قبل أكثر من سبعة قرون، كان من الممكن أن يفتح القارئ كتاباً واحداً فيجد فيه حركة الكواكب، وصفات المعادن، وأحوال البحار، وتشريح الإنسان، وسلوك النحل، ثم لا يلبث أن يصادف العنقاء والتنانين والجن والشياطين وجزراً يسكنها أناس بوجوه الكلاب ومخلوقات بحرية لا تكاد تُصدق.
ذلك الكتاب هو عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات لـ زكريا بن محمد القزويني، أحد أشهر المؤلفات الموسوعية في التراث الإسلامي، لكنه ليس "كتاب خرافات" بالمعنى البسيط، ولا كتاباً في السحر شبيهاً ببعض المؤلفات الباطنية التي ظهرت في العصور الوسطى، إنه محاولة طموحة لرسم صورة كاملة للكون كما كان يمكن لإنسان مثقف في القرن الثالث عشر أن يتصوره: ما يعرفه بالمشاهدة، وما وصل إليه من كتب السابقين، وما رواه الرحالة، وما تناقلته الأخبار، وما آمن به انطلاقاً من التصور الديني للوجود.
ولهذا فإن أغرب ما في الكتاب ليس التنين ولا العنقاء، وإنما الحدود المائعة بين الطبيعي والعجيب، فالمغناطيس والكسوف والحيتان والملائكة والطلسمات يمكن أن تجتمع جميعاً في عالم واحد، لأن السؤال الذي يحرك القزويني ليس دائماً: "هل هذا خارق للطبيعة ؟"، وإنما: ما الذي يجعل هذا العالم مدهشاً ؟
وتصف مكتبة الكونغرس الأمريكي الكتاب بأنه أشهر كتب الكوزموغرافيا الإسلامية، وتشير إلى أن كثرة نسخه المخطوطة تدل على شعبيته لقرون، ومن أثمن نسخه مخطوط أُنجز سنة 1280، أي قبل وفاة القزويني بنحو ثلاث سنوات، ويضم أكثر من أربعمائة رسم ومنمنمة.
قاضٍ يحاول أن يفهم الكون
ولد زكريا بن محمد بن محمود القزويني نحو سنة 1203 وتوفي سنة 1283، حمل اسمه نسبة إلى قزوين، وعاش وعمل في مناطق تقع اليوم ضمن إيران والعراق، وتولى القضاء في واسط والحلة، وإلى جانب تكوينه الديني والقضائي، عرف باهتمامه بالجغرافيا والطبيعة وجمع الأخبار والمعارف.
لكن القزويني لم يؤلف كتابه لكي يكون موسوعة علمية بالمعنى الحديث، ففي مقدمته يشرح أن اهتمامه نشأ من التأمل في "عجائب صنع الله" وأن النظر إلى الطبيعة ينبغي ألا يقتصر على رؤية ظاهر الأشياء، بل يتجاوزها إلى البحث عن أسبابها وخصائصها.
ومن هنا يبدأ الكتاب بفكرة أساسية تكاد تكون مفتاحاً لكل ما يأتي بعد ذلك.
يقول القزويني في تعريف العجب إنه حيرة تعرض للإنسان لقصوره عن معرفة سبب الشيء ، ثم يضرب مثالاً بخلية النحل: قد يعرف الإنسان أن النحلة صنعتها، لكنه يبقى متعجباً من انتظام حجراتها ودقتها وكيف استطاع ذلك الحيوان الصغير أن يبنيها بهذه الهندسة ، وهذه العبارة مهمة للغاية لأنها تغير طريقة قراءة الكتاب كله.
فـ"العجيب" عند القزويني لا يعني بالضرورة المستحيل، ولا يعني دائماً الخارق للطبيعة، قد يكون الشيء حقيقياً تماماً، لكن أسبابه مجهولة أو خصائصه مدهشة، ولذلك يمكن أن يكون المغناطيس عجيباً مثلما يكون التنين عجيباً، وإن كان الأول ظاهرة طبيعية نعرف تفسيرها اليوم والثاني ينتمي إلى عالم الأسطورة.
من السماء إلى أعماق الأرض
ينظم القزويني العالم في صورة هرم كوني واسع، يبدأ بالأشياء العليا: الأفلاك والكواكب والبروج والظواهر السماوية والملائكة، ثم ينزل تدريجياً إلى الهواء والرياح والمطر والبحار، وبعد ذلك إلى الأرض والجبال والمعادن والنبات والحيوان والإنسان، وما ارتبط بتلك العوالم من حكايات وغرائب.
ولهذا كثيراً ما يٌصنف الكتاب في الدراسات الغربية بمصطلح "كوزموغرافيا" Cosmography، أي وصف بنية الكون والعالم وليس مجرد كتاب للحيوانات العجيبة، وتؤكد المخطوطات الباقية أن الجزء الأول منه يتناول العالم فوق الأرض، بينما يتجه الثاني إلى العالم الأرضي.
والتصنيف نفسه يكشف عقلية عصره، ففي إحدى مقدماته يقسم القزويني الموجودات بحيث يدخل فيها الجسم والنفس والملك والجن وغيرها ضمن تصور فلسفي وديني واحد، فالجن والملائكة ليسوا استطراداً أضيف لإثارة القارئ، وإنما جزء من خريطة الوجود التي يحاول بناءها.
عالم لا تراه العين
حين يصل القزويني إلى سكان السماوات، يخصص مساحة واسعة للملائكة وأصنافهم، مستنداً إلى النصوص الدينية والروايات التي كانت متداولة في عصره، وتظهر الملائكة أيضاً بكثرة في الرسوم التي اشتهرت بها مخطوطات عجائب المخلوقات؛ حتى إن نسخة 1280 تتميز بمنمنمات ملونة تصوّرهم بأشكال شديدة الحيوية.
ويأتي الجن والشياطين لاحقاً ضمن ذلك النظام نفسه، فتختلط في الحديث عنهم عناصر دينية بمرويات شعبية وحكايات انتقلت عبر أجيال من الرواة، وهذا التفريق مهم عند قراءة الكتاب اليوم: وجود رواية في كتاب القزويني لا يعني بالضرورة أن لها المرتبة نفسها التي للنص الديني، كما أن المؤلف كثيراً ما يستعمل عبارات من قبيل "زعموا" و"ُيحكي أن" و"قال بعضهم" وهي إشارات إلى أنه ينقل مادة وصلت إليه ولا يقدم نفسه دائماً شاهداً عليها.
البحر الذي لا تنتهي عجائبه
ربما تكون صفحات البحار والجزر من أكثر أجزاء الكتاب إمتاعاً لقارئ اليوم، البحر في تصور الإنسان الوسيط كان مساحة مجهولة تمتد إلى ما وراء حدود الخبرة المباشرة، ولذلك أصبح مسرحاً مثالياً للحيتان العملاقة والجزر الغريبة والشعوب غير المعروفة.
ينقل القزويني مثلاً وصفاً لسمكة ضخمة يخرج الماء من فمها وأنفها حتى يتساقط رذاذه على السفن "مثل المطر" ويصف مخلوقات بحرية أخرى بأجسام السمك ووجوه تشبه وجوه حيوانات برية، كما يورد الرواية القديمة الشهيرة عن البحارة الذين ينزلون على ما يظنونه جزيرة، ويوقدون النار عليها، ثم يكتشفون أن "الجزيرة" ليست سوى سلحفاة بحرية هائلة تحركت عندما شعرت بحرارة النار.
مثل هذه الروايات لا ينبغي أن نقرأها فقط كاختراعات أدبية، فالإنسان الذي يرى حوتاً للمرة الأولى من سطح سفينة صغيرة، أو يسمع وصفه عبر سلسلة من الرواة، يستطيع بسهولة أن يحوله إلى مخلوق يفوق الواقع حجماً وغرابة، وهكذا كان الوحش البحري كثيراً ما يولد في المسافة بين المشاهدة والرواية.
ثم تزداد الأمور غرابة حين يصل القزويني إلى الجزر، فهو ينقل عن البحارة والتجار أخبار جزر يسكنها قوم قصار القامة، وأخرى يظهر فيها أصحاب وجوه تشبه وجوه الكلاب، وجزر تحيط بها الجبال والنيران، ومدن مهجورة يسمع منها ضجيج مع عدم وجود سكان ظاهرين فيها.
من الصعب اليوم فصل الجغرافيا الواقعية في هذه القصص عن الفلكلور الذي التصق بها، لكن هذا بالضبط ما يجعلها ثمينة: إنها تكشف كيف كان المجهول الجغرافي يتحول إلى حاضنة للمخلوقات المستحيلة.
العنقاء والتنين وسكان أطراف العالم
وتجسد الرسوم التي صاحبت الكتاب هذا الامتزاج بأوضح صورة، فصفحات بعض المخطوطات لا تتردد في وضع الحيوانات الموجودة فعلاً بجوار كائنات أسطورية.
إحدى صفحات العنوان المحفوظة في متحف المتروبوليتان، والمؤرخة بالقرن الخامس عشر، تجمع في زخرفتها طائراً خرافياً ضخماً يهاجم فيلاً، والكركدن، والنمور، والتنين، والعنقاء ومخلوقات أسطورية أخرى، المتحف نفسه يصف الكتاب بأنه يتناول السماء والأرض والمعادن والنبات والطيور والحيوانات، إلى جانب الظواهر غير المعتادة والكائنات المتخيلة.
ولذلك ينبغي ألا نسأل دائماً: "هل صدق القزويني بوجود كل وحش رسم في نسخه ؟"، فالرسوم التي وصلت إلينا ليست كلها بالضرورة من يد المؤلف أو من نسخة واحدة، وقد نسخت المخطوطات وزُينت في بلدان وعصور مختلفة، بعض الصور يمثل نصاً، وبعضها يعكس تقاليد الفنانين أنفسهم ، وهنا تتحول عجائب المخلوقات من مجرد نص إلى تقليد بصري كامل.
لقد أعيد تصوير مخلوقاته في العراق وإيران والأناضول والهند وغيرها، وتغير شكل الكائن نفسه من نسخة إلى أخرى، ولهذا يستطيع مؤرخ الفن أن يقرأ من خلال التنين أو العنقاء ليس فقط تصور القزويني، بل أيضاً تصور الرسام الذي عاش بعده بمئتي سنة.
حين كان المغناطيس من "الأمور الغريبة"
من أكثر مواضع الكتاب دلالة على اختلاف مفهوم العلم بين عصر القزويني وعصرنا ما يورده في مقدمته عن "الأمور الغريبة".
فهو يحاول وضع تصنيف لها؛ فيذكر تأثيرات مرتبطة بالنفس والتصور، ثم أفعالاً يعزوها إلى ما كان يسمى بالطلسمات، ثم ينتقل إلى خصائص أجسام أرضية، ويضرب مثلاً بجذب المغناطيس للحديد.
اليوم لا يخطر ببال أحد تقريباً أن يضع المغناطيس والسحر في سياق واحد، لكن القزويني لم يكن يمتلك مفهوم الحقول المغناطيسية أو الفيزياء الحديثة؛ كان يرى شيئاً من الحديد يتحرك نحو حجر من غير خيط أو يد ظاهرة، ومن الطبيعي بالنسبة إلى منهج المعرفة المتاح في زمانه أن تعد تلك الخاصية من "الغرائب".
وهنا تظهر قيمة الكتاب التاريخية بوضوح: العجيب ليس صفة ثابتة في الشيء، بل يتغير مع مقدار ما نعرفه عنه.
الرعد كان عجيباً، والكسوف كان مخيفاً، والحجر الساقط من السماء كان عصياً على التصور، وجذب المغناطيس للحديد بدا كأنه قوة خفية. وكلما تقدم تفسير الظواهر، تحرك الخط الذي يفصل المعلوم عن المجهول.
الطلسمات والسحر والخواص
يحتوي الكتاب كذلك على مواد تتعلق بالسحر والطلسمات والخواص التي كانت تنسب إلى الأحجار والنباتات والحيوانات، إلا أن وضعها في الكتاب يختلف عن كتب العمل السحري التي تقصد إلى تعليم القارئ كيف ينفذ طقساً أو يستحضر روحاً.
القزويني في معظم هذه المواضع جامع للمعرفة والمرويات، فهو يورد ما نسب إلى الحكماء والأطباء والرحالة وما توارثته الكتب، وينظم هذه المواد إلى جانب الطب والطبيعة والفلك.
ولهذا نجد وصفاً لخصائص علاجية غريبة للحيوانات والأحجار إلى جوار ملاحظات صحيحة جزئياً عن بيئتها وسلوكها. ومن منظورنا الحالي نعرف أن قسماً واسعاً من تلك "الخواص" لا يستند إلى دليل طبي أو تجريبي، لكن وجودها يساعدنا على فهم عالم كانت فيه الحدود بين الطب والفلسفة الطبيعية والسحر والتنجيم أقل وضوحاً بكثير مما أصبحت عليه لاحقاً.
وحوش أم حالات بشرية لم تكن مفهومة ؟
أحد أكثر جوانب الكتاب حساسية وإثارة هو وصف البشر ذوي الأشكال غير المعتادة ، ينقل القزويني أخبار أشخاص ولدوا بأجساد أو أطراف غير مألوفة، ومن بينها روايات عن أجسام برأسين أو أجساد ملتحمة، ثم تظهر في السياق نفسه مخلوقات مثل النسناس، الذي تصفه بعض التقاليد ككائن ناقص الهيئة البشرية.
بالنسبة للقارئ المعاصر، من الممكن أن يرى خلف بعض هذه الأخبار صدى لحالات طبية حقيقية مثل التوائم الملتصقة والتشوهات الخلقية الشديدة، لكن حين تصل الرواية إلى مجتمع لا يمتلك علم الأجنة ولا التصوير الطبي، ثم تعاد روايتها عبر عدة أشخاص، يمكن بسهولة أن تتحول الحالة النادرة إلى جنس كامل من المخلوقات الغريبة.
وهكذا قد تقف وراء بعض "وحوش" الكتب القديمة نواة واقعية اتسعت حولها الأسطورة.
لكن هذا التفسير لا يصلح لكل شيء؛ فهناك مخلوقات وأقوام وحكايات لا نجد سبباً يسمح لنا بتحويلها قسراً إلى تقارير علمية قديمة. الأفضل أن تبقى بعض الروايات في المكان الذي جاءت منه: الفلكلور وأدب العجائب.
هل صدّق القزويني كل ما كتبه ؟
هذه واحدة من أهم المسائل في قراءة الكتاب ، من السهل انتزاع عشر صفحات من عجائب المخلوقات، عرض أكثرها غرابة، ثم تقديم صاحب الكتاب بوصفه رجلاً كان يعتقد بكل وحش وقصة وصلته، لكن مقدمة القزويني نفسه تجعل الأمر أكثر تعقيداً.
فهو يصرح بأنه جمع ما وصل إليه عبر "السمع والبصر والفكر والنظر" ويميز أحياناً بين ما اعتبره مشاهداً أو معقولاً، وما يورده بوصفه حكاية منسوبة إلى رواتها.
وهذا لا يجعله ناقداً حديثاً للمصادر؛ فقد نقل بلا شك أخباراً لا أساس لها، وكرر تصورات علمية ثبت خطؤها، لكنه يعني أن طريقة نقله ليست واحدة في جميع المواضع.
وتفيد الكلمات الصغيرة التي يستخدمها: "قالوا"، "زعموا"، "حكى بعض التجار"، "ذكر بعضهم".
إنها ليست ضمانة للشك، لكنها تخبر القارئ بأن القزويني نفسه كان يعرف أن جزءاً من عالمه يأتيه عن طريق الرواية لا المعاينة.
الكتاب بوصفه آلة لصناعة الدهشة
ربما يكون أجمل ما في عجائب المخلوقات أن القزويني لا يرى الغرابة حكراً على الوحوش ، فخلية النحل عنده عجيبة، السماء عجيبة، حركة الكواكب عجيبة، الحيوانات عجيبة، وبذلك يصبح الاعتياد نفسه عدواً للدهشة؛ فالإنسان، كما يرى القزويني، يتوقف عن التعجب من الأشياء التي يراها كل يوم لا لأنها بسيطة، بل لأنه اعتاد عليها ، وهذه فكرة تبدو حديثة على نحو مفاجئ.
فنحن اليوم لا نتعجب من هاتف يرسل الصورة إلى الطرف الآخر من الأرض، ولا من طائرة تحمل مئات الأشخاص في الجو، لأننا ولدنا في عالم توجد فيه هذه الأشياء، ولو عرض أحدها على إنسان من القرن الثالث عشر لربما وضعها دون تردد في كتاب العجائب.
وبالمقابل، وضع القزويني أشياء نعرف اليوم تفسيرها إلى جوار أشياء لا وجود لها في العلم الحديث ، فالكتاب لا يخبرنا فقط بما كان الناس يعتقدونه؛ إنه يبين لنا كيف تتغير فكرة "المستحيل" نفسها من عصر إلى عصر.
من بغداد وقزوين إلى مكتبات الغرب
لم تبق شهرة الكتاب محصورة في نسخته العربية، فقد انتشرت منه نسخ كثيرة، وتمت ترجمته وتكييفه بالفارسية والتركية العثمانية؛ وتحتفظ المكتبات اليوم بمخطوطات متعددة تثبت أن تقليد عجائب المخلوقات ظل حياً قروناً بعد وفاة صاحبه، وتوثق مكتبة الكونغرس، مثلاً، ترجمة عثمانية من القرن السابع عشر للجزء المتعلق بالعالم العلوي، بينما تحتوي مخطوطة عثمانية محفوظة في Walters Art Museum ومؤرخة سنة 1717 على 444 رسماً.
أما في أوروبا الحديثة، فقد دخل القزويني مرحلة مختلفة من حياته: من كتاب واسع التداول في الشرق إلى موضوع للدراسة الاستشراقية وتاريخ العلوم والفن الإسلامي.
وفي منتصف القرن التاسع عشر، قام المستشرق الألماني فرديناند فوستنفلد Ferdinand Wüstenfeld بإعداد طبعة للنص في غوتنغن بعنوان "كوسموغرافيا زكريا بن محمد بن محمود القزويني" Zakarija ben Muhammed ben Mahmud el-Cazwini's Kosmographie ، صدرت في 1848–1849 واعتمدت على مخطوطات محفوظة في مكتبات أوروبية، من بينها برلين وغوتا ودريسدن وهامبورغ.
ولم تكن هذه مجرد ترجمة ألمانية شعبية للكتاب، بل مشروعاً لنشر النص ودراسته اعتماداً على المخطوطات، في مرحلة كان فيها الباحثون الأوروبيون يعملون على جمع النصوص العربية القديمة وفهرستها وتحقيقها.
ومن اللافت أن انتقال المخطوطات إلى المكتبات والمتاحف الغربية حافظ على عدد كبير من رسوم الكتاب أيضاً، فهناك مخطوطات وأوراق منه اليوم في المكتبة البريطانية ومكتبة ولاية بافاريا ومتحف المتروبوليتان ومؤسسة سميثسونيان ومجموعات أخرى، وتحتفظ المكتبة البريطانية، على سبيل المثال، بمخطوط مصور يضم 368 لوحة، وأصبح ما يعرف بـ "قزويني لندن" موضوع دراسة فنية مستقلة للباحث ستيفانو كاربوني Stefano Carboni.
لكن النظرة الغربية الحديثة للكتاب تغيرت هي الأخرى، فلم يعد الاهتمام منصباً فقط على سؤال: "ما الأخطاء العلمية التي وقع فيها المسلمون في العصور الوسطى؟" ، أصبحت دراسات تاريخ العلم والفن أكثر اهتماماً بما تكشفه الموسوعة عن طريقة بناء المعرفة نفسها، وعن العلاقة بين المشاهدة والنقل والدين والفلسفة والخيال البصري.
والمثال اللافت على ذلك أن متحف مكاميلان McMullen Museum في معهد بوسطن Boston College أقام سنة 2025 معرضاً بعنوان "عجائب الخلق في الفن والعلم والابتكار في عالم الإسلامي" Wonders of Creation: Art, Science, and Innovation in the Islamic World، وجعل مفهوم "العجب" عند القزويني الإطار الذي ينظم به رحلة المعرض من السماء إلى الأرض، أي أن كتاباً كتب في القرن الثالث عشر أصبح بعد أكثر من سبعمائة عام أداة يستخدمها متحف أمريكي لفهم تقاطع العلم والفن والثقافة الإسلامية.
وهذا ربما أكثر دلالة من مجرد القول إن "الغرب عرف القزويني، لقد انتقل الكتاب من كونه موسوعة تشرح العالم إلى قارئها الأصلي، إلى كونه وثيقة يستخدمها باحث معاصر ليسأل: كيف كان مجتمع آخر يتصور المعرفة والعجيب ؟
ولا توجد حاجة، في المقابل، إلى المبالغة والقول إن القزويني كان المصدر المباشر لوحوش أوروبا أو كتبها العجائبية؛ فالثقافة الأوروبية نفسها امتلكت تقاليد وحوش الغاب Bestiary وكتب العجائب الخاصة بها، القيمة الأوضح هي في أن المقارنة بين التقليدين تكشف ظاهرة إنسانية مشتركة: كل حضارة ملأت المساحات التي لم تعرفها بعد بالمخلوقات والروايات والتفسيرات الممكنة.
القزويني وكتاب البلهان: عالمان مختلفان
قد يبدو عجائب المخلوقات لأول وهلة قريباً من "كتاب البلهان" بسبب الرسوم الغريبة والجن والكائنات الخرافية، لكن الفارق بينهما كبير.
صور البلهان تقود القارئ بصورة أسرع إلى عالم التنجيم والكواكب والروحانيات والصور السحرية والموروث الباطني.
أما القزويني فيبدأ من مشروع أوسع بكثير: ماذا يوجد في الكون ؟
ولهذا يمكن أن تجد في الصفحة نفسها تقريباً الحيوان والطبيعة والفلك والفلسفة والدين والأسطورة، غرضه الأساسي ليس أن يدخلك إلى العالم الخفي، وإنما أن يعرض أمامك العالم كله، بما فيه ما كان خفياً بالنسبة إلى إنسان عصره.
وهذه هي النقطة التي تمنح الكتاب قيمة استثنائية اليوم.
ماذا بقي من "عجائب" القزويني ؟
بعد سبعة قرون تغير مصير عجائب كثيرة ، فالمغناطيس لم يعد لغزاً خارقاً، وإن بقيت في فيزيائه تفاصيل معقدة، والكسوف خرج من عالم النذر وأصبح حدثاً فلكياً يمكن حسابه بالثانية، والحيوانات التي وصلت إلى العالم الإسلامي عبر أوصاف الرحالة أصبحت مصورة في آلاف الساعات من الأفلام الوثائقية، والتشوهات الخلقية التي كانت تغذي أخبار "المخلوقات الغريبة" صارت موضوعاً لعلم الأجنة والوراثة والجراحة.
وفي الطرف الآخر ما زال التنين والعنقاء والنسناس وأقوام الجزر العجيبة يسكنون حيث يبدو أنهم كانوا دائماً: في الأسطورة والفلكلور والخيال البشري.
لكن الكتاب لم يفقد قيمته بسبب ذلك.
على العكس، ربما أصبحت قيمته أوضح.
فالقزويني يضع أمامنا لحظة تاريخية كان فيها الإنسان يحاول مد خريطة معرفته نحو مساحة هائلة من المجهول، وما لم يستطع رؤيته بنفسه أخذه عن الرحالة، وما لم يجد له تفسيراً وضعه بين "العجائب"، وما وصل إليه مشوهاً عبر الروايات سجله أحياناً إلى جانب ما شاهده الناس فعلاً.
ومن هذه الخلطة ولد عالم تسبح فيه الحيتان الواقعية إلى جوار الوحوش، وتتحرك فيه الكواكب فوق الملائكة، وتتجاور النباتات الطبية مع الأحجار السحرية، ويصبح حجر المغناطيس قريباً في غرابته من الطلسم.
إن قراءة "عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات" اليوم لا تحتاج أن نصدق عجائبه، ولا أن نسخر منها.
الأكثر إثارة هو أن نتساءل:
أي الأشياء التي نعدها اليوم غامضة أو مستحيلة سيقرأ عنها إنسان بعد سبعة قرون، ثم يبتسم لأنها أصبحت بالنسبة إليه من أبسط حقائق العالم ؟