على طريق ريفي تحيط به الغابات خارج بلدة صغيرة في ولاية ماريلاند الأمريكية، يتوقف بعض السائقين في موضع يبدو بوضوح أنه أسفل منحدر، يضعون السيارة على الوضع المحايد ويرفعون أقدامهم عن المكابح.

ثم تبدأ السيارة بالحركة ، لكن ليس إلى أسفل التل كما تقتضي الجاذبية، بل في الاتجاه الذي يبدو للعين أنه صعوداً إلى أعلى.

هذه البقعة المعروفة باسم "تل الأشباح" Spook Hill أصبحت طوال عقود مسرحاً لإحدى أشهر حكايات الطرق الغامضة في المنطقة ، ووفق الأسطورة المحلية، فإن السيارات لا تتحرك وحدها؛ بل تدفعها أيدي جنود ماتوا خلال الحرب الأهلية الأمريكية وما زالوا يؤدون المهمة التي كانوا يقومون بها أثناء حياتهم.

أما عندما نبتعد قليلاً عن الأسطورة، فسنجد أن المكان يخفي قصة أكثر إثارة: تاريخ حقيقي من الحرب والموت، وظاهرة بصرية معروفة علمياً، وشهادات متشابهة تتحدث عن ضباب مفاجئ وتشويش في أجهزة الراديو وأصوات تخرج من الغابة.

بلدة اشتهرت لاحقاً بساحرة خيالية

يقع التل بالقرب من بلدة بركيتسفيل Burkittsville في مقاطعة فريدريك Frederick بولاية ماريلاند الأمريكية  وهي بلدة صغيرة لم يكن اسمها معروفاً خارج المنطقة حتى نهاية القرن العشرين.

ثم جاء عام 1999، عندما تحول اسم البلدة  إلى جزء من تاريخ سينما الرعب بعد عرض فيلم The Blair Witch Project.

قدّم الفيلم البلدة باعتبارها أرضاً لأسطورة ساحرة غامضة واختفاءات مرعبة، لكن "ساحرة بلير" نفسها اختراع سينمائي، ولم تكن جزءاً من تاريخ المكان قبل الفيلم.

المفارقة أن صانعي الفيلم اختاروا منطقة كانت تمتلك بالفعل تراثاً محلياً من قصص الأشباح، يعود بعضه إلى أحداث وقعت قبل ذلك بأكثر من قرن.

حرب تركت ظلالها فوق المنطقة

في 14 سبتمبر 1862 شهدت المرتفعات المحيطة ببلدة بركيتسفيل   معركة Crampton's Gap إحدى مواجهات حملة ماريلاند خلال الحرب الأهلية الأمريكية.

اندفعت قوات الاتحاد نحو الممر الجبلي الذي كانت تدافع عنه القوات الكونفدرالية، وسقط قتلى وجرحى من الطرفين، وبعد المعارك التي شهدتها المنطقة، تحولت الكنائس والمنازل والحظائر إلى أماكن مؤقتة لاستقبال الجرحى.

ومع مرور العقود، دخل هذا التاريخ الدموي في الفلكلور المحلي ، فبدأت تنتشر حكايات عن جنود لا تزال أرواحهم تتجول في الغابات، وعن أصوات تسمع قرب ساحات القتال القديمة، حتى ظهرت رواية تل الأشباح Spook Hill الأكثر شهرة.

وتقول الأسطورة إن الجنود الذين ماتوا في المنطقة اعتادوا أثناء الحرب دفع المدافع والعربات الثقيلة فوق المرتفعات ولم تدرك أرواح بعضهم، وفق الحكاية الشعبية، أن الحرب انتهت أصلاً.

وحين تتوقف سيارة في الطريق، تعود تلك الأرواح لممارسة العمل القديم فتدفعها إلى أعلى التل.

تجربة أصبحت طقساً محلياً

لا يحتاج الزائر إلى معدات خاصة لكي يختبر Spook Hill فقد أصبحت التجربة نفسها جزءاً من شهرة المكان.

يتوقف السائق عند نقطة معينة من طريق غابلاند Gapland Road، يضع ناقل الحركة على الوضع المحايد، ثم ينتظر.

في روايات كثيرة يبدأ الهيكل بالتحرك ببطء، ثم تتقدم السيارة في اتجاه يبدو صاعداً.

وهناك من يذهب أبعد من ذلك، فيرش مسحوقاً خفيفاً على مؤخرة السيارة قبل التجربة، ثم يبحث بعد انتهائها عن آثار تشبه بصمات الأيدي، في محاولة لإثبات أن "الجنود" هم الذين دفعوها.

لكن الجزء الأكثر غرابة في حكايات Spook Hill لا يتعلق دائماً بحركة السيارات فالشهادات التي ظهرت على مر السنين تتشابه بصورة لافتة في عناصر أخرى أيضاً.

عندما تحول الراديو إلى تشويش

إحدى أكثر الروايات تداولاً ترجع إلى صيف عام 1987 ، عندما زار مجموعة من الشبان المنطقة ليلاً من أجل تجربة "التل" وبعد أن تحركت السيارة كما توقعوا، توقفوا لبعض الوقت بالقرب من الطريق.

كان الراديو يعمل داخل المركبة عندما بدأ الصوت يفقد وضوحه ، تحولت الموسيقى تدريجياً إلى تشويش ، ثم، بحسب الشهادة المنشورة لاحقاً، بدأ هيكل السيارة يهتز بطريقة مفاجئة، كما لو أن قوة خارجية كانت تدفعه أو تضربه ، ومع تصاعد التوتر شُغلت المصابيح الأمامية، ليظهر شيء آخر: ضباب كثيف قادم من جهة الغابة ، في الوقت نفسه بدأت الأضواء تخفت وتعود، بينما ازداد تشويش الراديو ، لم ينتظر ركاب السيارة لمعرفة ما سيحدث بعد ذلك، بل انطلقوا مبتعدين عن المكان.

وتوجد نسخ مختلفة من هذه القصة؛ ففي إحدى الصياغات يسمى صاحب التجربة جوزيف، بينما ظهرت شهادة منشورة باسم شخص يدعى دال Dale تصف حادثة تكاد تكون مطابقة، بل تذكر أن أغنية Animal لفرقة Def Leppard كانت تعمل قبل أن يتحول الراديو إلى التشويش ، وهذا التشابه يرجح أننا أمام رواية واحدة أعيد نقلها وصياغتها مراراً أكثر من كوننا أمام عدة حوادث مستقلة.

سيارات تتحرك… وأجهزة تتصرف بغرابة

الروايات اللاحقة اتبعت النمط نفسه ، في أوائل التسعينيات مثلاً، تحدثت قصة متداولة عن مجموعة من الأصدقاء توقفت بسيارتها عند النقطة الشهيرة، وضع السائق المركبة على الوضع المحايد وأظهر للركاب أن قدمه بعيدة عن دواسة الوقود، ثم بدأت السيارة تتحرك باتجاه أعلى التل ، وتوجد قصة أخرى عن عائلة كانت تسافر في منزل متنقل وحاولت إعادة التجربة.

هذه المرة لم تتحرك المركبة ، لكن بينما كانوا ينتظرون، قيل إن جهاز الملاحة GPS بدأ يتحدث فجأة بصوت غير مألوف، وبلغة لم يتمكن أفراد العائلة من التعرف إليه، وبعد مغادرة المنطقة عاد الجهاز إلى طبيعته.

لا توجد أدلة مستقلة تسمح بإثبات مثل هذه الرواية، لكنها أصبحت جزءاً من مجموعة القصص المرتبطة بالمكان.

وبمرور الوقت ظهرت أيضاً حكايات عن أجهزة راديو لا تلتقط سوى التشويش على أجزاء من طريق غابلاند وعن ضحكات أو أصوات بشرية تأتي من بين الأشجار رغم عدم وجود أحد ظاهر في الغابة.

واللافت هنا أن التفاصيل تتكرر: السيارة، التشويش، الغابة، الضباب، ثم الشعور بأن شيئاً مجهولاً يوجد بالقرب من الطريق.

وهكذا تحولت تجربة فيزيائية بسيطة إلى قصة أشباح مكتملة العناصر.

ولكن هل تتحرك السيارات فعلاً إلى أعلى ؟

عند هذه النقطة يظهر تفسير مختلف تماماً ، ينتمي هذا التل ينتمي إلى ظاهرة منتشرة في أنحاء العالم تسمى "تل الجاذبية" Gravity Hill ، في مثل هذه المواقع يبدو الطريق للعين وكأنه يصعد، بينما هو في الحقيقة ينحدر بدرجة طفيفة في الاتجاه نفسه ، والسبب أن الإنسان لا يحدد اتجاه الأعلى والأسفل اعتماداً على الطريق وحده، بل يقارنه بالأفق والأشجار والتلال المحيطة.

إذا كانت البيئة نفسها مائلة، أو إذا حُجب خط الأفق الحقيقي، يستطيع الدماغ أن يبني مرجعاً بصرياً خاطئاً فيصبح المنحدر نزولاً وكأنه صعود ، وعند وضع السيارة على الوضع المحايد فإنها لا تتحدى الجاذبية مطلقاً، بل تتحرك بفعلها بصورة طبيعية إلى أسفل الانحدار الحقيقي.

المفارقة أن السائق، بسبب المشهد المحيط، يرى الحركة وكأنها تحدث في الاتجاه المستحيل ، وهذا يفسر أيضاً لماذا تكون التجربة أكثر إقناعاً لمن يجلس داخل السيارة مقارنة بمن يقيس ارتفاع الطريق بأجهزة دقيقة.

لماذا لا تتحرك كل سيارة ؟

من الاعتراضات التي يطرحها المؤمنون بالتفسير الخارق أن الظاهرة لا تنجح دائماً ، بعض السيارات تتحرك بسرعة ملحوظة، بينما تبقى أخرى في مكانها ، لكن ذلك لا يمثل مشكلة حقيقية للتفسير الفيزيائي.

فالميل في هذه الطرق غالباً صغير جداً، وقد يختلف خلال بضعة أمتار فقط، كما تلعب حالة سطح الطريق، وضغط الإطارات، ووزن السيارة، والاحتكاك، ومكان توقف المركبة بالتحديد دوراً في تحديد ما إذا كانت ستبدأ في التحرك أم لا ، ومن الممكن بالتالي أن تتوقف مركبة في نقطة شبه مستوية فلا تتحرك، بينما تتوقف أخرى على بعد أمتار قليلة فتبدأ بالانحدار.

ماذا عن الضباب والأصوات والتشويش ؟

هنا يصبح التحقيق أقل بساطة ، يمكن تفسير حركة السيارات بواسطة ظاهرة  تل الجاذبية لكن ذلك لا يثبت أو ينفي القصص الأخرى ، فالضباب ليس غريباً في منطقة ريفية جبلية تحيط بها الغابات، خصوصاً عندما تتغير درجة الحرارة والرطوبة ليلاً.

أما تشويش الراديو فقد ينتج عن ضعف الإشارة أو التضاريس أو عوامل تقنية مختلفة ، حتى أجهزة تحديد المواقع  GPS يمكن أن تتعرض لأخطاء في البرمجيات أو فقدان الإشارة أو تغيرات غير متوقعة في إعدادات اللغة والصوت.

ويبقى سماع الضحكات أو الأصوات القادمة من الغابة أكثر اعتماداً على الشهادة الشخصية؛ فالطبيعة الليلية مليئة بأصوات الحيوانات وارتدادات الصوت التي يمكن، في ظروف معينة، أن تبدو بشرية بصورة مقلقة.

المشكلة أن أغلب روايات "تل الأشباح" لم تسجل تحت ظروف يمكن مراقبتها أو إعادة اختبارها، ولذلك يصعب الانتقال بها من مستوى الحكاية والشهادة إلى مستوى الدليل.

هل صنعت الظاهرة الأشباح أم صنعت الأشباح الظاهرة ؟

ربما يكون السؤال الأكثر إثارة في التل ، ليس: "من يدفع السيارات ؟" ،فحركة المركبات نفسها لها تفسير قوي ومألوف ، السؤال الأهم هو كيف تحولت خدعة في الإدراك البصري إلى واحدة من أشهر أساطير الأشباح المحلية.

من السهل تخيل الآلية ، لدينا طريق يبدو أن قوانين الطبيعة تتعطل فوقه، وبجواره غابات وساحة معركة حقيقية مات فيها جنود قبل أكثر من قرن ونصف.

وبمجرد ربط الأمرين ببعضهما يصبح ظهور القصة شبه حتمي:

إذا كانت السيارة تتحرك ولا نعرف لماذا، وإذا كان جنود قد ماتوا هنا، فلا بد أن الجنود هم الذين يدفعونها.

ثم تبدأ كل تجربة جديدة وهي محملة مسبقاً بهذه التوقعات.

السائق لا يصل إلى طريق غابلاند منتظراً مجرد منحدر بصري؛ بل يصل وهو يعرف أنه يقف فوق "تل الأشباح".

فيصغي بعناية أكبر إلى الراديو، ويراقب الغابة، ويلاحظ تغير الضباب، وينتظر أن تهتز السيارة ، وهكذا يغذي المكان الأسطورة، والأسطورة بدورها تغير الطريقة التي يُختبر بها المكان.