن تلك آخر المآسي المرتبطة بحياته العاطفية؛ فقد انتهت حياة زوجته داغني يول هي الأخرى عام 1901 عندما قتلها بالرصاص رجل كان على علاقة بها ثم انتحر، وهكذا ساهمت العلاقات المتشابكة والموت والفضائح المحيطة به في تكوين صورة "الكاتب الملعون" حتى بدا أحياناً وكأن حياته الشخصية امتداد لعالمه الأدبي المليء بالشهوة والهوس والتدمير.
هل كان ساحراً ؟
هنا يجب الفصل بين بجيبشيفسكي التاريخي والأسطورة التي أحاطت به، اهتمامه بالسحر والأوكولتية والشيطانية موثق بلا شك ، لكنه لم يكن، بحسب ما نعرف، زعيماً لجماعة سحرية منظمة، ولا توجد أدلة قوية تثبت أنه كان يمارس طقوس استحضار أو شعائر سرية على غرار الصورة التي ارتبطت لاحقاً بـ أليستر كراولي وغيره.
غرابته لم تكن بحاجة إلى تلك الإضافات، لقد كان كاتباً جعل من الشيطان فلسفة، ومن الشهوة ميتافيزيقا، ومن الغريزة مفتاحاً لفهم الإنسان.
هل كان شيطانياً حقاً ؟
يمكن القول إن جزءاً من شخصية بجيبشيفسكي كان بلا شك استعراضياً؛ فقد عاش في زمن كان فيه التمرد والصدمة جزءاً من خطاب الأدب الانحطاطي.
لكن من الصعب اعتبار اهتمامه بالشيطان مجرد قناع أدبي عابر، فقد عاد إلى الفكرة في أكثر من عمل، ومنها "أبناء الشيطان" Satans Kinder، و"كنيس الشيطان إلى جانب نصوص أخرى تكررت فيها أفكار الشهوة والتمرد والغريزة.
ولهذا يرى بعض الباحثين أن فكره كان متماسكاً بما يكفي لاعتباره شكلاً مبكراً من "الشيطانية الحديثة" وليس مجرد استعارة أدبية، لكن شيطانيته كانت ابنة زمنها: زمن نهاية القرن التاسع عشر، حيث كانت أفكار نيتشه وداروين وشوبنهاور والأوكولتية والتحرر الجنسي والفن الحديث تتصارع كلها في فضاء واحد.
قبل أنطون لافي
صدر كنيس الشيطان سنة 1897، بينما أسس أنطون لافي كنيسة الشيطان Church of Satan سنة 1966، الفارق يقارب سبعين عاماً ، ولا يعني ذلك أن بجيبشيفسكي كان "لافي الأول" ولا أن هناك خط تأثير مباشر مثبتاً بين الرجلين، كما أن شيطانيتهما لم تكن متطابقة.
لكن الأهمية التاريخية واضحة: بجيبشيفسكي ظهر في مرحلة مبكرة جداً من انتقال الشيطان من رمز أدبي إلى هوية فكرية يتبناها صاحبها علناً.
ولهذا تضع دراسات تاريخ الشيطانية الحديثة اسمه ضمن الجذور التي سبقت التيارات المنظمة في القرن العشرين.
الشيطان داخل الإنسان
مات ستانيسواف بجيبشيفسكي سنة 1927 وتراجع اسمه لاحقاً خارج بولندا ودوائر الأدب الأوروبي، بينما أصبحت شخصيات ظهرت بعده مثل أليستر كراولي وأنطون لافي أكثر حضوراً في الثقافة الشعبية ، لكن إعادة دراسة تاريخ الشيطانية الحديثة أعادت إليه بعضاً من أهميته، فالرجل الذي نشر "كنيس الشيطان" قبل نحو سبعة عقود من ظهور كنيسة الشيطان لم يكن يبحث فقط عن كائن مظلم خارج الإنسان ، كان يبحث عن شيء أقرب ، عن الرغبة التي نخفيها ، والغريزة التي نحاول إخضاعها ، والتمرد الذي تخشاه المجتمعات.
وعن ذلك الجانب الذي يسهل أن نسميه "شراً" بدلاً من أن نعترف بأنه جزء من الطبيعة البشرية، ولهذا ربما كان أكثر ما يميز بجيبشيفسكي أنه لم يبحث عن الشيطان في عالم خفي بقدر ما حاول أن يجده في أعماق الإنسان نفسه.