قد يبدو الحديث مع "أرواح الموتى" في التصور الشعبي موهبة استثنائية: شخص يسمع ما لا نسمعه، أو يرى من غادروا عالمنا، أو يصبح جسراً تعبر فوقه رسائل بين عالمين،  لكن ماذا لو لم يكن ذلك الجسر طريقاً باتجاه واحد ؟ ماذا لو حمل الوسيط معه، بعد كل اتصال، شيئاً من الخوف والحزن والموت الذي عبر من خلاله ؟

في سؤال جرى نشره على موقع Quora بعنوان : "هل سبق لأحد أن تحدّث إليه شبح ؟"  كتب بيلي ولترز Billy Walters الذي عرّف نفسه بأنه موظف سابق في Amazon، إجابة بدأت بتحذير قاتم:

" كن حذراً عندما تمد يدك إلى الموتى، لأن ما يجيبك قد يطالبك بثمن."

ثم روى قصة امرأة قال إنه عرفها شخصياً، امرأة لم تكن وساطتها الروحية ـ بحسب وصفه ـ شبيهة بما يظهر في البرامج التلفزيونية، ولم تكن تستخدم أوراق التاروت أو تلتقط همسات غامضة في غرفة مظلمة، كان ما يحدث لها أكثر عنفاً بكثير.

المرأة التي كانت تدخل ذكريات الموتى

بحسب ولترز، امتلكت المرأة قدرة نادرة ومخيفة: كانت تعتقد أنها تستطيع التواصل تحديداً مع أرواح أشخاص أنهوا حياتهم بأنفسهم وعندما يبدأ الاتصال لم تكن تجلس بهدوء وتنقل رسالة.، كان جسدها نفسه يتغير.

تنزلق مقلتا عينيها إلى الخلف، ثم تنهار وتسقط فاقدة الوعي لعدة دقائق.

لكن تلك الدقائق لم تكن، وفق ما كانت تقوله، فراغاً.

أثناء حالة الغشية وفقدان الوعي كانت تشعر وكأنها مسحوبة إلى داخل ذاكرة الشخص الميت، لم تكن تسمع منه وصفاً لما حدث، وإنما تعيش تجربته من الداخل.

ترى من خلال عينيه، تشعر بعزلته، تختبر ألمه الجسدي، وتعيش ذلك الشعور الخانق من اليأس الذي سبق الأيام الأخيرة من حياته.

لم تكن، إذا صدق وصفها، شاهدة على ذكريات شخص آخر، بل كانت تعيشها وكأنها تخصها هي ثم تفتح عينيها وتعود، لكن شيئاً من التجربة يبقى معها.

عندما بدأت الذكريات تختلط

مع تكرار تلك الحالات، يقول ولترز أن المشكلة لم تعد مقتصرة على اللحظات التي تفقد فيها الوعي، إذ بدأ أثر التجارب يتسلل إلى حياتها اليومية، لم تعد قادرة بسهولة على تحديد أين تنتهي مشاعرها وتبدأ مشاعر الأشخاص الذين اعتقدت أنها اتصلت بهم. الحزن واليأس والخوف الذي عاشته أثناء الغشية لم يختفِ دائماً عندما تستعيد وعيها.

ويصف ولترز الأمر بصورة قاسية: العقل البشري لم يُخلق ليستوعب هذا القدر من "المآسي المستعارة"، ومع تراكم ما وصفه بثقل نحو مئة وفاة مأساوية  بدأت حالتها النفسية تتدهور.

كانت تحمل معها، وفق الرواية، بقايا مشاعر أشخاص ماتوا منذ زمن، حتى أصبح من الصعب عليها أن تعرف إن كان الحزن الذي تشعر به يخصها هي أم شخصاً آخر عبر من خلالها، وبمرور الوقت بدأ عقلها يتصدع.

من الوساطة إلى دار الرعاية

عندما لم تعد الأسرة قادرة على التعامل مع تدهورها، أُودعت المرأة داراً للرعاية، كان يفترض أن يكون ذلك المكان أكثر هدوءاً وأماناً.

لكن ولترز ينظر إلى ما حدث بطريقة مختلفة تماماً، فدور الرعاية، كما كتب، أماكن تمتلئ أيضاً بالمرض والوحدة والفقد والناس الذين يعيشون أيامهم الأخيرة، وفي تفسيره الروحي للقصة، أصبحت المرأة بعقلها المنهك أشبه بـ"منارة" تجذب إليها كل حزن عالق في المكان.

ازدادت حالتها سوءاً ، وللسيطرة على خوفها واضطرابها، يقول إن الأطباء أبقوها تحت تأثير جرعات قوية من الأدوية، فتحولت أيامها شيئاً فشيئاً إلى حالة ضبابية بين النوم واليقظة، حتى بدأ جسدها نفسه ينهار.

لكن أغرب ما في الرواية وقع في يوم وفاتها.

المحادثة الأخيرة

كانت المرأة في غرفتها بمفردها موصولة بأجهزة المراقبة، شبه غائبة عن الوعي، وفي المراحل الأخيرة من حياتها.

عندها، وفق شهادة ولترز ، سمع الممرضون صوتها وهي تتحدث، لم يكن كلاماً غير مترابط يشبه هذيان مريض يحتضر، بحسب وصفه، بل بدت وكأنها منخرطة في محادثة واضحة وحيوية.

ويقول إن الممرضين وصفوا ما سمعوه وكأن الحوار يتضمن أكثر من صوت مميز.

دخلت إحدى الممرضات الغرفة، لم يكن هناك أحد، كانت الغرفة فارغة وساكنة وباردة، أما المرأة فكانت مستلقية في سريرها، تنظر نحو الزوايا المظلمة في سقف الغرفة ،وكانت تبتسم.

تتوقف كما لو أنها تستمع إلى سؤال، ثم تجيب عنه، ثم تنتظر مجدداً، كانت، كما بدا لمن شاهدها، تتحادث مع أشخاص لا يستطيع الآخرون رؤيتهم.

وبعد سنوات أمضتها ـ وفق الرواية ـ في استقبال موتى غرباء، بدت اللحظات الأخيرة من حياتها وكأنها انتهت بالطريقة نفسها التي عاشتها: محاطة بأصوات قادمة من مكان لا يراه أحد.

لكن من كانوا ؟ وهل كانوا هناك أصلاً ؟

عندما يتحول "الاتصال" إلى عبء

سواء جرى تفسير مثل هذه التجارب على أنها اتصال بأرواح الموتى، أو نشاط للجن، أو حالات نفسية وانفصالية، فإن رواية ولترز تطرح سؤالاً يتكرر كثيراً في أدبيات الوساطة الروحية:

ماذا يحدث للإنسان عندما تصبح الحدود بين تجربته وتجارب الشخصيات التي يعتقد أنها تتواصل معه غير واضحة ؟

فالوساطة الروحية لا توصف دائماً بأنها استقبال معلومات فقط. بعض الوسطاء يتحدثون عن صور ذهنية أو مشاعر أو أصوات أو تبدل في الوعي، بينما تصف بعض التقاليد حالات يدخل فيها الوسيط في غشية Trance ويشعر أن شخصية أخرى تتحدث أو تتصرف من خلاله.

من الناحية النفسية، يمكن أن تتقاطع بعض هذه الظواهر مع مفهوم الانفصال النفسي Dissociation وهو طيف واسع يبدأ بتجارب غير مرضية مألوفة نسبياً، ويمكن في حالات أخرى أن يصل إلى تغيرات شديدة في الوعي أو الإحساس بالهوية والسيطرة.في دراسة نشرها عام 2018 الباحثان هيلاني واهبه Helané Wahbeh ودين رادين Dean Radin من معهد العلوم النويتية Institute of Noetic Sciences (IONS) في كاليفورنيا، تم تحليل بيانات مسح إلكتروني شمل 3,023 شخصاً من عدة دول، كان معظمهم من الولايات المتحدة، وقارن الباحثان بين من أفادوا بخبرات في الوساطة الروحانية ومن لم يختبروها ، حيث سجل الوسطاء الروحانيون درجات انفصال نفسي أعلى من غيرهم (18.2 مقابل 11.8) لكن متوسط المجموعتين ظل دون عتبة 30 التي يستخدمها المقياس كمؤشر على الانفصال المرضي، كما شدد الباحثان على أن الإبلاغ عن التواصل مع الموتى لا يعني في ذاته وجود اضطراب نفسي.

ودراسات أخرى على وسطاء روحانيين وجدت لدى بعض العينات تكيفاً اجتماعياً جيداً ومعدلات منخفضة نسبياً من الاضطرابات النفسية مقارنة بمرضى الاضطرابات الانفصالية.

إذن المشكلة ليست في مجرد الخبرة الغريبة، وإنما عندما تصبح قسرية وغير مرغوبة وتسبب معاناة أو تعطل حياة الإنسان.

وهذا قريب من الطريقة التي يتعامل بها التصنيف الدولي للأمراض ICD-11 مع ما يسمى اضطراب غشية التلبس Possession Trance Disorder حيث يحدث تغير واضح في الوعي والإحساس بالهوية ويشعر الشخص بأن سلوكه خاضع لكيان خارجي، بشرط أن تكون الحالة غير إرادية وتسبب ضيقاً أو خللاً وظيفياً واضحاً.

ولا يعني ذلك أن حالة المرأة التي وصفها ولترز يمكن تشخيصها بهذا الاضطراب؛ فليس لدينا ملف طبي أو تقييم سريري، لكنه يوضح أن الغشية وفقدان السيطرة والإحساس بحضور شخصية أخرى ليست مفاهيم غريبة تماماً عن الدراسات النفسية الحديثة.

ذكريات الآخرين أم مشاعر تنشأ داخل الذات ؟

الجزء الأكثر قسوة في القصة هو ادعاء المرأة أنها لم تكن تستقبل معلومات فقط، وإنما تعيش موت الآخرين من الداخل.

نفسيّاً، يمكن لمثل هذه التجربة ـ إذا كانت شديدة ومتكررة ـ أن تجعل الفصل بين الذات والصور والمشاعر الداخلية أكثر صعوبة، خصوصاً عندما يعتقد الشخص اعتقاداً راسخاً أن ما يشعر به لا يعود إليه.

لكن العلم لا يملك طريقة تثبت أن تلك الذكريات تعود بالفعل إلى أشخاص متوفين، ولا يمكن، من رواية كهذه، معرفة ما إذا كانت المرأة تعيش خبرة انفصالية، أو صوراً ذهنية شديدة الواقعية، أو حالة عصبية ما، أو تجربة روحية كما فسرتها هي ومن حولها.

حتى العلامة اللافتة في القصة، انقلاب مقلتي العينين إلى الخلف ثم السقوط وفقدان الوعي لدقائق، لا تكفي وحدها لإثبات طبيعة التجربة، لأن العلامات الجسدية المصاحبة للغشية قد تظهر في حالات متعددة تتطلب تقييماً طبياً وعصبياً ونفسياً قبل تفسيرها.

هل رؤية الموتى ظاهرة نادرة أصلاً ؟

الإحساس بالموتى أو رؤيتهم أو سماعهم ليس نادراً بالدرجة التي قد نتخيلها، فقد سجلت أبحاث الحداد أشخاصاً يسمعون صوت قريب متوفى أو يشعرون بوجوده، من دون أن يعني ذلك تلقائياً وجود اضطراب نفسي.

وهناك فرق مهم بين تجربة عابرة بعد الفقد وبين وسيط يدخل بصورة متكررة في حالات يفقد خلالها وعيه وسيطرته، فالثمن المحتمل هنا قد لا يأتي من "وجود الأشباح" نفسه، وإنما من طبيعة الخبرة عندما تصبح مقتحمة ومتكررة ولا يستطيع الشخص إيقافها.

المشهد الأخير عند فراش الموت

حديث المرأة في غرفتها قبل الوفاة لا يمثل دليلاً حاسماً على حضور أرواح، فالدراسات المتعلقة بأحلام ورؤى نهاية الحياة سجلت مرضى محتضرين رأوا أو تحدثوا مع أقارب وأصدقاء متوفين، وكانت هذه الخبرات أحياناً شديدة الواقعية ومريحة بالنسبة إليهم.

لذلك يمكن تفسير المشهد الأخير ضمن ظواهر نهاية الحياة، أو تأثير الأدوية والتدهور الجسدي، بينما يراه المؤمن بالتواصل الروحي استمراراً لخبرتها السابقة، ولا توجد معلومات تكفي لحسم الأمر.

أرواح موتى أم أرواح جن ؟

حتى إذا افترضنا وجود كيان خارجي، يبقى السؤال: كيف يستطيع الوسيط التأكد من هويته ؟

في الفكر الروحاني يفسر الوسيط عادة المعلومات والذكريات التي يقدمها الكيان على أنها دليل على هوية المتوفى.

أما في التصور الإسلامي التقليدي فهناك تفسير آخر، إذ ترفض آراء دينية فكرة استدعاء أرواح الموتى، وترى أن ما يظهر في هذه الممارسات قد يكون من الجن أو الشياطين الذين ينتحلون شخصية الميت،  وتطرح بعض الآراء تحديداً احتمال قرين الإنسان من الجن بوصفه كياناً قد يعرف معلومات عنه ويمكنه تقليده.

وهذا تفسير عقدي غيبي، وليس نتيجة أثبتها العلم، لكنه يجعل "الثمن الروحي" للتواصل أكثر تعقيداً: فقد يعتقد الوسيط أنه يخاطب ميتاً بينما ـ وفق هذا التصور ـ لا يعرف حقيقة من يقف خلف الاتصال.

التحقق من رواية ولترز

تبقى قصة ولترز شهادة شخصية غير موثقة مستقلاً، فلا يذكر اسم المرأة أو مكان الحادثة أو دار الرعاية أو أسماء الممرضين أو الأطباء، ولذلك لا يمكن التحقق من تفاصيلها أو اعتبارها واقعة مثبتة.

لكن بعض عناصرها لها نظائر معروفة: الغشية والانفصال وتبدلات الوعي ظواهر مدروسة، كما أن رؤية أو سماع الموتى تحدث أحياناً أثناء الحداد أو قرب نهاية الحياة، ما لا تثبته هذه الدراسات هو أن وعياً لشخص ميت انتقل فعلاً إلى عقل الوسيطة.

لذلك تبقى عدة احتمالات مفتوحة: تجربة نفسية أو انفصالية شديدة، ظاهرة عصبية أو ذهنية، أو خبرة روحية كما اعتقدت المرأة، أما في المنظور الديني الإسلامي، فيضاف احتمال أن تكون هوية "الميت" نفسها موضع شك.

وربما تكمن القيمة الحقيقية في رواية ولترز هنا: حتى من دون إثبات وجود الأرواح، فإن الانغماس المستمر في تجارب يعتقد الإنسان أنها تخص الموتى قد يصبح عبئاً نفسياً بالغاً، خصوصاً إذا فقد القدرة على الفصل بينها وبين حياته الخاصة.

وهكذا يتحول السؤال من:

هل يستطيع الموتى الحديث معنا ؟

إلى سؤال ربما يكون أكثر أهمية :

ماذا يمكن أن يحدث للأحياء عندما يعتقدون أنهم يسمعونهم باستمرار ؟