منذ أن بدأ الإنسان يعي نفسه، ربما لم يطارده سؤال أعمق من هذا: لماذا أنا هنا ؟
ليس السؤال عن كيفية ظهور الإنسان، فهذا مجال يمكن للعلم أن يبحث فيه عبر البيولوجيا والتطور وتاريخ الكون، بل السؤال الآخر الذي لا تستطيع المعادلات وحدها حسمه: هل كان لوجودنا قصد ؟ هل جئنا إلى الحياة لتحقيق شيء معين ؟ أم أننا ظهرنا في كون صامت ثم بدأنا نحن نبحث عن معنى لما حدث ؟
ربما لهذا السبب تبدو عبارة "جئنا هنا لغاية" We came here on purpose جذابة إلى هذا الحد، فهي تفترض ضمناً أن وراء وجودنا غاية، وأن الحياة ليست مجرد سلسلة عشوائية تبدأ بالولادة وتنتهي بالموت.
لكن البشرية لم تتفق أبداً على ماهية تلك الغاية، بل إن بعض الفلسفات شككت منذ البداية في وجودها أصلاً، وبين العبادة والتحرر والفضيلة والسعادة وصناعة المعنى، رسم الإنسان عبر آلاف السنين خرائط مختلفة للإجابة عن السؤال ذاته.
لم نُخلق عبثاً
في الأديان التوحيدية يظهر معنى الوجود مرتبطاً بخالق سابق للإنسان وللكون، ولذلك فالغاية ليست شيئاً يخترعه الإنسان، بل حقيقة ينبغي أن يكتشفها ويعيش وفقها.
في الإسلام تأتي إحدى أكثر الإجابات وضوحاً في القرآن: « وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون » ، لكن مفهوم العبادة هنا يتجاوز أداء الشعائر وحدها إلى علاقة أوسع بين الإنسان وخالقه، وإلى حياة يفترض أن تحمل معنى أخلاقياً وروحياً ،وتأتي آية أخرى لتضيف بعداً مختلفاً: " الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملاً".
الحياة إذن ليست مجرد وجود، بل اختبار، نحن نعيش في عالم يسمح بالاختيار بين مسارات مختلفة، ويصبح للعمل والنية والمسؤولية معنى يتجاوز نتائجهما المباشرة.
كما أن وصف الإنسان بأنه "خليفة في الأرض" فتح عبر التراث الإسلامي باباً واسعاً لفكرة المسؤولية: الإنسان ليس متفرجاً على العالم، بل مشارك فيه، يتحمل نتائج ما يصنعه بنفسه وبغيره وبالبيئة التي يعيش فيها ،وهكذا يمكن النظر إلى الرؤية الإسلامية للوجود عبر ثلاثة محاور مترابطة: عبادة الخالق، اختبار الإنسان، ومسؤوليته في الأرض، ولا تصبح الغاية هنا مسألة شخصية فقط، بل جزءاً من قصة كونية أوسع تمتد إلى ما بعد الموت.
أن تعرف الله وتقترب منه
في المسيحية أيضاً لا يبدأ معنى الحياة من الإنسان نفسه ، إذ يرى التقليد المسيحي أن الإنسان خُلق لله، وأن اكتماله النهائي يتحقق في معرفته ومحبته والاتحاد به ، ومن أشهر العبارات التي لخصت هذه الفكرة ما ورد في تعليم وستمنستر المسيحي في القرن السابع عشر، والذي جعل الغاية العليا للإنسان أن يمجّد الله ويتمتع به إلى الأبد، والمثير هنا أن الغاية لا تصاغ باعتبارها تكليفاً فقط، بل باعتبارها علاقة أيضاً، فالإنسان، وفق هذه الرؤية، لا يبلغ غايته بمجرد طاعة مجموعة من القواعد، وإنما من خلال التحول الداخلي والمحبة والخلاص، وصولاً إلى علاقة أعمق مع الله ، وبهذا تصبح الحياة رحلة عودة إلى المصدر الذي خرج منه الإنسان.
ماذا لو كانت الغاية أن تقوم بدورك ؟
في اليهودية نجد تركيزاً قوياً على العهد والوصايا والسلوك الأخلاقي، وربما يكون السؤال العملي "كيف ينبغي أن أعيش ؟" أكثر حضوراً من السؤال التجريدي "لماذا وُجدت ؟" ، في سفر الجامعة، بعد رحلة طويلة من التأمل في الثروة والعمل والمتعة والزمن والموت، تأتي الخلاصة: " اتق الله واحفظ وصاياه" ، وفي الأدبيات الحاخامية تظهر فكرة جميلة في كتاب أقوال الآباء: " ليس عليك أن تتم العمل، ولكنك لست حراً في التخلي عنه"، وفي هذه العبارة تصور مختلف قليلاً للغاية.
قد لا يعرف الإنسان الصورة الكاملة، وقد لا يستطيع تغيير العالم كله، لكنه يظل مسؤولاً عن الجزء الذي يقع أمامه، وكأن الغاية ليست دائماً معرفة السر العظيم للكون، بل أن تقوم بما تستطيع داخل المساحة التي منحت لك.
أفكار طيبة، كلمات طيبة، أفعال طيبة
في بلاد فارس القديمة تظهر الزرادشتية بتصور آخر مثير للغاية، العالم في الفكر الزرادشتي مرتبط بصراع أخلاقي بين الحقيقة والنظام من جهة، والكذب والفوضى من جهة أخرى، وهنا لا يكون الإنسان مجرد مراقب لهذا الصراع، بل مشاركاً فيه، وقد اختزل التقليد الزرادشتي الطريق الأخلاقي في ثلاثية شهيرة:
أفكار طيبة، كلمات طيبة، أفعال طيبة.
كل اختيار نقوم به، وفق هذا التصور، يضيف شيئاً إلى جانب الخير أو إلى الجانب المقابل، وإذا اختصرنا هذه الفكرة بأبسط شكل ممكن فإنها تقول:
ربما جئت إلى هنا لكي تجعل العالم أفضل مما وجدته.
حياة كاملة قبل التحرر منها
في الفكر الهندوسي لا توجد إجابة واحدة موحدة، لأن المدارس والتقاليد متعددة، لكن أحد أشهر التصورات يتحدث عن أربعة أهداف للحياة الإنسانية.
هناك الدارما Dharma: الواجب والنظام الأخلاقي والطريق الصحيح، ثم أرثا Artha المرتبطة بالرخاء والوسائل المادية الضرورية للحياة، وكاما Kama المتعلقة بالرغبة والحب والمتعة، وأخيراً موكشا Moksha أي التحرر من دورة الولادة والموت.
وهذه رؤية لافتة لأنها لا تعتبر الحياة الدنيوية خطأ ينبغي الهروب منه فوراً، يمكن للإنسان أن يعمل ويحب ويكوّن أسرة ويسعى إلى الرخاء، لكن تلك الأشياء ليست النهاية الأخيرة، فبعدها يبقى سؤال أعمق: هل يستطيع الإنسان التحرر من التعلق ومن دورة الوجود نفسها ؟
وفي البهاغافاد غيتا نجد فكرة مؤثرة: على الإنسان أن يقوم بعمله، لكن من دون أن يصبح عبداً لثمرة ذلك العمل، فالإنسان يفعل ما ينبغي عليه فعله، بينما يتعلم تدريجياً ألا يجعل قيمته كلها متوقفة على النجاح أو الخسارة، وهنا تصبح الغاية ليست فقط تحقيق شيء بل أيضاً التحرر من التعلق بما نحققه.
البوذية تغير السؤال
تذهب البوذية أبعد من ذلك، فهي لا تبدأ عادة بالسؤال: من خلق الإنسان ولماذا ؟ بل تبدأ من حقيقة أكثر مباشرة: هناك معاناة.
نولد ونكبر، نفقد ما نحب، نمرض، نشيخ، ونعيش مع رغبات لا تنتهي، وحتى عندما نحصل على ما نريده، فإن سعادتنا به لا تستمر إلى الأبد ، لهذا يصبح السؤال المركزي في البوذية ليس "لماذا جئنا ؟"، بل: لماذا نعاني ؟ وهل يمكن التحرر من هذه المعاناة ؟
ومن هنا تأتي التعاليم عن التعلق والرغبة والجهل، وصولاً إلى النيرفانا، أي التحرر، وهذه إجابة مختلفة جذرياً عن التصورات التي تجعل للحياة مهمة ينبغي إنجازها، فربما لا تكون الغاية أن تجمع المزيد أو تحقق المزيد أو تترك أثراً أكبر، بل أن تفهم طبيعة تعلقك بكل هذه الأشياء.
إنها فكرة تقلب الثقافة الحديثة رأساً على عقب، فبينما يخبرنا العالم المعاصر باستمرار أننا بحاجة إلى مزيد من المال والنجاح والتجارب والإنجازات، تسأل البوذية:
ماذا لو كان جزء من معاناتنا ناتجاً تحديداً عن اعتقادنا أننا بحاجة دائماً إلى المزيد ؟
ربما علينا ألا نقاوم النهر
تقدم الطاوية الصينية مزاجاً مختلفاً تماماً، فبدلاً من البحث المحموم عن المهمة الكبرى التي ينبغي إنجازها، يتحدث الفكر الطاوي عن الانسجام مع الطاو Dao أي الطريق أو المبدأ الذي تسير وفقه الأشياء.
ومن أهم مفاهيمه "وو وي" Wu Wei الذي يترجم أحياناً بـ"اللافعل"، لكنه لا يعني الكسل أو السلبية، وإنما الفعل غير المتكلف؛ ذلك الفعل الذي لا يحاول إجبار العالم باستمرار على أن يصبح كما نريد.
يمكن تشبيه الأمر بنهر ، قد يقضي الإنسان حياته محاولاً السباحة عكس التيار لأنه رسم في ذهنه صورة محددة لما يجب أن تكون عليه الحياة، بينما الحكمة في بعض الأحيان هي معرفة اتجاه الماء والتحرك معه.
ومن هنا يظهر احتمال غريب :
ماذا لو لم تكن المشكلة في أننا لم نجد غايتنا، وإنما في أننا مهووسون أصلاً بالعثور على غاية كبرى ؟
أرسطو: ما الذي يجعل الإنسان إنساناً ؟
مع الفلسفة اليونانية القديمة يغادر السؤال عالم الوحي الديني ويتجه نحو طبيعة الإنسان نفسه ، سأل أرسطو بصورة قريبة من الآتي:
" إذا كانت لكل أداة ولكل مهنة وظيفة، فهل للإنسان وظيفة تميزه أيضاً ؟"
وجد أن ما يميز الإنسان هو قدرته العقلية، ولذلك ربط الحياة الجيدة بممارسة العقل والفضيلة، وقد استخدم مفهوم يودايمونيا Eudaimonia الذي يترجم عادة إلى "السعادة" لكن معناه أوسع من الشعور المؤقت بالفرح، إنه أقرب إلى "الازدهار الإنساني"؛ أن تصبح أفضل صورة ممكنة مما تستطيع أن تكونه، وهكذا لا تصبح الغاية أن تشعر بالسعادة طوال الوقت، وإنما أن تحيا حياة جديرة بالإنسان، قد تتضمن تلك الحياة الألم والفشل والتضحيات، ومع ذلك يمكن أن تكون حياة ناجحة بالمعنى الأعمق.
الرواقيون: لن تسيطر على العالم
أما الرواقيون فقد لاحظوا حقيقة بسيطة لكنها قاسية:
معظم ما يحدث لنا لا يخضع لسيطرتنا، لا نختار مكان ولادتنا، ولا كل الظروف التي تواجهنا، ولا آراء الآخرين فينا، ولا نستطيع ضمان الصحة أو الثروة أو حتى طول العمر.
لكن هناك مساحة بقيت لنا: كيف نستجيب ؟
لذلك جعل الرواقيون الفضيلة والعقل جوهر الحياة الجيدة، ودعوا إلى "العيش وفق الطبيعة".
لا يعني ذلك ترك المدن والعودة إلى الغابات، بل أن يعيش الإنسان وفق العقل والنظام الذي ينتمي إليه، بدلاً من أن يربط سعادته بأشياء قد يفقدها في أية لحظة، وهكذا تتحول الغاية من السيطرة على العالم إلى السيطرة على الموقف الداخلي تجاهه.
أبيقور: ربما كانت الغاية أبسط مما نعتقد
غالباً ما يساء فهم أبيقور عندما يرتبط اسمه باللذة، لم يكن يدعو إلى حياة من الإفراط، وإنما رأى أن الإنسان يستطيع الوصول إلى حالة من الطمأنينة عندما يقلل رغباته ويتحرر من المخاوف غير الضرورية، وخاصة الخوف من الموت.
كان يبحث عن أتاراكسيا Ataraxia أي هدوء النفس وغياب الاضطراب، وهنا تظهر إجابة مدهشة لبساطتها:
"ربما لا تكون الغاية أن تصبح عظيماً أو خالداً في ذاكرة البشر، بل أن تتعلم كيف تعيش بسلام".
جاءت الوجودية لتقلب الطاولة
كل الرؤى السابقة تقريباً تفترض، بدرجات مختلفة، أن هناك شيئاً يمكن اكتشافه: نظاماً إلهياً، طبيعة بشرية، فضيلة، تحرراً، أو طريقاً كونياً، لكن في العصر الحديث ظهر اتجاه قال شيئاً أكثر راديكالية:
ماذا لو لم تكن هناك غاية جاهزة أصلاً ؟
من أشهر أفكار جان بول سارتر عبارة:
"الوجود يسبق الماهية".
فالسكين يصنعه الحرفي لغرض معين قبل أن يوجد، ولذلك تسبق فكرته وجوده.
لكن ماذا عن الإنسان ؟
وفق سارتر، نحن نأتي إلى العالم أولاً، ثم نصنع أنفسنا من خلال اختياراتنا.
لا توجد "نسخة حقيقية" من شخصيتنا مخبأة في مكان ما تنتظر اكتشافها، ولا تعليمات كونية تخبرنا من ينبغي أن نكون.
نحن نقرر ذلك بأفعالنا، وهنا تنقلب عبارة:
"جئنا هنا لغاية" We came here on purpose
إلى شيء قريب من:
جئنا هنا ثم صنعنا غايتنا
We came here, and then we created a purpose
كامو والكون الصامت
وضع ألبر كامو الإنسان أمام مشكلة أكثر إزعاجاً.
نحن كائنات تريد معنى، نريد أن نفهم لماذا ولدنا، ولماذا نموت، ولماذا تحدث المآسي، وما إذا كان لكل شيء سبب نهائي.
لكن الكون، كما يراه كامو، لا يعطينا جواباً واضحاً، ومن الصدام بين عطش الإنسان للمعنى وصمت العالم يولد "العبث"، لكن كامو لم ير أن النتيجة يجب أن تكون اليأس.
استخدم كامو أسطورة سيزيف، الرجل المحكوم عليه بدفع صخرة إلى قمة الجبل لتتدحرج في كل مرة، فيعود ويدفعها من جديد، قد لا تكون هناك نهاية تمنح العمل معنى نهائياً، ومع ذلك يستطيع الإنسان أن يعيش ويختار ويتمرد على العبث بمجرد استمراره.
وهنا يصبح السؤال :
إذا لم يعطنا الكون معنى، فهل يمكننا أن نحيا حياة ذات معنى رغم ذلك ؟
نحن الذين نصنعه
هذه الفكرة انتقلت أيضاً إلى النزعة الإنسانية العلمانية الحديثة، فلا حاجة، في هذا التصور، إلى وجود خطة كونية مسبقة حتى تصبح الحياة مهمة، يمكن للإنسان أن يجد المعنى في الحب والأسرة والإبداع والمعرفة والصداقة والعمل ومساعدة الآخرين وترك أثر في المجتمع، المعنى هنا ليس رسالة مخفية في الكون تنتظر أن نفك شفرتها.
إنه شيء نصنعه أثناء حياتنا، ولكن هذا يضع على الإنسان مسؤولية ضخمة، فإذا لم يكن هناك معنى جاهز، فلن يستطيع أن ينتظر شخصاً آخر ليخبره لماذا يعيش، عليه أن يجيب بنفسه.
هل يسبقنا المعنى أم نسبقه ؟
وراء كل هذه الأديان والفلسفات يظهر خلاف أعمق من اختلاف أسماء الآلهة أو الكتب أو المدارس، هناك في الحقيقة سؤالان فقط تقريباً ، الأول يقول:
هناك معنى سبق وجودك، ومهمتك أن تكتشفه أو تستجيب له.
والثاني يقول:
لقد وجدت أولاً، وعليك أنت أن تمنح وجودك معنى.
بينهما تظهر مساحات كثيرة، قد يكون المعنى في العبادة، وقد يكون في المحبة، أو في أداء الواجب، أو في الفضيلة، أو في التحرر من الرغبة، أو في الانسجام مع الطبيعة ، أو في هدوء النفس، أو في خدمة الآخرين، أو ربما في مجرد أن يعيش الإنسان حياته بوعي كامل، رغم أنه لا يعرف لماذا توجد الحياة أصلاً.
واللافت أن الحضارات التي اختلفت في تصورها للكون كثيراً ما عادت إلى كلمات متشابهة بصورة ما: المحبة، المسؤولية، العمل، المعرفة، الفضيلة، التحرر، ومساعدة الآخرين.
ربما تختلف الإجابات الميتافيزيقية اختلافاً هائلاً، لكن بعض طرق العيش الناتجة عنها تقترب من بعضها أكثر مما نتوقع.
لماذا نبحث عن الغاية أصلاً ؟
هنا نصل إلى السؤال الأكثر غموضاً، فالإنسان لا يكتفي بأن يكون موجوداً.
نأكل وننام ونتكاثر مثل الكائنات الأخرى، لكننا نقف فجأة في منتصف حياتنا ونسأل:
لماذا ؟ لماذا أشعر أن حياتي ينبغي أن تعني شيئاً ؟
لماذا يخيفني تصور أن أمضي سنواتي كلها من دون هدف ؟
لماذا حاولت حضارات تفصل بينها آلاف الكيلومترات والسنوات العثور على إجابات للسؤال نفسه ؟
يمكن النظر إلى ذلك من منظور نفسي وتطوري، فالوعي البشري قادر على تصور المستقبل، وإدراك الموت، وبناء سردية متماسكة للذات، ولذلك ربما يكون البحث عن المعنى نتيجة طبيعية لعقل يستطيع أن يسأل عن مصيره.
لكن هناك من يرى الأمر بطريقة أخرى تماماً.
ماذا لو كان هذا العطش نفسه علامة ؟
ماذا لو كان شعورنا بأن هناك شيئاً ينبغي العثور عليه شبيهاً بالجوع الذي يفترض وجود الطعام، أو العطش الذي يفترض وجود الماء ؟
هل وجود الرغبة في المعنى يشير إلى وجود معنى فعلي خارجنا ؟
أم أنها مجرد واحدة من الحيل التي صنعها العقل لكي يستطيع الإنسان تحمل حقيقة فنائه ؟
ليس لدينا جواب يمكن أن ينهي الخلاف، وربما لهذا بقي السؤال حياً منذ آلاف السنين.
قد تكون الغاية مكتوبة قبل أن نولد، وقد تكون شيئاً نصنعه يوماً بعد يوم وقد يكون البحث عنها جزءاً من الغاية نفسها.
لكن في النهاية، سواء كنا نعتقد أننا جئنا إلى هنا لسبب، أو أننا وصلنا أولاً ثم بدأنا باختراع الأسباب، يبقى الإنسان الكائن الذي لا يكتفي بالسؤال: كيف أعيش ؟
بل يصر على إضافة السؤال الأصعب:
لماذا أعيش ؟