في الليالي الماطرة فوق غابة إل يونكي، يمكن للضباب الكثيف أن يبتلع قمم الجبال خلال دقائق، بينما تتردد أصوات الضفادع والطيور بين الأشجار كأنها آتية من مكان غير مرئي. وفي مثل هذا المشهد، ليس غريباً أن يتحدث بعض السكان والزوار عن أضواء تظهر فوق الغابة، وأشكال تتحرك بين النباتات، وأصوات لا يعرفون مصدرها.
لكن ألغاز بورتوريكو لا تعيش في الغابة وحدها. فإلى جوار تلك الجبال أُقيمت قواعد عسكرية ومطارات ومنشآت رادار، وفي مياهها طاردت مقاتلة أميركية جسماً مثلثاً مجهولاً، بينما ظهرت في بلداتها قصص حيوانات عُثر عليها نافقة في ظروف غريبة، وصولاً إلى ولادة واحد من أشهر الوحوش في الثقافة الحديثة: التشوباكابرا.
بعض هذه الحكايات ينتمي بوضوح إلى الفلكلور، وبعضها الآخر صنعته الصحافة والمخيلة الشعبية، لكن بينها أيضاً حوادث وصلت إلى الرادارات والتقارير العسكرية والتسجيلات الحرارية الرسمية. وهذا التداخل بين الأسطورة والوثيقة هو ما جعل بورتوريكو واحدة من أكثر بقاع الكاريبي حضوراً في عالم الظواهر الغامضة.
جزيرة صغيرة بطبقات كثيرة من الغموض
تقع بورتوريكو في شمال شرق البحر الكاريبي، بين المحيط الأطلسي والبحر الكاريبي، وهي إقليم تابع للولايات المتحدة وليست دولة مستقلة، وقد منحها موقعها أهمية استراتيجية كبيرة، خصوصاً لقربها من طرق الملاحة المؤدية إلى قناة بنما ومنطقة أميركا اللاتينية.
إلا أن سمعتها الغامضة أقدم بكثير من الوجود العسكري الأميركي، فقد تعاقبت على الجزيرة معتقدات شعب التاينو الأصلي، ثم الموروث الإسباني والأفريقي، قبل أن تظهر خلال القرن العشرين ثقافة جديدة مشبعة بأخبار الأجسام الطائرة والتجارب العسكرية والكائنات المجهولة.
وهكذا أصبح من الصعب أحياناً فصل الأسطورة القديمة عن المخاوف الحديثة؛ إذ يمكن للضوء الذي اعتُبر في الماضي روحاً هائمة أن يتحول اليوم إلى مركبة فضائية، ويمكن لكائن الفلكلور الصغير أن يعاد تفسيره بوصفه مخلوقاً قادماً من خارج الأرض.
أرواح التاينو التي تخرج ليلاً
احتلت الجبال والغابات مكانة روحية مهمة لدى شعب التاينو Taíno، سكان جزر الأنتيل قبل وصول الإسبان ، وترتبط منطقة إل يونكي في التراث المحلي بالإله يوكاهو Yúcahu المرتبط بالحياة والطبيعة والكسافا، وهي من أهم المحاصيل في ثقافة التاينو.
ولم يكن عالم الموتى عندهم منفصلاً تماماً عن عالم الأحياء، فقد آمنوا بأرواح تدعى هوبيا Hupia وهي أرواح الموتى التي تغادر عالمها ليلاً وتتجول بين البشر. وكانت تلك الأرواح، وفق الروايات التي وصلت عن معتقداتهم، قادرة على اتخاذ هيئة بشرية، لكن يمكن تمييزها عن الأحياء لأنها لا تحمل سُرّة في بطنها.
وقيل إن الهوبيا تخرج تحت جنح الظلام لتأكل ثمار الجوافة وتخالط الأحياء، ولذلك كان الليل والغابات والكهوف يحمل دلالات خاصة في تصور التاينو للعالم الآخر. ولا يعني ذلك أن القصص الحديثة عن الكائنات في إل يونكي استمرار مباشر لهذه المعتقدات، لكن حضور الأرواح في المخيلة المحلية سبق عصر الأجسام الطائرة بقرون طويلة.
ومع الاستعمار الإسباني ظهرت حكايات الدويندي Duende، وهي مخلوقات صغيرة ماكرة تسكن الغابات والأماكن النائية، وتضلل المسافرين أو تصدر أصواتاً غريبة لتجعلهم يفقدون طريقهم. وتنتمي هذه الكائنات إلى الموروث الإسباني والأميركي اللاتيني اللاحق، ولا ينبغي الخلط بينها وبين أرواح التاينو الأصلية.
إل يونكي: أضواء داخل الضباب
تُعد غابة إل يونكي الوطنية El Yunque الغابة الاستوائية المطيرة الوحيدة ضمن منظومة الغابات الوطنية الأميركية، وهي منطقة شديدة الكثافة النباتية، تتلقى كميات هائلة من الأمطار، وتغطي السحب والضباب قممها المرتفعة في أوقات كثيرة من السنة.
ساهمت طبيعة المكان في ولادة روايات عن أضواء متوهجة تظهر فوق الأشجار، أو تتحرك بصمت بمحاذاة قمم الجبال، ثم تغير اتجاهها أو تختفي داخل الضباب، كما تتحدث حكايات أخرى عن أشكال شبيهة بالبشر شوهدت للحظات بين النباتات قبل أن تتوارى في الغابة.
وتذهب بعض نظريات الأجسام الطائرة إلى أبعد من ذلك، فتزعم وجود منشأة سرية أو قاعدة تحت الأرض في إل يونكي، أو ممرات تربط الجبال بالمنشآت العسكرية القريبة. غير أنه لا توجد أدلة موثوقة تثبت وجود مثل هذه القاعدة، كما أن معظم روايات الأضواء لا تقدم أسماء واضحة للشهود أو صوراً أصلية أو بيانات تسمح بالتحقق منها.
وتتداول كتابات حديثة قصة متنزهين قيل إنهم شاهدوا كائنات غريبة في الضباب خلال سبعينيات القرن العشرين، وأخرى تزعم التقاط صور لكائنات بشرية صغيرة قرب جبل بريتون سنة 1992 ،لكن هذه الادعاءات تفتقر إلى مصادر مستقلة، ولم تظهر الصور المزعومة في أرشيف يمكن فحصه، لذلك تبقى جزءاً من الفلكلور الحديث المحيط بالغابة، لا حوادث موثقة يمكن اعتمادها كدليل.
وقد تكون بعض الأضواء طائرات أو مروحيات أو ظواهر جوية، ولا سيما أن المنطقة تقع بالقرب من مطارات ومنشآت عسكرية، لكن افتقار كثير من المشاهدات إلى التفاصيل أبقاها مفتوحة أمام الخيال، وحوّل إل يونكي إلى المكان المثالي لالتقاء الأسطورة القديمة بمخاوف العصر الحديث.
القاعدة العسكرية المجاورة للغابة
على الساحل الشرقي لبورتوريكو، بالقرب من إل يونكي، تقع قاعدة روزفلت رودز البحرية Roosevelt Roads التي أنشأتها الولايات المتحدة خلال الحرب العالمية الثانية، وقد ضمت القاعدة مطاراً كبيراً وميناءً عميقاً ومنشآت عسكرية جعلتها مركزاً مهماً للعمليات الأميركية في البحر الكاريبي.
أغلقت البحرية القاعدة رسمياً في مارس 2004، لكن القوات والطائرات الأميركية عادت إلى استخدام بعض مرافقها سنة 2025 مع تصاعد التوترات الإقليمية، وقد ساهمت مشاهدة المقاتلات والمروحيات والطائرات العسكرية حول المنطقة في إحياء النظريات القديمة عن الأضواء الغامضة والأسرار المخفية قرب إل يونكي.
ومع ذلك، لا يوجد دليل يربط القاعدة بمخلوقات مجهولة أو مركبات من خارج الأرض، وربما يفسر النشاط العسكري بعض المشاهدات، لكنه في الوقت نفسه يغذي الشكوك؛ فكلما ظهرت طائرة غير مألوفة أو أُغلقت منطقة أمام المدنيين، وجد أصحاب نظريات المؤامرة سبباً جديداً للاعتقاد بأن شيئاً سرياً يحدث خلف الأسوار.
فييكس: السر العسكري الحقيقي
إذا كانت القواعد الفضائية المزعومة في إل يونكي تفتقر إلى الدليل، فإن التاريخ العسكري لجزيرة فييكس Vieques لا يحتاج إلى خيال كي يبدو قاتماً.
فعلى مدى أكثر من ستين عاماً استخدمت البحرية الأميركية أجزاء واسعة من الجزيرة في تدريبات القصف بالذخيرة الحية واختبارات المدفعية وعمليات الإنزال العسكري، توقفت تدريبات الذخيرة الحية سنة 2001 وانتهت جميع تدريبات البحرية فيها سنة 2003، لكن آثارها لم تختفِ.
تركت العمليات العسكرية ذخائر غير منفجرة ومواد ملوثة في اليابسة والمياه المحيطة، وأُدرجت مناطق من فييكس ضمن برنامج Superfund الأميركي المخصص لتنظيف المواقع شديدة التلوث. ولا تزال عمليات إزالة الذخائر ومعالجة البيئة مستمرة.
هذا التاريخ الحقيقي من النشاط العسكري والمناطق المحظورة يفسر جزئياً ازدهار الشائعات، فعندما يعيش السكان عقوداً إلى جوار عمليات لا يعرفون تفاصيلها، تصبح الأضواء الليلية والانفجارات والطائرات الغريبة مادة طبيعية لنظريات أكثر غرابة. لكن لا يوجد حتى الآن دليل مباشر يربط ما حدث في فييكس بتقارير الأجسام الطائرة أو الكائنات المجهولة.
الجسم الذي تفوق تماماً على مقاتلة أميركية
وقعت إحدى أقوى حوادث بورتوريكو الجوية في نوفمبر 1964 ولم تعتمد على شهادة شخص منفرد بل وصلت إلى رادارات سفينة حربية ومقاتلة أميركية ووثائق عسكرية.
خلال ليالي 16 و17 و18 و19 و24 نوفمبر، بدأت رادارات المدمرة الأميركية USS Gyatt ترصد هدفاً جوياً مجهولاً شمال بورتوريكو، كان الجسم يظهر بسرعات وارتفاعات مختلفة ثم يختفي قبل أن تتمكن الطائرات من اعتراضه.
في ليلة 19 نوفمبر التقطت المدمرة الهدف مجدداً على مسافة تقارب ستين ميلاً بحرياً شمال الجزيرة، وكان يتجه نحوها بسرعة تفوق سرعة الصوت، ولحسن حظ المراقبين كانت مقاتلة من طراز F-8 Crusader تابعة لقاعدة روزفلت رودز تحلق في المنطقة، فأُمرت بمحاولة اعتراضه.
كان يقود المقاتلة المقدم البحري كايل هـ. وودبيري Kyle H. Woodbury وهو طيار وصفته التقارير العسكرية بأنه موثوق ويتمتع بخبرة واسعة في الطائرات النفاثة وعندما كان على ارتفاع يقارب 35 ألف قدم تمكن من رؤية الهدف في طقس صافٍ وتحت ضوء القمر.
وصف وودبري جسماً داكناً، مثلث الشكل أو شبيهاً بجناح دلتا، يبلغ طوله نحو ستين قدماً، لم تكن عليه أضواء واضحة، لكنه أطلق من مؤخرته وهجاً واحداً يشبه مخروطاً من النار عندما بدأ بالتسارع.
تحرك الجسم بمحاذاة المقاتلة، ثم غيّر مساره مراراً. شغّل وودبري الحارق اللاحق وارتفع إلى خمسين ألف قدم محاولاً تقليص المسافة، لكنه عندما اقترب إلى نحو خمسة أميال انطلق الهدف بسرعة هائلة وصعد بزاوية حادة حتى اختفى. ونُقل عن الطيار قوله إن مقاتلته كانت أمامه "متفوقاً عليها تماماً".
سجل رادار المدمرة جزءاً من المطاردة، والتُقطت صور لشاشاته، ثم أُرسلت التقارير إلى قيادات عسكرية عدة وإلى الجهات المرتبطة بمشروع الكتاب الأزرق Project Blue Book، البرنامج الذي كانت القوات الجوية تستخدمه للتحقيق في بلاغات الأجسام الطائرة.
غير أن النتيجة الرسمية كانت أكثر تعقيداً مما ترويه كتب الأجسام الغريبة، فقد خلص مدير المشروع إلى أن الهدف كان طائرة مؤكدة مجهولة النوع أو المصدر، واعتبر أن بعض تقديرات السرعة الواردة في التقرير الأولي كانت خاطئة، أي أن القضية لم تُصنف رسمياً مركبة فضائية أو جسماً خارقاً، لكن هوية الطائرة التي ظهرت على الرادار وتفوقت على المقاتلة لم تُحدد في الوثائق الباقية.
وهنا يكمن اللغز الحقيقي: لم تثبت الحادثة زيارة كائنات فضائية، لكنها وثقت وجود هدف جوي مجهول شاهده طيار ورصدته أجهزة عسكرية على مدى عدة ليالٍ، من دون أن يظهر تفسير حاسم لأصله.
مصاص دماء موكا
بعد أحد عشر عاماً من حادثة المدمرة، انتقل الغموض من السماء إلى مزارع بلدة موكا Moca في غرب بورتوريكو.
في سنة 1975 بدأ السكان يعثرون على أبقار وماعز وطيور وحيوانات أخرى نافقة، تحمل أجسادها جروحاً أو ثقوباً دائرية، وقيل إن بعض الجثث بدت كأن دماءها سُحبت منها، فأطلقت الصحافة على الفاعل المجهول اسم:
مصاص دماء موكا El Vampiro de Moca
قدمت الصحف تفسيرات متعددة، من حيوان مفترس غير معروف إلى جماعة تمارس طقوساً شيطانية، وربطت بعض التغطيات بين نفوق الحيوانات وأضواء وأجسام غريبة شوهدت في السماء، كما ظهرت روايات عن أشكال مجنحة أو كائنات شبيهة بالبشر تتجول في المناطق الريفية ليلاً.
كان لصحيفة إل فوكيرو El Vocero ومراسلها في موكا أوغستو فال ساليناس Augusto Vale Salinas دور كبير في نشر القصة، واتهمهما بعض الصحافيين والمؤرخين بالمبالغة وإثارة الذعر، وانتشرت أيضاً ادعاءات عن رصد مستويات غير طبيعية من الإشعاع في إحدى المزارع، قبل أن تشكك مصادر أخرى في صحتها.
ولم تثبت فحوص تشريحية موثوقة أن الحيوانات كانت مستنزفة من الدم، كما لم يُعثر على مخلوق مجهول أو مشتبه به يمكن ربطه بالحوادث. وبعد نحو ستة أشهر تراجعت البلاغات، لكن مصاص دماء موكا لم يختفِ تماماً؛ فقد مهّد الطريق لوحش آخر سيظهر بعد عشرين عاماً.
ولادة التشوباكابرا
في سنة 1995 عادت الحيوانات النافقة ذات الثقوب الغريبة إلى عناوين الصحف البورتوريكية، وفي مارس من ذلك العام عُثر على ثمانية خراف ميتة، وقيل إن كلاً منها يحمل ثلاثة جروح في منطقة الصدر وإن أجسادها خلت من الدم.
ثم جاءت الشهادة التي منحت المهاجم وجهاً، ففي بلدة كانوفاناس Canóvanas قالت امرأة تدعى مادلين تولنتينو Madelyne Tolentino إنها شاهدت مخلوقاً قائماً على قدمين، بعينين كبيرتين ومخالب وأشواك تمتد على ظهره، ومع تزايد البلاغات عن نفوق الحيوانات أطلق المذيع والكوميدي سيلفيريو بيريز Silverio Pérez على الكائن اسم تشوباكابرا Chupacabra، أي "ماصّ الماعز".
تحول التشوباكابرا سريعاً إلى ظاهرة عالمية، وانتقلت أخباره من بورتوريكو إلى المكسيك وأميركا الجنوبية والولايات المتحدة، ثم أعادت البرامج التلفزيونية والأفلام والإنترنت تشكيل صورته مرات عديدة.
غير أن تحقيقاً استمر خمس سنوات أجراه الباحث المتشكك بنجامين رادفورد Benjamin Radford أثار احتمالاً مختلفاً، فقد لاحظ تشابهاً كبيراً بين وصف تولينتينو والمخلوق الأنثوي في فيلم الخيال العلمي والرعب Species الصادر سنة 1995 وتأكد أن الشاهدة كانت قد شاهدت الفيلم قبل تقديم وصفها، ورأى رادفورد أن صورتها الذهنية تأثرت على الأرجح بالمخلوق السينمائي.
أما الجثث التي قُدمت في الولايات المتحدة لاحقاً باعتبارها تشوباكابرا، فقد أظهرت تحاليل الحمض النووي في حالات متعددة أنها كلاب أو ذئاب برية مصابة بالجرب وهو مرض يؤدي إلى تساقط الشعر ويمنح الحيوان مظهراً مخيفاً وغير مألوف.
لكن هذه التفسيرات لم تقضِ على الأسطورة، فالتشوباكابرا البورتوريكي الأصلي لم يكن شبيهاً بكلب أجرب، بل كائناً منتصباً ذا أشواك، ولم يُعثر على جثة مطابقة لذلك الوصف، وهكذا بقي الوحش حياً في الثقافة الشعبية، حتى لو لم يثبت وجوده في الطبيعة.
جسم أغواديا الذي بدا كأنه دخل البحر
في 26 أبريل 2013 أقلعت طائرة تابعة للجمارك وحماية الحدود الأميركية قرب مطار رفائيل هيرنانديز Rafael Hernández في مدينة أغواديّا Aguadilla، وأثناء الرحلة التقط جهاز التصوير الحراري جسماً مجهولاً يتحرك فوق المنطقة.
ظهر الجسم في التسجيل وكأنه يطير بسرعة كبيرة، ثم يمر قرب الساحل ويدخل الماء من دون أن يبطئ، وفي نهاية المقطع بدا كأنه انقسم إلى جسمين، أدى تسريب التسجيل إلى اعتباره واحداً من أهم مقاطع الأجسام الطائرة المجهولة ولا سيما أن مصدره طائرة حكومية مزودة بمعدات مراقبة متطورة.
لكن مكتب البنتاغون المختص بالظواهر الشاذة AARO أعاد تحليل التسجيل، وأعلن في تقرير صدر سنة 2025 أن الجسمين لم يُظهرا سرعة أو حركة خارقة، وخلص بدرجة ثقة متوسطة إلى أنهما كانا على الأرجح فانوسين سماويين ينجرفان مع اتجاه الرياح.
ووفق التحليل، جعلت حركة طائرة التصوير الجسمين يبدوان أسرع مما كانا عليه، بينما أخفى تداخلهما الحراري حقيقة أنهما منفصلان منذ البداية، كما أن اختفاءهما المؤقت خلف تضاريس الساحل خلق وهماً بأنهما دخلا البحر ثم خرجا منه.
تقدم حادثة أغواديا مثالاً مهماً على الفرق بين الجسم "المجهول" والجسم "الخارق"، فقد كان التسجيل حقيقياً ومصدره رسمياً، وكان ما ظهر فيه مجهولاً لسنوات، لكن ذلك لم يكن دليلاً تلقائياً على مركبة فضائية أو قدرة تتحدى قوانين الفيزياء.
حارس ابتلعه الليل
ولا تقتصر ماورائيات بورتوريكو على الغابات والوحوش والأجسام الجوية، ففي سان خوان القديمة تقف حجرة مراقبة صغيرة تعرف باسم برج حراسة الشيطان La Garita del Diablo
تروي الأسطورة أن جندياً إسبانياً يدعى سانشيز كان يحرس الساحل ليلاً، وعندما ناداه الجنود من الأبراج المجاورة لم يجب، وفي الصباح وجدوا الحجرة خالية، من دون أثر لمعركة أو سقوط في البحر، فانتشرت شائعة تقول إن الشيطان خرج من الظلام واختطفه.
لكن النسخة الأقل رعباً تروي أن سانشيز كان يحب فتاة تدعى دينا، وأنهما استغلا خوف الجنود من الموقع النائي وهربا معاً، وهكذا ربما كان "الاختفاء الخارق" مجرد قصة اخترعها الهاربون أو رفاقهم لإخفاء علاقة ممنوعة، ومع ذلك بقي الاسم والأسطورة، بينما ضاعت الحقيقة بين نسختين: شيطان ابتلع الحارس، أو عاشق فرّ من خدمته العسكرية.
لماذا بورتوريكو ؟
لا تتميز بورتوريكو بوجود لغز واحد يفوق جميع الألغاز، بل بتراكم طبقات مختلفة من الغموض في مساحة محدودة: معتقدات قديمة عن أرواح الموتى، وغابة مبللة بالضباب، وقواعد ومناطق عسكرية مغلقة، ومشاهدات رادارية، وحيوانات نافقة، ووحوش صنعتها الصحافة، وتسجيلات رسمية بدت خارقة قبل أن تجد تفسيراً محتملاً.
بعض هذه القصص تؤيده وثائق تثبت وقوع الرصد أو تقديم البلاغ، وبعضها حفظته الروايات الشفوية، بينما يفتقر كثير منها إلى الأدلة اللازمة للوصول إلى إجابة نهائية، والوثيقة الرسمية لا تثبت بالضرورة التفسير الماورائي؛ فقد توثق أن طياراً شاهد جسماً، لكنها لا تثبت أن الجسم جاء من الفضاء.
ومع ذلك، يصعب تجاهل هذا التراكم الغريب: أرواح الهوبيا التي تخرج ليلاً، وأضواء إل يونكي، والجسم المثلث الذي طاردته مقاتلة أميركية، ومصاص دماء موكا، ثم التشوباكابرا الذي تحول إلى أشهر وحوش أميركا اللاتينية.
ربما لا تقدم الجزيرة دليلاً على وجود وحوش مجهولة أو زوار من عوالم أخرى، لكنها تقدم سجلاً فريداً تتداخل فيه الوقائع العسكرية والمخاوف الشعبية والأساطير القديمة، إلى درجة يصعب معها أحياناً معرفة أين تنتهي الحقيقة وأين يبدأ الخيال.
ولهذا لا تزال بورتوريكو واحدة من أكثر بقاع الكاريبي إثارة للغموض؛ لا لأنها تمنحنا الأجوبة، بل لأنها لا تتوقف عن طرح الأسئلة.