في خضم الحرب الأهلية الأمريكية، شهد سكان منطقة جبلية حادثة غريبة، إذ ظهرت في السماء تشكيلات بيضاء غامضة، أعقبها ظهور آلاف الأشخاص بملابس بيضاء يسيرون في صفوف عسكرية منتظمة عبر الوديان والتلال، قبل أن يختفوا دون أثر، وبعد نحو أسبوعين، تكرر المشهد أمام جنود ومدنيين،  فهل كان جيشاً من الأشباح، أم سراباً جوياً نادراً، أم ظاهرة مجهولة أعيد تفسيرها لاحقاً باعتبارها ظهوراً لأجسام طائرة غامضة ؟

ظهور الجيش الغامض

في عصر الأول من سبتمبر عام 1863، كان موزيس دواير Moses Dwyer يجلس على شرفة منزل جارته السيدة بيرسي Mrs. Pearcy، على بُعد بضعة أميال غرب بلدة لويسبرغ Lewisburg، في مقاطعة غرينبراير بولاية فرجينيا الغربية الأمريكية.

كان الطقس حاراً وجافاً، والسماء صافية، والهواء ساكناً بصورة لافتة، عندما ظهرت فوق التلال الجنوبية تشكيلات بيضاء تشبه لفائف القطن أو الدخان، تتحرك بأعداد هائلة فوق الأشجار وبينها. ووفق الرواية التي نشرتها الصحف آنذاك، استمر مرورها نحو ساعة، قبل أن تختفي عن الأنظار ، لكن المشهد الأكثر غرابة كان على وشك البدء.

ففي الوادي الممتد أسفل التلال، ظهر ما بدا أنه جيش هائل يضم آلاف الأشخاص، يسيرون في صفوف منتظمة، ويتحركون بسرعة تفوق المسير العسكري المعتاد. وبلغ عمق بعض التشكيلات ثلاثين أو أربعين شخصاً، فيما بدت أعدادهم أكبر من أن تُحصى.

كان أفراد ذلك الجيش يرتدون قمصاناً وسراويل بيضاء وقبعات، دون أن يحملوا بنادق أو سيوفاً. والأغرب أن أحجامهم بدت متفاوتة، فمنهم من ظهر ضخماً، ومنهم من بدا أصغر حجماً. واستطاع المشاهدون، بحسب الرواية، تمييز حركة أذرعهم وسيقانهم، بل لاحظوا كيف ينحني أفرادهم إلى الأمام أثناء تسلق المنحدرات الوعرة.

واصلت الجموع تقدمها شمالاً حتى اختفت خلف التلال. ولم يكن دواير وحده من شاهد المنظر؛ إذ ذُكر أن عدداً من النساء وفتى وخادمة كانوا من بين الشهود.

وبعد نحو أسبوعين، وتحديداً في 14 سبتمبر، ورد خبر عن مشاهدة مماثلة قرب طاحونة بونغر Bunger's Mill، على مسافة أربعة أميال تقريباً من موقع المشاهدة الأولى. ونُسبت هذه المرة إلى ثمانية أو عشرة جنود من نقاط المراقبة الكونفدرالية، إلى جانب مدنيين، وقيل إنها استمرت قرابة ساعة.

انتشرت القصة في الصحافة المحلية، ونشرت صحيفة Staunton Spectator في 22 سبتمبر 1863 روايات عنها، تضمنت شهادة ضابط قال إنه استجوب عدداً من الشهود بصورة منفصلة، ووجدهم أشخاصاً جديرين بالثقة. ومع ذلك، لم يقدم أحد تفسيراً حاسماً لما حدث.

من جيش الأشباح إلى الأجسام الطائرة المجهولة

بعد الحرب، أعاد المؤرخ الأمريكي فرانك مور Frank Moore نشر الرواية في كتابه عن وقائع الحرب الأهلية الأمريكية، فبقيت ضمن الحكايات التاريخية الغريبة.

وفي عام 1984، استعادتها منظمة أبحاث الظواهر الجوية APRO، المتخصصة آنذاك في دراسة الأجسام الطائرة المجهولة، ونشرت عنها مادة بعنوان ""مشاهدة غير أرضية" 1863 Sighting Unearthed.

ومنذ ذلك الحين، بدأ بعض المهتمين بظواهر UFO تفسير التشكيلات البيضاء باعتبارها أساطيل من المركبات الغامضة، والجموع التي ظهرت بعدها بوصفها كائنات شبيهة بالبشر مرتبطة بتلك المركبات.

غير أن الصحف الأصلية لم تذكر مركبات معدنية أو كائنات تخرج منها، بل تحدثت عن أشكال تشبه الدخان أو القطن، تلاها ظهور جموع تسير في الوادي. ولذلك فإن الربط بينها وبين كائنات فضائية يبقى تأويلاً حديثاً لا تؤيده أوصاف الشهود بصورة مباشرة.

هل كان سراباً جوياً ؟

المثير أن محاولة تفسير الحادثة طبيعياً ظهرت بعد أسابيع قليلة من وقوعها ، ففي 13 أكتوبر 1863، نشرت صحيفة Staunton Spectator رسالة بعنوان "سراب غرينبراير" The Greenbrier Mirage، اقترحت فيها كاتبة من مقاطعة مونرو أن المشهد ربما كان انعكاساً بصرياً لجنود حقيقيين من قوات الاتحاد أثناء تدريباتهم العسكرية قرب منطقة فايت كورت هاوس Fayette Court House.

واستشهدت الكاتبة بظاهرة "شبح بروكن" Brocken Spectre، وافترضت أن الظروف الجوية ربما حولت طبقات الهواء إلى ما يشبه مرآة طبيعية نقلت صور الجنود إلى مكان بعيد.

واليوم يعرف علم البصريات الجوية ظواهر قادرة على تشويه صور الأجسام البعيدة أو رفعها عن مواضعها الحقيقية، ومنها السراب العلوي وظاهرة فاتا مورغانا Fata Morgana، التي تنشأ بسبب انكسار الضوء خلال طبقات هوائية متفاوتة الحرارة والكثافة.

لكن هذا التفسير ليس خالياً من الصعوبات؛ فالشهود وصفوا آلاف الأشخاص الذين بدت حركات أطرافهم واضحة، وليس مجرد ظلال بشرية مشوشة. كما أن ظاهرة شبح بروكن، بمعناها العلمي الدقيق، لا تفسر ظهور جيش كامل، لأنها ترتبط عادة بإسقاط ظل الراصد على الضباب أو السحب.

وقد تكون الظروف الجوية النادرة، إلى جانب التوقعات النفسية في زمن الحرب، ساهمت في تشكيل المشهد أو تفسيره على هيئة جيش. إلا أن غياب قياسات الأرصاد ومواقع الرصد الدقيقة يمنع اختبار هذه الفرضية بصورة حاسمة.

أما التفسيرات الخارقة، التي تتحدث عن أشباح جنود قتلوا في المعارك أو مشاهد تسربت من زمن آخر أو بُعد موازٍ، فتجد ما يشبهها في حكايات الجيوش الشبحية في الفلكلور الأوروبي، لكنها تفتقر إلى أدلة علمية يمكن التحقق منها.

وتكشف مراجعة الوثائق أيضاً عن خطأ تاريخي مهم؛ إذ حددت بعض المصادر اللاحقة موعد الحادثة في الأول من أكتوبر 1863، بينما تثبت الصحف المنشورة في سبتمبر أن المشاهدة الأولى نُسبت إلى الأول من سبتمبر، والثانية إلى الرابع عشر منه.

لغز لم يُحسم

تؤكد الوثائق التاريخية أن قصة جيش لويسبرغ كانت متداولة بالفعل في سبتمبر 1863، وأن معاصريها حاولوا التحقق منها وتفسيرها. لكنها لا تثبت أن آلاف الجنود الأشباح ساروا فعلياً عبر الوادي، خصوصاً أن التفاصيل وصلتنا عبر تقارير صحفية، دون صور أو قياسات أو إفادات مستقلة محفوظة لجميع الشهود.

قد تكون الحادثة سراباً جوياً غير مألوف تضخمت تفاصيله مع تداول الروايات، أو سوء تفسير لمشهد حقيقي تأثر بأجواء الحرب. أما فرضيات الأشباح والكائنات الفضائية والأبعاد الأخرى فلا تستند إلى أدلة كافية.

ومع ذلك، تظل القصة مثيرة لأنها سبقت ظهور ثقافة الأطباق الطائرة الحديثة بعقود طويلة، ووصفت مشهداً غير مألوف حاول بعض شهوده فهمه دون جدوى.

فهل استطاعت طبقات الجو أن تنقل صورة جيش حقيقي عبر الجبال، أم أن ما رآه سكان لويسبرغ كان مجرد مشهد التبست حقيقته، واحتفظ التاريخ بغموضه حتى اليوم ؟