في ليالي الريف التايلاندي المظلمة وخصوصاً عندما يتساقط المطر الخفيف فوق حقول الأرز، تحكي الأساطير الشعبية عن ضوء غريب يتنقل بين المستنقعات، يقترب أحياناً من البيوت الخشبية ثم يختفي قبل طلوع الفجر، وقد اعتقد بعض السكان قديماً أن ذلك الضوء ليس ناراً عادية، بل علامة على وجود كائن غامض يعرف باسم "في فونغ" Phi Phong وهو روح شريرة تسكن جسد إنسان يعيش بين الناس دون أن تثير هيئته أي ريبة.
وتزداد غرابة الحكاية عندما نعرف أن ذلك الكائن، بحسب المعتقد الشعبي، ليس شبحاً تقليدياً يعود من الموت، بل شخص قد يكون أحد الجيران أو الأقارب، يمارس حياته بصورة طبيعية خلال النهار، ثم تدفعه قوة خفية إلى الخروج ليلاً بحثاً عن غذاء لا يشتهيه البشر.
فمن أين جاءت هذه الأسطورة ؟ ولماذا ارتبط الكائن بالضوء والأمطار والضفادع ؟ وكيف تصور سكان تايلاند انتقال اللعنة من إنسان إلى آخر ؟
جذور الأسطورة في ثقافة لانّا
يُعرف الكائن في اللغة التايلاندية باسم في فونغ ผีโพง، وترد له أيضاً كتابة محلية قريبة هي "في فرونغ" ผีโพรง ويقع موطنه الفلكلوري الأبرز في إقليم لانّا Lanna وهو المجال الثقافي والتاريخي الذي يشمل أجزاء واسعة من شمال تايلاند، ولا سيما منطقة تشيانغ ماي والمناطق المحيطة بها.
كانت المعتقدات المرتبطة بالأرواح جزءاً أساسياً من الحياة الشعبية في لانّا، حيث ساد الاعتقاد بوجود أرواح تحرس المنازل والقرى، وأخرى تسكن الأشجار والحقول، إلى جانب أرواح مؤذية قد تتسبب في المرض أو سوء الحظ، وقد تعايشت هذه التصورات مع المعتقدات البوذية والتقاليد المحلية، فأنتجت عالماً غنياً من الكائنات الخفية والطقوس المخصصة لاسترضائها أو اتقاء شرها.
ضمن هذا العالم برز "في فونغ" بوصفه كائناً يختلف عن الأرواح التي تسكن الأماكن المهجورة أو تظهر بهيئة الموتى، فجوهر الأسطورة يقوم على إمكانية أن يعيش الكائن داخل جسد إنسان حي، وأن يحتفظ صاحبه بمظهره المعتاد بين أفراد المجتمع.
وفي مادة تراثية نشرها مكتب تعزيز الفنون والثقافة بجامعة تشيانغ ماي عام 2021، يُوصف "في فونغ" بأنه روح تتلبس الإنسان وتدفعه إلى الخروج ليلاً بحثاً عن المواد الحيوانية النيئة، وخصوصاً الإفرازات اللزجة للضفادع والعلاجيم.
وهذا الارتباط بين الإنسان والروح المتلبسة يجعله قريباً من بعض كائنات الفلكلور الآسيوي التي لا تقوم على الفصل الواضح بين الإنسان والوحش، بل على الاعتقاد بإمكانية تحوّل الشخص إلى مصدر للشر دون أن تتغير هيئته الخارجية.
كيف يتحول الإنسان إلى في فونغ ؟
لا تقدم الحكايات الشعبية تفسيراً واحداً لنشأة "في فونغ" وإنما مجموعة من الروايات التي تعكس تنوع المعتقدات بين القرى والمناطق.
وفقاً لإحدى الروايات، تنتقل الحالة بالوراثة، إذ يولد الشخص في أسرة ارتبط بعض أسلافها بالكائن، فتنتقل إليه القوة الخفية بصورة لا يستطيع التخلص منها بسهولة، وفي رواية أخرى قد يكتسب الإنسان هذه الحالة عندما يقبل شيئاً يقدمه له شخص يُعتقد أنه "في فونغ"، وكأن الهدية تحمل معها اللعنة أو تسمح بانتقال الروح إلى صاحبها الجديد.
أما تفسير ثالث فيربط المصير بأفعال ارتكبها الإنسان في حياة سابقة، وفق التصور الشعبي لفكرة الكارما أو الجزاء الأخلاقي المرتبط بتعاقب الحيوات، ومن ثم يصبح تحوّله إلى الكائن عقوبة على شر قديم لا يتذكره.
وتتحدث روايات أخرى عن ممارسي السحر الأسود الذين حاولوا اكتساب قوى خارقة، لكنهم أخفقوا في السيطرة عليها أو خالفوا شروط ممارستها، فانقلبت عليهم وتحولوا إلى كائنات مسكونة بقوى لا يستطيعون التحكم فيها.
هذه التفسيرات المختلفة تكشف جانباً مهماً من الأسطورة: فالتحول إلى "في فونغ" ليس دائماً اختياراً مقصوداً، وقد يصوَّر باعتباره مرضاً روحياً أو ميراثاً عائلياً أو عقوبة غيبية، وهي أفكار نجد ما يشابهها في حكايات التلبس واللعنات المتوارثة لدى شعوب أخرى.
النبات السحري الذي يمنح صاحبه قوة غامضة
من أغرب الروايات المرتبطة بالكائن حكاية نبات يسمى "وان في فونغ" Wan Phi Phong وتنتمي إلى المعتقدات الشعبية حول النباتات السحرية في تايلاند.
تصف بعض الحكايات هذا النبات بأن له أجزاء بيضاء ورائحة أو مذاقاً حاداً، وأنه يصبح ذا خصائص غير مألوفة عندما ينضج، ويقال إن توهجاً غريباً يظهر فيه، وهو توهج نسبته الروايات إلى مادة شبيهة بالزئبق أو إلى قوة كامنة داخله.
وكان بعض المشتغلين بالسحر، وفق هذه الروايات، يزرعون النبات بالقرب من منازلهم للاستفادة من خصائصه المزعومة في الطقوس والتعاويذ، لكن من يتعامل معه بصورة خاطئة قد يقع تحت تأثيره، فيتحول تدريجياً إلى "في فونغ".
وتربط روايات أخرى الضوء المنبعث من جسد الكائن بهذا النبات، باعتبار أنه مصدر القوة التي تسكن الإنسان وتغير طبيعته، ولا ينبغي فهم هذه التفاصيل باعتبارها حقائق نباتية أو كيميائية؛ فليس هناك توثيق علمي موثوق يثبت وجود نبات يمتلك مثل هذه القدرة الخارقة، كما أن الاسم الشعبي وحده لا يكفي لتحديد نوع نباتي معروف، وإنما تمثل الحكاية مثالاً على العلاقة القديمة بين النباتات الغامضة والممارسات السحرية في الموروث المحلي.
حياة مزدوجة بين النهار والليل
بحسب الصورة الأكثر انتشاراً للأسطورة، يبدو الإنسان الذي يسكنه "في فونغ" طبيعياً خلال النهار. فقد يكون مزارعاً أو جاراً أو فرداً من الأسرة، ولا تظهر عليه علامات واضحة تكشف سره ، لكن عندما يحل الليل، وخصوصاً خلال الليالي المظلمة الماطرة، تبدأ طبيعته الخفية بالظهور.
تروي إحدى الحكايات أنه قبل مغادرة المنزل يضع الوسائد تحت غطائه بحيث تبدو هيئة شخص نائم، ثم يستخدم قوة سحرية لإغراق بقية أفراد الأسرة في نوم عميق، حتى لا ينتبه أحد إلى غيابه.
بعد ذلك يتجه إلى السلم الخشبي للمنزل، ويفرك أنفه بدرجاته حتى يبدأ ضوء غريب بالتوهج عند مقدمة وجهه، وما إن يشتعل ذلك الضوء حتى يغادر إلى الحقول والمستنقعات.
وتصف الروايات الضوء بأنه أبيض مائل إلى الخضرة، يومض ويتحرك في الظلام، ويبدو من مسافة بعيدة بحجم ثمرة جريب فروت تقريباً، بل تذكر بعض القصص أن شرارات صغيرة تتساقط منه أثناء تحرك الكائن فوق الممرات الفاصلة بين حقول الأرز، وهذا الضوء هو أبرز العلامات التي تميز "في فونغ" عن كثير من الكائنات الأخرى في التراث التايلاندي.
لماذا يتغذى على الضفادع والعلاجيم ؟
من أغرب عناصر الأسطورة أن غذاء "في فونغ" المفضل ليس بالضرورة دم الإنسان أو لحمه، وإنما المادة اللزجة التي تغطي أجساد الضفادع والعلاجيم ، وفقاً للحكايات، يخرج الكائن ليلاً إلى الحقول المغمورة بالمياه، ويمسك بهذه الحيوانات ثم يمتص إفرازاتها قبل أن يلقي بأجسادها جانباً، وقد تخيل بعض الرواة أن العثور على ضفادع ميتة دون آثار افتراس واضحة يمكن أن يكون علامة على مروره، وتضيف روايات محلية أخرى أنه قد يتغذى أيضاً على الأسماك النيئة أو الفضلات والمواد المتحللة، لكن هذه التفاصيل تختلف من منطقة إلى أخرى.
ويبدو ارتباط الكائن بالضفادع مفهوماً من الناحية البيئية والثقافية؛ فالحقول المائية والمستنقعات من البيئات التي تكثر فيها البرمائيات، خصوصاً خلال موسم الأمطار، وفي ليالي الريف القديمة، حيث تقل الإضاءة ويصعب تمييز الأشخاص والأشياء عن بعد، كانت الأصوات والحركات الغامضة في الحقول مادة خصبة لنشوء الحكايات الخارقة.
أما عودة "في فونغ" إلى فراشه قبيل الفجر، وتصرفه في الصباح كأنه لم يغادر منزله، فتجعل منه كائناً ذا حياة مزدوجة، يخفي طبيعته الغامضة وراء وجه بشري مألوف.
ماذا يحدث لمن يكتشف هويته ؟
تحتفظ الحكايات الشعبية بتحذير واضح: إذا صادفت "في فونغ" خلال تجواله الليلي، فلا تناده باسمه ولا تحاول كشف حقيقته، وإنما ابتعد عنه بصمت ، والسبب أن الكائن، وفق المعتقد، يشعر بالخزي والخوف من افتضاح أمره، وقد يحاول إيذاء الشخص الذي شاهده أو استرضاءه حتى يحتفظ بالسر.
وتحكي بعض الروايات أنه يعرض على الشاهد مالاً أو ذهباً مقابل صمته، لكن الهدية تتحول لاحقاً إلى حجارة أو كتل من التراب، فيكتشف الشخص أنه خُدع بقوة خارقة ، وتتضمن رواية أخرى تفصيلاً أكثر رعباً، إذ يُعتقد أن الشخص الذي يرى "في فونغ" قد يرث حالته بعد وفاة الكائن، وكأن المصادفة وحدها قادرة على نقل اللعنة من صاحبها إلى شاهد بريء.
هنا تتحول الأسطورة من حكاية عن مخلوق يخرج بحثاً عن الطعام إلى تحذير اجتماعي من الاقتراب من الأسرار التي لا ينبغي كشفها، ومن مواجهة القوى التي يُعتقد أنها تختبئ خلف المظاهر البشرية.
طريقة انتقامه : ساق موز فوق سطح المنزل
لم تقتصر المخاوف الشعبية على مشاهدة الكائن في الحقول، بل امتدت إلى احتمال انتقامه ممن يحاولون فضحه أو إيذاءه، ومن أغرب الروايات أن بعض الناس كانوا يعتقدون أن قلب السلم الخشبي للمنزل الذي يسكنه "في فونغ" أثناء خروجه ليلاً، يمنعه من العودة إلى داخله، وإذا عرف الكائن هوية الشخص الذي فعل ذلك، فقد ينتقم منه بطريقة خارقة.
تقول الحكاية إنه يستخدم ساقاً طويلة من نبات الموز، أو عصا خشبية لحمل الأثقال، ويقذفها فوق سقف منزل عدوه، فيحل المرض أو الموت بسكانه ، ولم يكن الاعتقاد مجرد جزء من قصة مخيفة، بل ارتبط أيضاً بتحذيرات منزلية متوارثة؛ إذ نُصح الناس بعدم ترك سيقان الموز الطويلة سليمة بعد إزالة أوراقها، بل تقطيعها إلى أجزاء صغيرة حتى لا تستخدمها الأرواح المؤذية.
وعلى الرغم من غرابة هذه الفكرة، فإنها تكشف وظيفة معروفة في الفلكلور، حيث تتحول الحكاية الماورائية إلى قواعد للسلوك اليومي، فيصبح العمل المنزلي العادي وسيلة رمزية لدرء الشر.
هل له هيئة واحدة ؟
لا توجد هيئة متفق عليها تماماً لهذا الكائن، فقد اختلفت أوصافه بين المناطق والقرى، فبينما تصفه روايات بأنه امرأة تسكنها روح غريبة، تجعله روايات أخرى رجلاً، وبعضها يصف الضوء الخارج من أنفه بأنه أبيض مخضر، في حين تقول حكايات أخرى إنه أحمر أو لا يظهر على الإطلاق ، ولا تتفق الروايات أيضاً على غذائه؛ فمنها ما يقتصر على إفرازات الضفادع، ومنها ما ينسب إليه الرغبة في تناول مواد حيوانية مختلفة أو بقايا متحللة ، هذا التنوع يشير إلى أننا لا نتعامل مع شخصية أسطورية صيغت صورتها في نص مقدس أو كتاب واحد، بل مع تراث شفهي طويل، خضعت تفاصيله للتبديل والإضافة كلما انتقلت الحكايات بين الأجيال والمناطق.
كما ينبغي عدم الخلط بين "في فونغ" وكائنات أخرى في الموروث التايلاندي، مثل "في بوب" Phi Pop المرتبط بالاستحواذ على جسد الإنسان والافتراس أو "كراسو" Krasue الذي يُصوَّر غالباً على هيئة رأس امرأة طائر تتدلى منه أحشاؤها.
تشترك هذه الكائنات في موضوعات التلبس والجوع غير الطبيعي والظهور الليلي، لكنها ليست كائناً واحداً، ولكل منها رواياته المحلية الخاصة.
قرية ما زالت تحمل ذكرى الأشباح
لم تختف أسطورة "في فونغ" تماماً مع تطور المدن وتغير الحياة الاجتماعية في تايلاند، بل بقيت آثارها في أسماء بعض الأماكن والحكايات التي يرويها كبار السن.
في سبتمبر 2016، نشرت وسائل إعلام تايلاندية تقريراً ميدانياً عن تجمع سكني يعرف باسم "بان نونغ في لوك" Ban Nong Phi Lok أي ما يقارب "قرية المستنقع المسكون بالأشباح"، في محافظة ناخون راتشاسيما.
نقل التقرير عن أحد كبار سكان المنطقة، وكان يبلغ من العمر 77 عاماً، أن الاسم متوارث منذ أجيال، ويرتبط بمستنقع قديم كان يجاور طريقاً تستخدمه عربات النقل التقليدية.
وبحسب ما سمعه من أسلافه، اعتاد المسافرون مشاهدة أضواء غامضة بالقرب من المستنقع، واعتقدوا أنها تعود إلى كائنات مثل "في فونغ" و"في بونغ"، كما قيل إن بعض المارة تعرضوا للمطاردة أو التخويف، حتى أصبح الناس يتجنبون المرور بالمكان ليلاً.
وتحول الاسم الشعبي بمرور الزمن إلى تسمية يعرف بها التجمع السكني، رغم أن المستنقع القديم انحسر وتغيرت طبيعة المنطقة.
هذه الرواية لا تثبت وجود كائن خارق، لكنها توثق كيف يمكن للأسطورة أن تترك أثراً في ذاكرة المكان، وأن يصبح الخوف الذي عاشته أجيال سابقة جزءاً من هوية جغرافية متوارثة.
أضواء الحقول بين الاعتقاد والتفسير العلمي
قد تكون الأضواء الغامضة أكثر عناصر أسطورة "في فونغ" إثارة للاهتمام؛ لأنها تربط الكائن بظاهرة حسية يمكن للناس ادعاء مشاهدتها، بخلاف كثير من الأرواح التي لا تترك أثراً مرئياً واضحاً.
لكن مجرد مشاهدة ضوء متحرك في الظلام لا يكفي لإثبات وجود كائن ماورائي، فقد تتسبب مصادر طبيعية أو بشرية مختلفة في ظهور أضواء تبدو غامضة عند رؤيتها من مسافة بعيدة، ومنها الحشرات المضيئة، وانعكاسات الضوء، والمصابيح المحمولة، وغيرها من مصادر الإضاءة التي يصعب تمييزها دون فحص ظروف المشاهدة.
أما الربط المباشر بين هذه المشاهدات وظاهرة غاز المستنقعات أو الاشتعال التلقائي، فيحتاج إلى أدلة مستقلة ولا يمكن اعتباره تفسيراً عاماً لكل رواية.
وفي تقرير نشرته هيئة الإذاعة العامة التايلاندية Thai PBS عام 2025، أوضحت أن الكائنات الشعبية مثل "في فونغ" لا تستند إلى دليل علمي واضح يثبت وجودها، وأن تفسير الأضواء والأجسام المرصودة يتطلب التحقق من خصائصها وظروف ظهورها قبل نسبتها إلى قوى خارقة.
ومن منظور نفسي واجتماعي، قد تؤثر التوقعات والمعتقدات المسبقة في كيفية تفسير المشاهدات الغامضة، فالشخص الذي تربى على قصص "في فونغ" قد يجد في ضوء مجهول وسط حقل مظلم تأكيداً لما سمعه منذ طفولته، بينما قد يبحث شخص آخر عن مصدر طبيعي أو بشري للضوء نفسه.
وهكذا يمكن للأسطورة أن تستمر حتى عندما تتغير الظروف التي نشأت فيها، لأنها لم تعد مجرد قصة عن كائن مفزع، وإنما إطاراً ثقافياً لتفسير المجهول.
كائن يخيف البشر لأنه يشبههم
ربما لا يكمن الجانب الأكثر رعباً في أسطورة "في فونغ" في الضوء المنبعث من أنفه أو عاداته الغذائية الغريبة، وإنما في اعتقاد أن الروح الشريرة قد تختبئ داخل إنسان عادي، وأن الشخص المألوف لنا في النهار قد يمتلك حياة سرية مرعبة بعد حلول الظلام.
وهذه الفكرة تفسر جانباً من جاذبية الأسطورة واستمرارها؛ فهي تربط المجهول بما هو قريب وحميم، بالجار والقريب وأفراد الأسرة، وتطرح الخوف من أن تتحول الثقة اليومية إلى ريبة.
لكن لهذا المعتقد وجهاً اجتماعياً آخر، إذ يمكن أن يتحول الخوف من التلبس والأرواح إلى اتهامات تطال أشخاصاً تظهر عليهم سلوكيات غير مألوفة أو يعانون اضطرابات صحية ونفسية. فالتراث الذي يمنح الجماعة وسيلة لتفسير المجهول قد يصبح أيضاً وسيلة لوصم الأفراد إذا جرى التعامل مع الحكايات باعتبارها حقائق.
وقد عادت الأسطورة إلى الواجهة في الثقافة الشعبية الحديثة من خلال مسلسل الوهم Delusion الذي عرضته نتفليكس عام 2026، مستفيداً من فكرة الكائن الذي يسكن جسداً بشرياً، لطرح تساؤلات حول الخرف والذاكرة والارتياب والخوف الجماعي.
وفي النهاية، تظل حكاية "في فونغ" نافذة على عالم المعتقدات الشعبية في تايلاند، حيث تتداخل الأرواح والسحر والطبيعة في قصص تناقلتها الأجيال، وحيث كان ضوء مجهول يلمع بين حقول الأرز كافياً أحياناً لولادة أسطورة تعيش أطول بكثير من تلك الليلة التي يُقال إنه ظهر فيها.