تخيّل مدينة تستيقظ كل صباح على عربات تحمل الجثث، وبيوتاً أُغلقت على أصحابها، وأجراساً لا تكف عن إعلان الموت،  لا أحد يعرف من أين جاء المرض، ولا لماذا يسقط شخص ويموت بينما ينجو جاره، وفي غياب المجهر والجراثيم وعلم الأوبئة، يصبح السؤال المرعب: إذا لم نرَ القاتل، فما الذي يقتلنا ؟

في أوروبا وآسيا وشمال أفريقيا والشرق الأوسط في القرن الرابع عشر، لم يكن الطاعون مجرد كارثة صحية، لقد كان تجربة وجودية هائلة هزت تصور الإنسان للعالم، واستدعت كل ما يملكه من تفسيرات: فساد الهواء، حركة الكواكب، غضب السماء، النذر، السموم، الدعاء، التمائم، وحتى الموتى الذين قيل إنهم ينهضون من قبورهم لينشروا المرض.

ومن هنا تبدأ قصة أخرى للطاعون؛ ليست قصة البكتيريا وحدها، بل قصة ما صنعه الخوف في مخيلة البشر.

قبل أن يصبح اسمه "الموت الأسود"

نعرف اليوم موجة الطاعون الكبرى التي ضربت أوراسيا في منتصف القرن الرابع عشر باسم "الموت الأسود" Black Death، لكن معظم الذين عاشوا الكارثة لم يكونوا يسمونها بهذا الاسم، ظهرت في المصادر تسميات مثل "الوباء العظيم" و"الموت العظيم" ، أما تعبير "الموت الأسود" فلم يصبح التسمية التاريخية الشائعة إلا بعد ذلك بزمن طويل.

بدأت الكارثة الكبرى في أربعينيات القرن الرابع عشر، ووصل الوباء إلى موانئ البحر المتوسط سنة 1347 قبل أن يجتاح مساحات واسعة من أوروبا والشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

وقد أضاف العلم الحديث قطعة مهمة إلى اللغز، ففحوص الحمض النووي المستخرج من رفات ضحايا الطاعون أثبتت وجود بكتيريا يرسينيا بيستيس Yersinia pestis كما كشفت أبحاث جينية حديثة عن سلالة مرتبطة ببداية الجائحة في منطقة تيان شان بآسيا الوسطى، في مقابر تعود إلى عامي 1338 و1339.

كان العالم حينها متصلاً أكثر مما قد نتخيل: قوافل، سفن، موانئ وأسواق تربط آسيا بالبحر الأسود والبحر المتوسط، فتحرك المرض على الطرق نفسها التي تحركت عليها البضائع والبشر.

الموت الذي يظهر تحت الجلد

أشهر صور المرض كان الطاعون الدبلي،  ترتفع الحرارة ويصاب المريض بإنهاك شديد، ثم تنتفخ العقد اللمفاوية في الإبط أو العنق أو الأُربية لتشكل كتلاً مؤلمة معروفة  باسم الدُبلات Buboes   وقد تظهر نزوف وبقع داكنة على الجلد في الحالات الشديدة ، وهناك أيضاً الطاعون الرئوي، الذي يصيب الرئتين ويمكن أن ينتقل بين البشر عبر الرذاذ التنفسي، وحالات إنتانية تدخل فيها البكتيريا مجرى الدم.

أما الإنسان في القرن الرابع عشر فلم يكن يعرف شيئًا عن بكتيريا يرسينيا،  لم تكن معروفة أصلاً ولم تكن هناك نظرية جرثومية للمرض، ما كان يراه هو مشهد أشبه بقوة خفية تجتاز الأحياء، تدخل بيتاً بعد آخر، وتترك الموت خلفها.

وتشير الدراسات الحديثة إلى تفاوت كبير بين المناطق في حجم الخسائر، لكن الكارثة كانت من أضخم أوبئة التاريخ؛ وتقدر بعض الدراسات أن نسبة هائلة من سكان غرب أوراسيا ماتت خلال سنوات قليلة.

وحين يموت عدد هائل من البشر في فترة قصيرة ولا يرى أحد المسبب، يصبح المجال مفتوحاً لتفسير كل شيء تقريباً.

حين كان الهواء نفسه متهماً

من أكثر التفسيرات الطبية انتشاراً في العصور الوسطى نظرية الميازما Miasma أي أن الأمراض تنشأ من هواء فاسد أو مسموم ، كان التعفن والروائح والمستنقعات والمواد المتحللة تُتهم بإفساد الهواء، ثم يدخل هذا الهواء إلى الجسم فيصيبه بالمرض، ولم يكن ذلك بالنسبة إلى أطباء العصر "خرافة" منفصلة عن العلم، بل جزءاً من النظام الطبي الذي ورثوه عن الطب اليوناني والروماني وطوّروه عبر قرون.

وعندما جاء الطاعون بسرعة فاقت ما عرفوه من الأمراض، اتسعت التفسيرات، بعض الأطباء تحدث عن فساد استثنائي في الهواء، وآخرون عن مواد سامة، وربط آخرون بين الجو وحركات الأجرام السماوية، وتبين الدراسات في تاريخ الطب أن أطباء الفترة حاولوا بالفعل التوفيق بين نظريات الأخلاط والميازما وفكرة "السم" لتفسير وحشية الوباء، وهكذا وجد الطب نفسه على حدود منطقة يصعب فيها، بمقاييس عصرنا، التفريق بين العلم والفلسفة الطبيعية والتنجيم.

عندما أصبحت الكواكب مشتبهاً بها

في عام 1348 طلب الملك الفرنسي فيليب السادس من كلية الطب في باريس تفسير الكارثة، وكان أحد التفسيرات التي ظهرت في المناخ الفكري الطبي آنذاك أن أحوال السماء قد تكون أدت إلى فساد الهواء على الأرض، فقد كان الاعتقاد بتأثير الأجرام السماوية في الصحة والمناخ والأحداث الأرضية جزءاً من المعرفة الطبيعية لدى عدد من علماء ذلك الزمن، وليس مجرد ممارسة هامشية يقوم بها العرافون ، وهكذا دخلت اقترانات الكواكب في قصة الوباء.

وأصبحت الظواهر السماوية بدورها قابلة للقراءة كنُذُر فالمذنبات والكسوف والأحداث غير المعتادة في السماء كانت قد ارتبطت منذ قرون في المخيلة الأوروبية بالحروب والمجاعات والأوبئة وموت الحكام، وتظهر مصادر العصور الوسطى كيف كان الإنسان يقرأ السماء بحثاً عن معنى لما يحدث على الأرض.

لم يكن الوباء، في هذه الرؤية، حادثاً بيولوجياً عشوائياً، بل جزءاً من كون تتحرك فيه الأشياء وفق شبكة من الإشارات الخفية.

هل كان الطاعون عقاباً ؟

كان هناك تفسير أكثر مباشرة وأشد تأثيراً في العامة: لقد غضبت السماء.

في المجتمع المسيحي الوسيط كان كثيرون ينظرون إلى الكوارث الكبرى باعتبارها عقاباً على خطايا البشر، ولم يكن هذا التفسير يلغي بالضرورة فكرة الهواء الفاسد أو تأثير الكواكب؛ فقد يستطيع الإنسان في ذلك العصر الاعتقاد بأن الله هو السبب الأعلى، بينما الكواكب والهواء الفاسد هي الوسائل التي وقع عبرها العقاب.

ومن هذه الأجواء ظهرت جماعات الجلادين Flagellants التي كانت تسير في مواكب علنية ويجلد أفرادها أجسادهم طلباً للتكفير عن الخطايا ورفع البلاء.

تخيّل المشهد: مدن يقتلها الوباء، وفي شوارعها مجموعات من الرجال بملابس دينية، ينشدون ويصلّون ثم يضربون أجسادهم حتى تسيل الدماء، معتقدين أن الألم والتوبة قد يدفعان العقاب عن المجتمع ، وهنا أصبح التعامل مع المرض طقساً جماعياً بقدر ما كان مشكلة طبية.

القديسون الذين يقفون في وجه الطاعون

أنتج الخوف أيضاً رموزه وحماته ، ففي أوروبا ارتبط القديس سيباستيان بصورة خاصة بالحماية من الطاعون، وقد ساعدت صورته المملوءة بالسهام على ظهور رابطة رمزية بين "سهام الوباء" وبين السهام التي أصابت جسده، وهناك مطبوعات تعود إلى القرن الخامس عشر تحمل صورته وصلوات كان حملها يُقصد به الوقاية من المرض.

ثم برز القديس روش Saint Roch الذي تقول سيرته التقليدية إنه أصيب بالطاعون أثناء رعايته المرضى ثم شُفي،  ولذلك يظهر كثيراً في الفن وهو يرفع ثوبه ليكشف تورماً في فخذه، وإلى جواره كلب يحمل له الخبز.

ومع مرور الوقت أصبح سيباستيان وروش من أبرز الشخصيات التي يلجأ إليها المؤمنون في أزمنة الوباء، وظهرا معاً في الأعمال الفنية والصلوات والمواد الوقائية ، وهكذا لم تعد الصورة الدينية مجرد عمل فني؛ بل قد تتحول بالنسبة إلى حاملها إلى حاجز رمزي ضد الموت.

بين الدواء والتعويذة

لكن الإنسان لم يكتفِ بالدعاء، في عالم لم يكن يفصل دائماً بين الطب والدين والسحر الشعبي، حمل الناس مواد نباتية وأحجبة ونصوصاً وصلوات وأشياء اعتقدوا أنها تقيهم الأمراض، وتحتفظ المتاحف الأوروبية إلى اليوم بأمثلة لأشياء وقائية كان يفترض أن يحملها الإنسان على جسده، وبعضها يجمع بين النصوص الدينية والرموز والأعشاب.

وهذا جانب مهم في فهم الماورائيات المرتبطة بالطاعون: فما نصفه اليوم بأنه "تعويذة" ربما كان بالنسبة إلى صاحبه جزءاً طبيعياً من منظومة الحماية، إلى جوار الأعشاب والحمية والصلاة وتجنب الهواء الفاسد.

ولم تكن هذه الظاهرة حكرًا على أوروبا؛ فقد عرفت مجتمعات عديدة حول العالم الإسلامي أيضًا الأحجبة والنصوص الوقائية والتقاليد التي تجمع الدعاء بالممارسات الشعبية. لكن من الخطأ جمع كل هذه الممارسات تحت تسمية واحدة أو افتراض أن المسلمين في عصر الطاعون كانت لهم استجابة موحدة، فالمصادر تكشف اختلافًا واسعًا بين الفقهاء والأطباء والمجتمعات.

الطاعون في العالم الإسلامي: القدر أمام الملاحظة

لم يتوقف الموت عند حدود أوروبا، ضرب الوباء مصر وبلاد الشام والحجاز والمغرب والأندلس ومناطق أخرى من العالم الإسلامي ، وهنا ظهر نقاش بالغ الأهمية: هل ينتقل المرض من شخص إلى آخر ؟ وكيف يمكن التوفيق بين الملاحظة الطبية والفهم الديني للوباء ؟

في غرناطة كتب الطبيب والمفكر الأندلسي لسان الدين ابن الخطيب في القرن الرابع عشر مدافعاً عن وجود العدوى، مستنداً إلى ما شاهده الناس بأنفسهم: مخالطة المرضى، والملابس والأمتعة، والعزلة عن الأماكن المصابة، وتعد كتاباته من أشهر الأمثلة على محاولة تفسير انتقال الطاعون بالملاحظة والتجربة في الطب الإسلامي الوسيط.

وتكشف الدراسات الحديثة أن المواقف في العالم الإسلامي كانت أكثر تنوعاً مما تصورته بعض الدراسات القديمة؛ فقد وُجدت آراء مختلفة في العدوى ووسائل الوقاية والجمع بين العلاج والتفسير الديني.

وهذا يجعل تاريخ الطاعون مثيراً بصورة خاصة: بينما كان البعض يبحث عن رسائل في السماء، كان آخرون يراقبون مسار المرض من بيت إلى بيت ويحاولون استنتاج قواعده.

حين احتاج الخوف إلى مذنب

لكن الأوبئة لا تنتج العلاج والمعتقدات فقط، بل قد تنتج عدواً بشرياً، فحين عجز الناس عن تفسير سرعة انتشار الموت ظهرت في أوروبا شائعات بأن الطاعون لم يكن طبيعياً أصلاً وإنما نتج عن تسميم متعمد للآبار ومصادر المياه وكان اليهود من أبرز ضحايا هذه الاتهامات ، انتشرت اتهامات تزعم أنهم سمموا الآبار لنشر المرض، وأدت الشائعات إلى اضطهادات ومذابح في مناطق أوروبية عدة. ولم تستند الاتهامات إلى دليل على أنهم تسببوا في الوباء؛ بل كانت امتداداً لمعاداة دينية واجتماعية قديمة غذّاها الرعب الجماعي.

وهنا يظهر أحد أخطر وجوه الوباء: عندما يصبح الغموض أقوى من المعرفة، يبحث المجتمع أحياناً عن شخص يمكن رؤيته ليحمّله مسؤولية قاتل لا يستطيع رؤيته ، فالخرافة في هذه الحالة لم تبقَ حكاية، بل قتلت أناساً حقيقيين.

عندما أصبح الميت مشتبهاً به

وهنا ندخل المنطقة الأقرب إلى عالم الماورائيات ، قبل الطاعون الأسود بقرون، عرفت أوروبا قصصاً عن "العائدون من الموت" Revenants أي موتى يقال إنهم يعودون من قبورهم ليظهروا للأحياء أو يؤذوهم، وما يلفت الانتباه أن بعض الروايات الوسيطة لم تجعل هؤلاء الموتى مخيفين لأنهم يظهرون فقط، بل نسبت إليهم القدرة على نشر المرض.

ففي روايات سجلها المؤرخ الإنجليزي وليام من نيوبيرغ في القرن الثاني عشر، أي قبل الطاعون الأسود بنحو قرنين، نجد جثثاً عائدة قيل إنها أرعبت مجتمعاتها، وفي بعض الحالات ربط الناس وجودها بمرض أصاب الأحياء، وكان الحل أحياناً نبش القبر والتعامل مع الجثة لمنعها من العودة ، وهنا ينبغي الانتباه إلى التفصيل التاريخي: لا يصح القول إن وباء 1347 اخترع الاعتقاد بالموتى العائدين، لأن المعتقد أقدم منه ، لكن الطاعون خلق بيئة مثالية لازدهار هذا النوع من الخيال ، فعندما يموت عشرات الأشخاص في قرية، ثم يبدأ الآخرون بالسقوط تباعاً يكون من السهل في مجتمع يؤمن بالموتى المضطربين أن يتساءل:

هل هناك شيء في المقبرة يعيد الموت إلى البيوت ؟

وفي القرون اللاحقة ستظهر في أوروبا الشرقية موجات شهيرة من الخوف من مصاصي الدماء، ترتبط أحياناً بتفشي المرض وفتح القبور وإتلاف الجثث المشتبه بها، لكنها تنتمي في معظم أشهر أمثلتها إلى القرنين السابع عشر والثامن عشر، ولذلك فإن ربط "مصاص دماء القرن الثامن عشر" مباشرة بالطاعون الأسود سيكون خلطاً بين حقب مختلفة.

الأدق هو أن الطاعون والموت الجماعي غذّيا تربة ثقافية قديمة ترى أحياناً أن الحدود بين قبر الميت وبيت الحي ليست مُحكمة كما ينبغي.

رقصة الموت

لم يترك الطاعون أثره في المعتقدات وحدها، بل غيّر طريقة تصوير الموت نفسه، ومن أشهر الصور التي ازدهرت بعد الكارثة الأوروبية ما عُرف باسم رقصة الموت Danse Macabre، في هذه الأعمال يظهر الموت غالباً في صورة هيكل عظمي أو جثة متحللة ترافق البشر إلى نهايتهم: ملك، راهب، تاجر، امرأة، فقير، غني، طفل ، الجميع مدعو إلى الرقصة نفسها.

كان المعنى واضحاً إلى حد الوحشية: الثروة والمنصب والنسب لا تستطيع شراء النجاة، وبينما قد يعيش الملك خلف جدران قصره ويعيش الفقير في كوخ فإن الموت يستطيع الدخول إلى المكانين.

وقد ساعدت خبرة الموت الجماعي في أواخر العصور الوسطى على منح هذه الصور قوتها المرعبة وانتشارها ، لم يعد الموت حدثاً يقع في نهاية الحياة فقط؛ لقد أصبح شخصية تكاد تمشي بجوار الإنسان.

أسطورة طبيب الطاعون ذي المنقار

ومن المفارقات أن أشهر صورة نربطها اليوم بالطاعون الأسود لا تنتمي في صورتها المعروفة إلى الطاعون الأسود نفسه ، إنه الطبيب الذي يرتدي معطفاً طويلاً وقناعاً ذا منقار ضخم.

تكاد هذه الشخصية اليوم أن تكون شعاراً للموت الأسود: تظهر في الألعاب والأفلام والرسوم والأقنعة، لكنها مرتبطة أساساً بأوبئة الطاعون الأوروبية في العصر الحديث المبكر، خصوصاً في القرن السابع عشر، بعد موجة القرن الرابع عشر بنحو ثلاثة قرون ، وكان المنقار محشي أحياناً بمواد عطرية وأعشاب، في سياق الاعتقاد بأن الهواء الفاسد ينقل المرض ، وهكذا حدث شيء غريب في الذاكرة الشعبية: أصبح رمز لاحق للطاعون هو الوجه الذي نتخيل به وباءً أقدم منه بكثير.

هل انتهى الطاعون ؟

الطاعون الأسود لم يكن نهاية القصة ، كانت موجة منتصف القرن الرابع عشر افتتاحاً لما يسميه المؤرخون "الجائحة الثانية للطاعون"، وتكررت الأوبئة بعد ذلك في أوروبا والشرق الأوسط ومناطق أخرى على مدى قرون، وتؤكد تحليلات الجينوم القديم أن سلالات بكتيريا يرسينيا بيستيس استمرت خلال هذه المرحلة التاريخية الطويلة ، أما المرض نفسه فلم ينقرض حتى اليوم.

لكن العالم تغير، نعرف المسبب ونعرف طرق انتقاله ولدينا مضادات حيوية تستطيع علاجه إذا تم اكتشافه مبكراً ، وهو فارق هائل بين أن تعرف أن كائناً مجهرياً يقتل الإنسان وبين أن ترى الموت يتقدم نحو مدينتك دون أن تعرف له وجهاً.

الوباء الذي كشف حاجتنا إلى تفسير المجهول

ربما لهذا السبب يبقى الطاعون الأسود من أكثر الأوبئة ارتباطاً بالماورائيات في المخيلة البشرية، لم يكن الناس الذين عاشوه يملكون رفاهية النظر إليه بعدسة التاريخ، كانوا يعيشون وسط كارثة يرون نتائجها ولا يرون سببها ، فنظر الطبيب إلى الهواء ونظر المنجّم إلى الكواكب ونظر رجل الدين إلى الخطيئة والتوبة وحمل آخر صورة لقديس أو نصاً واقياً واتهم مذعور جاره بتسميم البئر وربما نظر آخر إلى المقبرة وتساءل إن كان الموتى قد بقوا بالفعل في قبورهم.

نحن نعرف اليوم اسم البكتيريا التي كانت تجتاح تلك المدن، لكن معرفة اسم القاتل بعد سبعة قرون لا تمحو السؤال الأكثر إثارة:

ماذا يفعل الإنسان عندما يواجه قوة تقتل من حوله، ولا يمتلك بعد الأدوات التي تسمح له بفهمها ؟

في تلك المسافة بين الخوف والمعرفة وُلد جانب كبير من فلكلور الطاعون.

وربما تكون هذه هي الصلة الأعمق بين الوباء والماورائيات: ليس أن قوة خارقة كانت وراء المرض، بل أن المجهول حين يهدد حياة الإنسان يدفعه إلى ملء الفراغ بقصة.

وأحياناً تبقى القصة حيّة… بعد أن ينتهي الوباء نفسه.