ماذا يفعل المعالج النفسي عندما يجلس أمامه شخص ويقول بثقة: "رأيت شبحاً"  أو "سمعت صوت شخص ميت" أو "شعرت أنني خرجت من جسدي" ؟

هل يخبره فوراً أن ما حدث مجرد هلوسة ؟ وهل يوافقه على أن ما رآه كان كياناً خارقاً بالفعل ؟

كتاب جديد صدر هذا الشهر يقترح طريقاً ثالثاً: لا تبدأ بالحكم على حقيقة التجربة، بل ابدأ بما فعلته التجربة بصاحبها.

الكتاب يحمل عنوان "التجارب الخارقة وغير المألوفة في العلاج النفسي: دليل للممارس"  Paranormal and Anomalous Experiences in Therapy: A Practitioner’s Guide، وألفه أستاذا الإرشاد النفسي ستيف إف باين  Steve F. Bain وكريستوفر .ك غارزا Kristopher K. Garza، وصدر عن دار Routledge الأكاديمية.

عندما تدخل الأشباح غرفة العلاج

يتعامل المعالجون النفسيون أحياناً مع أشخاص يروون تجارب يصعب وضعها بسهولة في خانة واحدة: رؤية أشخاص متوفين، الإحساس بحضور غير مرئي، سماع أصوات غامضة، التخاطر، الأحلام الجلية ، تجارب الاقتراب من الموت أو الخروج من الجسد.

بعض هذه التجارب قد تكون مرتبطة بالنوم أو الحزن أو الصدمات النفسية أو حالات صحية وعصبية معروفة، وبعضها يبقى بالنسبة لصاحبه تجربة غامضة لا يجد لها تفسيراً مقنعاً.

لكن المشكلة تبدأ عندما يشعر الشخص أن مجرد الحديث عنها سيجعله موضع سخرية، أو سيؤدي إلى اعتباره مضطرباً نفسياً بصورة تلقائية ، وهنا يحاول الكتاب تغيير طريقة التعامل مع هذه الروايات.

لا تصدق.. ولا تسخر

الفكرة الأساسية بسيطة: ليس مطلوباً من المعالج أن يقرر هل "الشبح موجود فعلاً" أو هل حدث التخاطر حقاً.

المهم أولاً معرفة تأثير التجربة في الإنسان.

هل جعلته خائفاً من النوم ؟ هل أصبحت تراوده باستمرار ؟ هل فقد شخصاً عزيزاً ثم بدأ يشعر بوجوده حوله ؟ هل منحته التجربة شعوراً بالسلام، أم جعلته يعيش في قلق وعزلة ؟

ويقترح المؤلفان أن يضع المعالج معتقداته الشخصية جانباً مؤقتاً، سواء كان يؤمن بالظواهر الخارقة أم يرفضها، حتى يستطيع الاستماع إلى ما يقوله الشخص من دون أن يفرض عليه تفسيراً جاهزاً.

وهذا لا يعني قبول الادعاء الماورائي كحقيقة.

فالقول للمريض: "نعم، روح ميت أو جن تزورك" قد يكون غير مسؤول بقدر عدم المسؤولية في السخرية منه أو القول منذ اللحظة الأولى إن كل ما حدث وهم.

الثقافة تغير معنى التجربة

يلفت الكتاب أيضاً إلى نقطة مهمة كثيراً ما تُهمل: "التجربة نفسها قد تحمل معاني مختلفة تماماً من ثقافة إلى أخرى.

شخص في ثقافة معينة قد يفسر الإحساس بحضور شخص متوفى باعتباره جزءاً طبيعياً من الحداد، بينما يراه شخص آخر اتصالاً روحياً، وفي بيئات أخرى قد يُفسَّر سماع صوت أو الشعور بوجود كيان من خلال معتقدات الجن أو الأرواح أو السحر ، إقرأ المزيد في إضطرابات الثقافة والمعتقد وأثرها على الماورائيات .

ولهذا فإن فصل التجربة عن خلفية الإنسان الدينية والثقافية قد يؤدي إلى سوء فهمها.

ويتضمن الكتاب فصولاً كاملة عن العلاقة بين المعتقد الديني والتجارب الخارقة، وعن الحزن والصدمات النفسية، إضافة إلى قصص واقعية نقلها معالجون وعملاؤهم.

طريقة للتعامل مع "المجهول"

يقدم المؤلفان أيضاً أسلوباً أطلقا عليه طريقة G.H.O.S.T. Method  وهو إطار يساعد المعالج على الاستماع إلى التجربة الغريبة وفهمها من دون القفز مباشرة إلى تصديقها أو إنكارها.

فالهدف ليس إثبات وجود الأشباح داخل العيادة، وإنما إعطاء الشخص مساحة يستطيع فيها الحديث عما مر به بأمان، ثم البحث عما إذا كانت التجربة مرتبطة بالحزن أو الخوف أو الصدمة أو القلق، أو أنها تجربة غير مألوفة لا تسبب اضطراباً في حياته أصلاً.

والتمييز هنا مهم؛ فليست كل تجربة غريبة علامة على مرض نفسي، كما أن وصف الشخص لتجربة "خارقة" لا يعني تلقائياً أن تفسيره لها صحيح.

تجربة حقيقية.. أم تفسير حقيقي ؟

يمكن أن تكون التجربة حقيقية تماماً بالنسبة إلى الإنسان الذي عاشها من حيث ما رآه وشعر به وتذكره، بينما يبقى تفسير سببها سؤالاً آخر.

قد يكون السبب متعلقاً بآليات الدماغ أو النوم أو الحزن أو الإدراك، وقد توجد عوامل لم ينتبه إليها الشخص، وقد تبقى بعض الحالات غير واضحة أو ناجمة عن عوامل فيزيائية وكيماوية في البيئة المحيطة ، أما إثبات أن التجربة ناتجة عن كيان أو قوة ماورائية فيحتاج إلى نوع مختلف تماماً من الأدلة.

الكتاب لا يدعي تقديم هذا الإثبات، ولا يحاول حسم الجدل القديم حول الأشباح أو التخاطر أو الخروج من الجسد ، بل يعترف بشيء أبسط: البشر يخبرون المعالجين بهذه التجارب بالفعل، وتأثيرها النفسي حقيقي مهما كان تفسيرها النهائي.

الماورائيات تدخل الحوار النفسي

ربما تكون أهمية الكتاب في مجرد صدوره عن دار أكاديمية متخصصة، وتوجيهه إلى المعالجين والمستشارين والعاملين في الصحة النفسية ، فبدلاً من وضع التجارب الخارقة خارج الحوار تماماً، يقترح التعامل معها باعتبارها جزءاً من خبرة الإنسان بالوعي والإدراك والخوف والموت والفقدان ، ولا يعني ذلك أن علم النفس أصبح يعترف بالأشباح أو التخاطر كحقائق مثبتة ، لكنه يعني أن سؤالاً كان يُقابل أحياناً بالسخرية بدأ يأخذ شكلاً أكثر جدية:

إذا أخبرك إنسان أنه واجه شيئاً لا يستطيع تفسيره، فهل ينبغي أن يكون السؤال الأول: "هل حدث ذلك حقاً ؟" أم "ماذا حدث لك بعد أن عشته ؟ "