في النصف الأول من القرن الخامس عشر، كانت قلعة تيفوج Tiffauges في غرب فرنسا مسرحاً لليالٍ بقيت تفاصيلها حبيسة محاضر واحدة من أغرب المحاكمات في تاريخ العصور الوسطى، داخل هذه القلعة عاش جيل دو ريه Gilles de Rais أحد أثرى نبلاء فرنسا، مارشال سابق في جيش المملكة ورفيق سلاح لـ جان دارك، لكنه كان في تلك المرحلة يخسر ثروته بسرعة ويبحث عن وسيلة لاستعادتها.

وتقول وثائق محاكمته سنة 1440 إن البحث عن الذهب قاده من الخيمياء إلى منطقة أكثر ظلمة: رجال يزعمون معرفة الفنون الخفية، ومحاولات للاتصال بكيانات غير مرئية، واسم شيطاني يتكرر في الشهادات: "بارون" Barron.

في إحدى تلك الليالي، كان جيل دو ريه ينتظر داخل قلعته أن يحدث المستحيل.

فمن كان "بارون" Barron ؟ وماذا جرى بالفعل في جلسات الاستحضار ؟ وهل واجه النبيل الفرنسي شيئاً لا يمكن تفسيره، أم وقع في شبكة من الخوف والطمع والخداع ؟

من مارشال فرنسا إلى البحث عن الذهب

لم يبدأ جيل دو ريه حياته باعتباره الشخصية القاتمة التي ستصنعها عنه الكتب اللاحقة، ولد نحو سنة 1404 لعائلة إقطاعية شديدة الثراء، وورث وامتلك مساحات واسعة وقلاعاً عدة، ثم شارك في الحرب ضد الإنجليز إلى جانب قوات شارل السابع وارتبط اسمه بالحملات التي شاركت فيها جان دارك، وفي سنة 1429 حصل على رتبة مارشال فرنسا ، لكن حياته بعد الحرب اتخذت مساراً مختلفاً.

كان جيل ينفق ببذخ هائل على حاشيته ومشاريعه وعروضه الدينية والمسرحية، حتى بدأت ثروته الضخمة تتآكل، وتشير محفوظات Loire-Atlantique إلى أنه اضطر إلى بيع ممتلكات بكميات كبيرة، ثم لجأ إلى الخيمياء أملاً في الحصول على الذهب.

لم يكن البحث الخيميائي في ذلك الزمن يعني بالضرورة عبادة الشيطان، فقد اختلطت فيه التجارب المعدنية بالفلسفة والرمزية، وكان حلم تحويل المعادن الرخيصة إلى ذهب يجذب رجالاً متعلمين وأثرياء، لكن دائرة جيل لم تتوقف عند هذا الحد ، فقد احتاج إلى أشخاص يعدونه بنتائج أسرع ، وهكذا دخل حياته شاب إيطالي يدعى فرانشيسكو بريلاتي Francesco Prelati.

الرجل الذي قال إنه يعرف شيطاناً

جاء بريلاتي من إيطاليا بعد أن بحث رجال جيل عن أشخاص لديهم معرفة بالخيمياء وما كان يسمى آنذاك بالفنون السحرية، وبحسب شهاداته اللاحقة، لم يكن يقدم نفسه مجرد خيميائي؛ بل كان يدعي امتلاك صلة بكيان شيطاني يستطيع استحضاره ، اسم هذا الكيان كان "بارون"Barron.

كان المطلوب، وفق الاتهامات والشهادات التي ظهرت لاحقاً في المحاكمة، أكثر من مجرد صناعة الذهب، فقد سعى جيل إلى الحصول بواسطة القوى التي اعتقد أنها تحت تصرف بريلاتي على المعرفة والثروة والقوة، وتذكر مواد الاتهام أسماء شياطين أخرى، لكن "بارون"  سيصبح الاسم الأكثر ارتباطاً بقصته ، وهكذا أصبحت قلعة تيفوج مكاناً لمحاولات يفترض المشاركون فيها أنهم يستطيعون فتح قناة اتصال مع عالم غير مرئي.

ما الذي كان يحدث في تيفوج ؟

لا نملك تقرير شاهد محايد وقف داخل الغرفة وسجل كل ما حدث لحظة بلحظة، ما نملكه أساساً هو محاضر المحاكمة والاعترافات والشهادات التي دُوّنت سنة 1440 إضافة إلى مؤلفات تاريخية لاحقة أعادت ترتيب تلك المواد.

وبحسب مواد الاتهام، جرت محاولات الاستحضار في قاعة سفلية داخل قلعة تيفوج وفي أماكن أخرى حولها، وتشير المحاضر إلى استخدام رموز ودوائر وعطور وبخور وشموع ضمن الممارسات المنسوبة إلى المجموعة، وهي عناصر مألوفة في نصوص السحر الاستحضاري الأوروبية في أواخر العصور الوسطى، كما تذكر أسماء بارون Barron و أورينز Oriens وبعلزبوب Beelzebub وبيليال Belial ضمن الكيانات التي قيل إنهم حاولوا الاتصال بها.

لكن التفاصيل التي توسعت فيها الكتب اللاحقة ينبغي التعامل معها بحذر، فالفرق كبير بين أن تقول وثيقة اتهام إن علامات ودعوات ومواد بخورية استُخدمت، وبين إعادة بناء مشهد كامل بأصوات وظلال وظهورات خارقة لم يسجلها شاهد مستقل ، لكن أن جيل نفسه لم ينكر لاحقاً أصل القصة.

فعندما تمت مواجهة  بريلاتي به أثناء التحقيق، أقر الأخير بأنه قام بعدة محاولات لاستحضار الشياطين، وخص بالذكر بارون وقال إنها جرت بأمر جيل، أحياناً في حضوره وأحياناً في غيابه ، أما جيل فقد اعترف بحضوره شخصياً بعض هذه الجلسات.

وثيقة موجهة إلى "بارون"

لم يكن جيل، بحسب اعترافه، مجرد متفرج فضولي ، فقد تحدث عن وثيقة كتبها بيده وأرسلها إلى بارون  بواسطة بريلاتي، وقال إنه وقّعها بدمه ، وكان مضمونها، كما تنقله المصادر المستندة إلى المحاكمة، إعلاناً عن الاستعداد للخضوع للكيان وتنفيذ مطالبه مقابل أن يحصل جيل على ما يريد، مع اشتراط ألا يتعرض جسده أو روحه للخطر.

ويكشف هذا التفصيل، بغض النظر عما إذا كان بارون موجوداً خارج مخيلة المشاركين أم لا، عن شيء مهم: جيل كان يتعامل مع فكرة الاتصال بالشيطان بجدية كافية ليشارك في هذه الممارسات ويكتب مثل هذه الوثيقة.

ثم تصل الإفادات إلى أكثر أجزائها قتامة.

فقد نُسب إلى جيل وعد بتقديم يدي طفل وعينيه وقلبه إلى بارون  بينما قال بريلاتي في اعترافاته إنه شارك في تقديم مواد بشرية إلى الكيان المفترض،  وهي أقوال وردت ضمن ملف محاكمة تضمّن أصلاً اتهامات شديدة الخطورة تتعلق بقتل أطفال.

لكن من الضروري التمييز هنا بين مستويين: وجود هذه المزاعم في وثائق المحاكمة حقيقة تاريخية، أما اعتبار كل تفصيل فيها واقعة مثبتة بصورة مستقلة فهو أمر آخر، خصوصاً في قضية جرت وفق النظام القضائي للقرن الخامس عشر.

بارون الذي يظهر لبريلاتي

الغريب في الرواية أن بارون  كما وصفه بريلاتي لم يكن يتصرف بالطريقة التي ربما توقعها سيد القلعة ، فبحسب روايات مستندة إلى اعترافات المتهمين، كان بريلاتي يقول إن الكيان يتواصل معه عندما يكون وحده أو عندما يكون جيل بعيداً، وكان الشيطان المزعوم، عبر بريلاتي، يقدم تفسيرات لعدم استجابته أو يطلب شروطاً ووعوداً جديدة.

وفي إحدى الروايات المتعلقة بمحاولات الاستحضار خارج القلعة، خرج بريلاتي مع أحد رجال جيل في ليلة عاصفة لمحاولة الاتصال بـ بارون، لم يظهر كيان واضح لكن الرياح اشتدت وهطلت الأمطار، وفر الرجلان من المكان، ومن السهل تخيل كيف يمكن، في أجواء القرن الخامس عشر المشبعة بالإيمان بالشياطين والسحر، أن تتحول عاصفة ليلية إلى دليل في ذهن المشاركين على وجود قوة غير مرئية ، لكن مشكلة واحدة بقيت قائمة ، كلما كان جيل دو ريه نفسه موجوداً، بدا بارون أقل تعاوناً ، وهنا نصل إلى السؤال الذي ظل معلقاً منذ بداية القصة.

هل ظهر الشيطان أمام جيل دو ريه؟

في أثناء التحقيق جرى جمع جيل وبريلاتي وواجههما المسؤولون بما سبق أن اعترفا به ، قال بريلاتي إنه قام مراراً باستحضار الشياطين، وبارون  تحديداً، بأمر من جيل ، عندها أقر جيل بأنه شارك شخصياً في جلستين أو ثلاث جلسات وحدد قلعة تيفوج وBourgneuf-en-Rais بين الأماكن التي حدثت فيها المحاولات ، ثم أضاف العبارة التي تغير قراءة القصة كلها:

" لكنني لم أرَ أو أسمع أي شيطان قط ".

هذه العبارة منقولة في الروايات المنشورة لمحاضر القضية، إلى جانب اعترافه بالوثيقة المكتوبة بدمه والموجهة إلى بارون ، وهكذا فإن أهم شاهد على جلسات استحضار الشيطان في قلعة تيفوج هو أيضاً الشخص الذي يخبرنا بأن "الشيطان لم يظهر أمامه".

ساحر أم محتال ؟

تفتح هذه النتيجة احتمالاً أبسط بكثير من التفسير الخارق: أن يكون فرانشيسكو بريلاتي قد استغل رجلاً ثرياً يائساً من خسارة أمواله ، كان لديه كل ما يحتاج إليه المحتال المثالي: سيد شديد الثراء يؤمن بإمكان الحصول على الذهب بوسائل خفية، وكيان لا يراه أحد تقريباً سوى الوسيط نفسه، ورسائل ومطالب جديدة يمكن نسبتها إلى ذلك الكيان كلما فشلت النتائج في الظهور.

وفي الروايات المتصلة بالقضية، كان بارون يبدو أكثر استعداداً للتواصل عندما يكون بريلاتي وحده، بينما يفشل في الحضور عندما يكون جيل نفسه موجوداً، حتى بعض المؤلفات التاريخية القديمة التي لم تستبعد السحر تماماً لاحظت إمكانية أن تكون ادعاءات بريلاتي وسيلة لإخفاء احتياله عن سيده.

ولا يمكن اليوم إثبات أن بريلاتي كان محتالاً متعمداً؛ فقد يكون هو نفسه مؤمناً بما كان يمارسه، لكن لا توجد في الوثائق التي وصلتنا قرينة تسمح بالقول إن كياناً خارقاً ظهر بالفعل.

ما نستطيع قوله بثقة أكبر هو أن جيل دو ريه وبريلاتي اعتقدا أو ادعيا أنهما يحاولان استحضار الشياطين، وأن جيل شارك في بعض تلك المحاولات، بينما نفى رؤية أي شيطان أو سماعه.

هل يمكن الوثوق باعترافات سنة 1440 ؟

قضية جيل دو ريه معقدة لأننا نتعامل مع محاكمة تعود إلى العصور الوسطى، لا مع تحقيق جنائي حديث ، الوثائق نفسها ليست اختراعاً أدبياً لاحقاً. فما زالت محفوظات Loire-Atlantique تحتفظ بمواد مرتبطة بمحاكمته، وتوضح أن المحكمة الكنسية أدانته في اتهامات شملت الهرطقة والردة واستحضار الشياطين إلى جانب ملفات أخرى تولتها السلطة المدنية.

لكن إجراءات المحاكمات في القرن الخامس عشر كانت مختلفة جذرياً عن المعايير الحالية، كانت الاعترافات تحتل مكانة مركزية، وكان التهديد بالتعذيب جزءاً من النظام القضائي، كما كانت تهمة التعامل مع الشياطين مفهوماً قضائياً ودينياً يؤخذ على محمل الجد.

ولهذا ظهر، منذ القرن التاسع عشر وما بعده، جدل حول مدى موثوقية بعض أجزاء القضية ودور المصالح السياسية والمالية في سقوط جيل دو ريه، ومع ذلك فإن وجود محاضر متعددة وشهادات واعترافات لا يسمح أيضاً بإلغاء الملف كله باعتباره أسطورة صُنعت بعد وفاته.

الموقف الأكثر حذراً هو قراءة الوثائق باعتبارها دليلاً على ما اتُهم به المشاركون وما اعترفوا به وما كانوا يعتقدون أنهم يفعلونه، لا باعتبارها دليلاً على أن الشياطين التي تحدثوا عنها كانت موجودة بالفعل.

سقوط سيد تيفوج

في سنة 1440 وقع جيل في نزاع أدى إلى تحرك السلطات ضده، لتبدأ سلسلة من التحقيقات الكنسية والمدنية ، وفي 25 أكتوبر أصدرت المحكمة الكنسية حكماً أدانته، من بين ما أدانته به، بالسحر والهرطقة واستحضار الشياطين، وفي اليوم التالي أي 26 أكتوبر 1440، تم إعدامه في نانت وتعرضت سيرته بعد ذلك لعملية طويلة من إعادة الصياغة حتى اختلط اسمه في المخيلة الفرنسية بأسطورة ذو اللحية الزرقاء Bluebeard ، وبمرور القرون أصبحت صورة جيل الساحر الذي باع نفسه للشيطان أكثر شهرة من التفاصيل الفعلية للمحاكمة ، وكان الفن أحد أهم أسباب ذلك.

الرسم الذي أظهر ما لم يره جيل

بعد أكثر من أربعة قرون من أحداث تيفوج، صدر في باريس سنة 1870 كتاب للكاتب  بيير كريستيان Pierre Christian وهو الاسم الذي استخدمه Pierre Pitois، بعنوان:

" تاريخ السحر والعالم الخارق والقدر عند شعوب العالم عبر العصور "

Histoire de la magie, du monde surnaturel et de la fatalité à travers les temps et les peuples

وفي الصفحة 399 منه ظهر رسم للفنان الفرنسي إيميل بايارد Émile Bayard يصور جيل دو ريه في غرفة بينما يتجسد خلفه كائن شيطاني مجنح، وتؤكد بيانات النسخة المحفوظة عبر جاليكا Gallica أن الرسم يعود فعلاً إلى طبعة سنة 1870.

أصبح هذا العمل لاحقاً من أشهر الصور المرتبطة بقصة استحضار الشيطان، حتى إن من يراه من دون سياقه قد يظن أنه يعيد تصوير رواية تاريخية تقول إن بارون ظهر بالفعل أمام جيل ، لكن محاضر القضية ترسم صورة أكثر إثارة للاهتمام.

جيل دو ريه، الرجل الذي شارك في جلسات لاستدعاء الشيطان وكتب بحسب اعترافه وثيقة بدمه وأرسلها إلى كيان غير مرئي، لم يقل إنه رأى ذلك الكيان.

بعد أكثر من أربعمئة عام، فعل الفنان ما لم تستطع جلسات تيفوج أن تفعله بحسب شهادة جيل نفسه:

جعل الشيطان يظهر أخيراً.