لم تكن أمي تؤمن بالسحر.
كانت تسخر من النساء اللواتي يضعن الملح عند العتبة، ومن الجارات اللواتي يخفين المقص تحت وسادة الطفل، ومن خالتي التي لا تدخل بيتاً جديداً قبل أن تتمتم في سرها بكلمات لا يسمعها أحد.
لكنها، في ذلك الصباح، وقفت أمام جدار المطبخ كما لو أنها ترى وجه ميت.
كان هناك خيط أسود يخرج من شق رفيع قرب المغسلة.
لم يكن الخيط طويلاً، بضعة سنتيمترات فقط، متدلية من الجدار مثل شعرة قاسية، قالت أمي وهي تمسحه بطرف فوطة الصحون :
— من أين جاء هذا ؟
ثم شدّته.
خرج الخيط أكثر.
شدّته مرة ثانية، فخرج أكثر.
وحين لفته حول أصبعها لتقطعه، صار أطول، كأن الجدار ليس جداراً، بل بكرة ضخمة مخبأة في أحشاء البيت.
كنت واقفاً عند باب المطبخ، عائداً من عملي في المدرسة وفي يدي كيس خبز ، رأيت أصبع أمي يزرق شيئاً فشيئاً تحت التفاف الخيط، لم تكن تصرخ ، لم تكن تتحرك، كانت تنظر إلى الخيط بنظرة غريبة، كأنها عرفت صاحبه أخيراً.
قلت :
— اتركيه يا أمي.
لم ترد.
اقتربت منها وقطعت الخيط بسكين الخبز.
في اللحظة التي انقطع فيها، خرج من الجدار صوت خافت جداً، لم يكن صوتاً كاملاً، كان أقرب إلى زفير يأتي من فم مسدود بالتراب.
لكننا سمعنا الاسم بوضوح :
— خديجة.
سقطت السكين من يدي.
أما أمي، فجلست على الكرسي الخشبي قرب طاولة المطبخ، ووضعت أصبعها في فمها، كما يفعل الأطفال عندما يجرحون أنفسهم.
كان الدم يسيل من تحت ظفرها.
قالت بعد صمت طويل :
— لا تذكر هذا الاسم أمام جدتك.
قالتها كمن يردد تحذيراً قديماً لا يعرف سببه، لا كمن يعرف الحقيقة.
***
بيتنا في آخر حارة ضيقة من حارات المدينة القديمة، بيت عربي واسع، له باب خشبي عالٍ، ومطرقة نحاسية على شكل يد، وحوش داخلي تتوسطه شجرة نارنج عجوز لم تعد تثمر إلا ثماراً صغيرة مرة.
كنا نسكنه نحن الأربعة: جدتي نزيهة، أمي سميرة، أختي نورا، وأنا.
أما أبي، فقد مات منذ تسع سنوات، مات في غرفة الجلوس، جالساً أمام التلفاز وعيناه مفتوحتان على نشرة الأخبار، حين جاء الطبيب قال إن قلبه توقف فجأة، لكن جدتي قالت يومها جملة لم أفهمها :
— أخيراً انفكّ.
قالتها وهي تنظر إلى أصابعه، كأنها كانت ترى خيطاً لا نراه نحن.
لم يسألها أحد: انفك من ماذا ؟
كانت جدتي أكبر من البيت، هكذا كنت أشعر دائماً، لم تكن تتحرك كثيراً، لكنها كانت موجودة في كل مكان، تعرف صوت كل باب، ورائحة كل قماش، ومكان كل مفتاح، إذا اختفت ملعقة، عرفت من أخذها، إذا انكسر كوب عرفت من كذَب، وإذا تكلم أحد في غرفة مغلقة رفعت رأسها من آخر الحوش وقالت :
— اخفض صوتك.
كانت تحفظ تاريخ العائلة كما يحفظ البعض القرآن لكنها لا ترويه كاملاً أبداً، تقف دائماً عند الجمل الناقصة: "هذه الغرفة لا تفتح"، "هذا الصندوق ليس لكم"، "تلك المرأة لا تُذكر"، "جدك كان رجلاً شديداً"… ثم تصمت.
سألتها مرة، وأنا صغير، عن صورة قديمة وجدتها في درج الخزانة، صورة لامرأة شابة ترتدي ثوب زفاف أبيض تقف إلى جوار رجل عابس الوجه، لم تكن المرأة أمي ولا جدتي، كان وجهها جميلاً على نحو حزين وفي عينيها شيء كأنها لا تنظر إلى المصور، بل إلى شخص يقف خلفه.
قلت :
— من هذه ؟
أخذت جدتي الصورة من يدي بسرعة لدرجة أنها مزقت زاويتها.
— لا أحد.
— لكنها في بيتنا.
قالت وهي تضع الصورة في صدرها.
لم أفهم. ونسيت.
حتى ظهر الخيط.
***
في اليوم التالي، وجدنا خيطاً آخر.
هذه المرة لم يكن في المطبخ، كان خارجاً من وسادة أختي نورا.
نورا مطلقة منذ عامين، وعادت إلى بيتنا ومعها صمتها، لا شيء آخر، لم تنجب، كانت تتجنب المرايا وتنام مبكراً، وتستيقظ قبل الفجر لتغسل وجهها طويلاً كأنها تحاول إزالة شخص آخر عنه.
صرخَت في الصباح، ركضنا إلى غرفتها فوجدناها واقفة في منتصف الغرفة، تحمل وسادتها بين يديها، من قلب الوسادة خرج خيط أسود رفيع مشدوداً إلى فمها.
لم يكن مربوطاً بشفتيها، لم يكن ملتصقاً بهما.
كان داخلاً بين أسنانها.
اقتربت أمي منها وهي تردد :
— بسم الله… بسم الله…
أشارت نورا بيديها أن لا نلمسها، كانت عيناها واسعتين والدموع تسيل على وجهها، حاولت أن تفتح فمها لكن الخيط تحرك في الداخل، فصدر عنها صوت مخنوق.
أمسكت طرف الخيط الخارج من الوسادة، كان بارداً ومشدوداً، لم يشبه خيط القطن ولا النايلون، كان أشبه بشعرة طويلة من رأس ميت.
قلت لها :
— سأقطعه.
هزت رأسها بعنف.
لكن أمي صاحت:
— اقطعه !
أحضرت المقص وحين وضعت الخيط بين نصليه، سمعت نورا صوتاً وحدها، لأنها بدأت تنتفض قبل أن أضغط.
ثم قطعت.
فارتد رأسها إلى الخلف، وسقطت الوسادة من يدها، خرج من فمها طرف قصير من الخيط، ثم اختفى بسرعة داخل حلقها، كما تختفي دودة في شق التراب.
تقيأت نورا على الأرض.
لم يخرج من فمها طعام.
خرجت عقدة صغيرة من الخيط الأسود.
ملتفّة حول سن صغير يبدو عليه القدم.
بعد ساعة، خرجت جدتي من غرفتها لأول مرة ذلك اليوم، كانت تمشي ببطء مستندة إلى عصاها، لكن وجهها بدا يقظاً على نحو مخيف، نظرت إلى القيء، ثم إلى العقدة، ثم إلى نورا.
قالت :
— من فتح المخزن ؟
لم يجب أحد.
رفعت صوتها :
— من فتح المخزن ؟
كانت تقصد الغرفة الصغيرة تحت الدرج، غرفة مغلقة منذ سنوات، كنا نسميها المخزن لكنها لم تكن مخزناً بالمعنى الحقيقي، لم تكن أمي تضع فيها مؤونة ولا نضع فيها أدوات قديمة، كان بابها مغلقاً بقفل حديدي كبير، ومفتاحه مع جدتي وحدها.
قالت نورا بصوت مبحوح :
— لم نفتحه.
اقتربت جدتي من العقدة السوداء ومدت يدها المرتجفة نحوها، ما إن لمستها حتى انفرطت العقدة وحدها وسقط السن على الأرض.
تغير وجه جدتي.
للمرة الأولى رأيت الخوف عليها.
قالت :
— هذا سنّها.
سألتها أمي :
— سن من ؟
لكن جدتي عادت إلى غرفتها، وأغلقت الباب.
***
انتشر الأمر في البيت كما تنتشر الرطوبة.
في البداية، أقنعت نفسي أن ما نراه له تفسير، ربما عفن داخل الجدران، ربما خيوط من عش حشرات، ربما جرذان سحبت أقمشة قديمة من مكان ما، كنت مدرس رسم، لا طبيباً ولا مهندساً، لكنني كنت بحاجة إلى أي تفسير يحميني من التفكير في الاسم الذي خرج من الجدار.
خديجة.
في المساء، جاء جارنا أبو سليم، رجل ستيني يعرف كل عائلات الحارة، ويعرف أكثر مما ينبغي عن موتاها، نظر إلى الشق في المطبخ، ثم إلى أصبع أمي الملفوف بالشاش، ثم قال:
— هذا ربط.
قالتها أمي قبله تقريباً :
— عمل ؟
هز رأسه.
— ليس كل ربط عمل، أحياناً الناس يربطون أنفسهم بأنفسهم.
لم أفهم قصده، لكنه رفض أن يشرب القهوة، وخرج بسرعة بعد أن قال:
— لا تقطعوا شيئاً بعد اليوم، الشيء المربوط إذا قُطع ولم يُعرف من ربطه، رجع أقوى.
لم تنم أمي تلك الليلة، سمعتها تتحرك في المطبخ، تفتح الأدراج، تنقل الأواني، تغسل ما لا يحتاج إلى غسل، نورا بقيت في غرفتها، لا تتكلم. أما جدتي، فبقي بابها مغلقاً.
عند الثالثة بعد منتصف الليل، أيقظني صوت خياطة.
تك… تك… تك…
كان الصوت واضحاً، قريباً، منتظماً.
في البداية ظننت أن أمي تشغل ماكينة الخياطة القديمة، لكنها لم تستعملها منذ سنوات، نهضت من سريري وخرجت إلى الممر.
تك… تك… تك…
الصوت يأتي من غرفة الجلوس.
كانت الغرفة مظلمة إلا من ضوء أزرق صادر عن التلفاز المغلق، نعم، كان التلفاز مغلقاً، ومع ذلك كانت شاشته تلمع بضوء خفيف، كما تلمع عين قطة تحت السرير.
على الجدار المقابل، حيث علقنا صورة أبي، كان هناك خيط أسود يخرج من زاوية الإطار.
لم يكن الخيط متدلياً خارج الصورة فقط، كان داخلاً فيها أيضاً.
اقتربت ببطء، فرأيت ما لم أستطع فهمه في اللحظة الأولى ، خلف الزجاج، داخل الصورة نفسها، كان الخيط يمر بمحاذاة كتفي أبي ووجهه، ثم ينغرز في الخلفية الداكنة غرزة بعد غرزة، كأن أحداً خاط الرجل داخل صورته حتى لا يغادرها.
وفمه، الذي اعتدت أن أراه مغلقاً بصرامة في تلك الصورة، بدا الآن مشدود الزوايا بخيط أسود رفيع، كما لو أن أحداً منعه من قول شيء ظل عالقاً في حلقه منذ موته.
ثم رأيت شيئاً جعل لساني يلتصق بحلقي.
داخل الصورة، لم تعد عينا أبي تنظران إلى الأمام.
كانتا تنظران إلى الخيط.
ومن خلف الزجاج، تحرك فمه ببطء.
لم أسمع صوته، لكنني قرأت شفتيه :
لا تقطع.
تراجعت حتى اصطدم ظهري بالخزانة.
في تلك اللحظة انفتح باب غرفة جدتي.
خرجت وهي تحمل مفتاح المخزن في يدها.
لم تنظر إليّ ، لم تنظر إلى الصورة، مشت نحو الدرج، كأنها كانت تنتظر هذا الصوت منذ سنوات.
لحقت بها أمي من المطبخ، ثم نورا من غرفتها، كنا جميعاً صامتين وكل واحد منا يعرف أننا وصلنا إلى المكان الذي كان البيت يدفعنا إليه منذ البداية.
وقفت جدتي أمام باب المخزن.
قالت دون أن تلتفت :
— لا يدخل أحد غيري.
قلت :
— لن تدخلي وحدك.
استدارت نحوي.
كان وجهها في تلك اللحظة أقدم من وجهها، كأن امرأة أخرى تنظر من خلف عينيها.
— أنت لا تعرف ماذا يوجد هناك.
قلت :
— وهذا سبب كاف لأدخل.
ضحكت ضحكة قصيرة جافة.
— الرجال في هذه العائلة دائماً يدخلون بعد فوات الأوان.
ثم وضعت المفتاح في القفل.
لم يدر المفتاح بسهولة، صدر عن القفل صوت يشبه أنين مفصل صدئ، وعندما انفتح الباب خرجت من المخزن رائحة لا يمكن وصفها بأنها رائحة عفن فقط.
كانت رائحة قماش قديم، وماء راكد، وحناء، ودم يابس، وعطر نسائي ظل محبوساً طويلاً حتى فسد.
مددت يدي إلى زر الضوء.
قالت جدتي :
— لا.
لكنني ضغطته ، واشتعل المصباح الأصفر في السقف.
ورأينا الثوب.
***
كان ثوب زفاف.
معلقاً في منتصف المخزن، لا يستند إلى حائط ولا إلى خزانة، كان معلقاً في الهواء كأن جسداً شفافاً يرتديه.
أبيض في الأصل، لكنه صار بلون العظم القديم، أكمامه طويلة، صدره مطرز بخيوط فضية باهتة، وطرحة طويلة تنزل حتى الأرض، من بعيد كان جميلاً، من قريب كان فظيعاً.
لأن كل غرزة فيه كانت سوداء.
لم تكن الخيوط السوداء على سطح القماش فقط، كانت تخرج منه، تمتد من أطرافه إلى الجدران، إلى السقف، إلى الأرض، إلى صناديق الخشب القديمة، إلى شقوق البلاط، إلى فجوات الباب، مئات الخيوط. آلاف ربما كلها مشدودة مثل أعصاب مكشوفة.
وفي زاوية المخزن، فوق صندوق جهاز عروس قديم، كانت الصورة نفسها التي رأيتها طفلاً.
المرأة ذات الثوب الأبيض.
قالت أمي بصوت يكاد لا يُسمع:
— هذه خديجة ؟
لم تجب جدتي.
لكن نورا قالت فجأة :
— إنها تتحرك.
نظرنا إلى الصورة.
لم تتحرك المرأة في الصورة.
الثوب هو الذي تحرك.
ارتفع كمّه الأيمن قليلاً، كما لو أن يداً غير مرئية تحاول تذكيرنا بأنها هنا.
شهقت أمي.
أما جدتي، فدخلت المخزن بخطوات ثابتة، رغم عمرها، وصلت إلى الثوب ووقفت أمامه، كانت أقصر منه بكثير، ومع ذلك شعرت أن الثوب هو الذي يخاف منها.
قالت :
— انتهى الأمر، ماتوا كلهم.
تحركت الخيوط دفعة واحدة.
لم يكن الصوت عالياً، لكنه ملأ البيت، صوت آلاف الخيوط وهي تنشدّ في وقت واحد، صوت يشبه أسناناً كثيرة تطحن الصمت.
قالت جدتي :
— مات هاشم، ومات الذين ستروا فعلته، ولم يبق إلا هؤلاء… اتركيهم.
عند اسم هاشم، شعرت ببرودة في صدري.
هاشم لم يكن جدي المباشر، بل كان أبا جدتي نزيهة ، لم أعرفه، مات بعد ولادتي بأشهر، قيل لي إنه كان خياطاً ماهراً، يملك دكاناً في السوق، يخيط أثواب العرائس وبذلات الرجال، قالت عنه العائلة دائماً إنه كان صارماً، نظيف اليد، لا يسمح لأحد أن يرفع صوته في البيت.
لكنني تذكرت جملة أبي، في ليلة نادرة كان فيها ثملاً وحزيناً، كنت في الرابعة عشرة، وقد ظن أنني نائم.
قال لأمي :
— جدي لم يكن يخيط الثياب فقط.
سألته أمي :
— اسكت، الحيطان لها آذان.
رد أبي:
— لا، في هذا البيت الحيطان لها أفواه.
لم أفهم يومها ، الآن فهمت شيئاً ما.
اقتربت من الصورة الموضوعة فوق الصندوق، كانت خديجة شابة على نحو حزين، ربما في أواخر العشرينات، لكن عينيها بدتا أكبر من عمرها بكثير، بجانبها وقف جدي هاشم، بوجه جامد وعينين بلا رحمة، لاحظت شيئاً لم ألاحظه في طفولتي.
فم خديجة في الصورة كان مغلقاً بخط رفيع.
لا، ليس مغلقاً.
مخيطاً.
تراجعت.
سألت جدتي :
— ماذا فعل بها ؟
قالت وهي تنظر إلى الثوب :
— لا نوقظ الموتى بالكلام.
لكن نورا صاحت من خلفي :
— هي ليست ميتة.
التفتنا إليها.
كانت نورا تشير إلى الأرض تحت الثوب.
هناك، بين الخيوط المتشابكة، كانت تظهر أصابع قدمين.
نحيلتين.
رماديتين.
وقد خيطت أصابعهما ببعضها.
***
بدأت أمي بالبكاء.
لم يكن بكاء عادياً، كان بكاء امرأة فهمت فجأة أن البيت الذي نظفته عمرها كله لم يكن متسخاً بالغبار، بل بالصمت.
قلت لجدتي :
— من هذه ؟
لم ترد.
أمسكت كتفها وهززتها.
— من هذه ؟
رفعت عينيها إليّ ، كانتا قاسيتين لكن الدمع تجمع في أطرافهما دون أن يسقط.
— زوجة هاشم الأولى.
— خديجة ؟
— نعم.
ثم أضافت بعد لحظة، كأن الكلمة تجرح حلقها:
— وأمي.
— ماذا حدث لها ؟
نظرت إلى الثوب.
— اختفت.
ضحكت نورا ضحكة عصبية.
— اختفت ؟ امرأة في بيت مغلق تختفي ؟
قالت جدتي :
— هذا ما قيل.
— ومن قال ؟
صمتت.
فهمنا.
قالت أمي :
— هاشم ؟
لم تقل جدتي نعم، لم تحتج.
تحركت الخيوط مرة أخرى، هذه المرة امتد خيط من طرف الطرحة نحو نورا، ببطء، كما تمتد دودة عمياء تبحث عن دفء، تراجعت نورا، لكن الخيط تبعها في الهواء.
صرخت أمي :
— لا !
قفزت وأمسكت الخيط بيديها، التف حول كفيها بسرعة، حاولت سحبه لكنه انغرز في جلدها كأنه يعرف الطريق إلى عروقها، ركضت نحوها لأساعدها، لكن خيطاً آخر خرج من كم الثوب ولف معصمي.
كان بارداً.
ثم صار حاراً.
ثم بدأ يخيط جلدي.
لا أعرف كيف أصف ذلك، لم يكن الخيط يخترقني كإبرة بل كذكرى، شعرت بألم ليس في اليد، بل في مكان أعمق، مكان لا اسم له وفجأة رأيت مشهداً لم أعشه، لكنه كان واضحاً كأنه محفور في جدار البيت.
رأيت امرأة في هذا المخزن، ترتدي ثوب الزفاف نفسه، فمها مخيط ويداها مخيطتان إلى صدرها، أمامها وقف هاشم (أبو جدتي) وفي يده إبرة طويلة يلمع طرفها تحت ضوء مصباح زيتي.
كانت تلك المرأة خديجة، زوجته الأولى.
وخلفه، قرب الباب، وقفت فتاة صغيرة في العاشرة من عمرها تقريباً.
كانت جدتي نزيهة.
لم تكن عجوزاً كما أعرفها الآن، بل طفلة نحيلة، تضغط كفيها على فمها حتى لا تصرخ، كانت ترى أباها يخيط امرأة حية داخل صمتها، ولا تستطيع أن تفعل شيئاً.
التفت هاشم إليها، وقال بصوت بارد :
— الذي لا يُقال، لا يحدث.
ثم أغلق باب المخزن.
وانقطع المشهد.
وجدت نفسي على الأرض، والخيط ما زال ملتفاً حول معصمي. كانت أمي تصرخ، ونورا تضرب الخيط بكرسي خشبي، وجدتي واقفة أمام الثوب كمن يرى حساباً قديماً جاء موعده.
قلت بصعوبة :
— أنت رأيتها.
نظرت إليّ جدتي.
— كنت طفلة.
— وسكتِّ.
ارتجف فمها.
— خيط فمي أيضاً، لكن من الداخل.
عندها خرج من فم جدتي خيط أسود.
لم يخرج فجأة، ظهر أولاً بين شفتيها مثل لعاب داكن ثم تدلى حتى ذقنها، حاولت أن تتكلم، فشد الخيط فمها إلى الأسفل، ركضت أمي نحوها لكن جدتي رفعت يدها تمنعها.
أمسكت جدتي الخيط الخارج من فمها، وبدأت تسحبه.
خرج أكثر.
وأكثر.
كان طويلاً إلى حد غير معقول، يخرج من حلقها بلا نهاية، رطباً، أسود، لامعاً في ضوء المصباح الأصفر، كانت عيناها تدمعان، وجسدها يهتز، لكنها لم تتوقف.
ثم بدأ الخيط يخرج ومعه أشياء صغيرة.
سن طفل.
زر قميص.
خصلة شعر.
خاتم نحاسي.
قطعة قماش مطرزة بحرف خ.
وأخيراً، مفتاح صغير صدئ.
سقط المفتاح على الأرض.
لم يتحرك أحد.
ثم سمعنا من داخل صندوق الجهاز صوت طقّة صغيرة، كأن القفل تعرّف إلى مفتاحه من بعيد.
في اللحظة نفسها، انفتح صندوق الجهاز القديم وحده.
لم يكن داخله ذهب ولا ثياب.
كان داخله دفتر.
دفتر سميك بغلاف جلدي، ملفوف بخيط أسود، مددت يدي إليه لكن جدتي قالت بصوت مبحوح :
— لا تقرأه.
سألتها :
— لماذا ؟
قالت:
— لأن الأسماء إذا قُرئت… عرفت طريقها إليك.
لكن نورا سبقَتني. أمسكت الدفتر وفتحته.
كانت صفحاته مليئة بالأسماء.
أسماء نساء.
خديجة ، سكينة ، رقية ، حليمة ، وداد.
أسماء كثيرة، بعضها أعرفه من حكايات العائلة، وبعضها لم أسمع به قط ، بجانب كل اسم تاريخ مدون، وإلى جوار كل تاريخ كان هناك غرزة حقيقية تخترق الورق، ليست رسماً، غرزة بخيط أسود.
في الصفحة الأخيرة، كانت هناك ثلاثة أسماء مكتوبة بخط أحدث.
سميرة ، نورا ، آدم.
اسمي.
وتحت اسمي مباشرة، كان هناك فراغ.
كأن الدفتر ينتظر اسماً جديداً.
***
قالت أمي :
— احرقه.
قالت جدتي فوراً:
— لا !
صرخت نورا :
— ولماذا لا ؟ ماذا بقي ؟
قالت جدتي :
— إذا احترق، خرج كل ما فيه.
لم نكن بحاجة إلى شرح، البيت نفسه شرح لنا.
بدأت الجدران تئن.
من كل شق، من كل زاوية، من خلف الصور، من تحت السجاد، من ثقوب الخشب، خرجت خيوط سوداء، لم تعد رفيعة وخجولة كما بدأت، خرجت كثيفة، متعرجة، متعجلة، كأن البيت كله ينزف شعراً.
امتدت الخيوط على الأرض، صعدت على الجدران، تدلت من السقف، بعضها التف حول الكراسي، بعضها حول مقابض الأبواب، بعضها حول إطار صورة أبي في غرفة الجلوس. سمعنا صوت الزجاج يتشقق بعيداً.
ثم جاء صوت من داخل الثوب.
لم يكن صوت امرأة.
كان صوتاً مركباً، كأن عشرات الأفواه تحاول الكلام من ثقب واحد.
— الذي لا يُقال… لا يموت.
سقطت أمي على ركبتيها.
أما أنا، فقد أمسكت بالمقص الذي كان فوق صندوق الخياطة القديم، لا أعرف لماذا كان هناك، ربما كان ينتظرني.
قالت جدتي :
— لا تقطع الخيط الرئيسي.
سألتها :
— أي واحد ؟
رفعت يدها المرتجفة وأشارت إلى صدر الثوب.
هناك، عند موضع القلب، كان خيط أسود أكثر سمكاً من البقية، لم يكن خارجاً من الثوب فقط، بل نابضاً يتحرك ببطء كما يتحرك عرق حي تحت الجلد، امتد من صدر الثوب إلى الجدار الخلفي، ثم اختفى داخله.
قالت جدتي :
— إذا قطعته، لن يبقى البيت بيتاً.
نظرت حولي.
إلى أمي التي تنزف من كفيها.
إلى نورا التي عاد الخيط يظهر بين أسنانها.
إلى جدتي التي أمضت عمرها تحرس باباً لا يمنع الشر، بل يحفظه.
إلى الثوب الذي يتحرك بلا جسد.
قلت :
— ربما لم يكن بيتاً منذ البداية.
ثم تقدمت.
كل خطوة نحو الثوب كانت أصعب من التي قبلها، الخيوط على الأرض التفّت حول قدمي، شعرت بها تدخل تحت أظافري تصعد إلى ركبتي، تبحث عن مكان تخيطني فيه، سمعت أصواتاً كثيرة في رأسي.
صوت أبي: لا تقطع.
صوت امرأة لا أعرفها: قل اسمي.
صوت جدي هاشم: الذي لا يُقال، لا يحدث.
وصوت طفلة تبكي في المخزن.
ربما كان صوت جدتي.
ربما كان صوت البيت نفسه حين كان صغيراً.
وصلت إلى الثوب، كان أطول مني بقليل، الطرحة لامست وجهي، رائحتها كانت رائحة قبر مفتوح في يوم عرس.
رفعت المقص نحو الخيط الرئيسي.
عندها انشق القماش عند موضع الوجه.
لم يكن هناك رأس.
كان هناك فم فقط.
فم كبير، عمودي، مفتوح في الفراغ داخل الطرحة، شفتاه مصنوعتان من قماش الزفاف، وأسنانه إبر صغيرة متراصة، من داخل الفم خرج همس:
— آدم.
تجمدت.
— لا تجعلني وحدي.
كادت يدي تسقط.
لم يكن الصوت مخيفاً هذه المرة، كان حزيناً، حزيناً إلى حد لا يحتمل، كل الرعب في البيت انكمش فجأة إلى جملة واحدة: امرأة ماتت أو لم تمت، ظلت تطلب شاهداً فلم تجد إلا خيطاً.
قلت :
— ماذا تريدين ؟
تحرك الفم القماشي.
— افتحوا الأبواب.
— أي أبواب ؟
ضحك الفم، لا بصوت، بل بحركة الإبر.
— كلها.
ثم اندفعت الخيوط نحوي.
ضغطت المقص.
انقطع الخيط الرئيسي.
***
لم يحدث انفجار.
لم يسقط البيت.
لم تظهر نار زرقاء ولا صرخة تشق الحارة.
حدث ما هو أسوأ.
ساد الصمت.
صمت كامل، كثيف، فوري، كأن أحداً خيط أذن العالم.
توقفت الخيوط عن الحركة، تجمدت حيث كانت، أمي لم تعد تبكي، نورا لم تعد تنتفض ، حتى جدتي بدا أنها توقفت عن التنفس لحظة طويلة.
ثم بدأ الثوب يهبط.
ببطء.
كما يهبط جسد متعب بعد أن حمله الهواء عمراً كاملاً.
استقر على الأرض، فارغاً، منكمشاً، مجرد قماش قديم.
اختفت الأصابع الرمادية من تحته.
سقطت الخيوط عن الجدران كغبار محترق، الخيط الخارج من فم نورا انكمش واختفى، كفا أمي توقفا عن النزف
أما جدتي، فجلست على الأرض قرب الصندوق، ونظرت إلى الثوب طويلاً.
ثم قالت :
— سامحيني.
لم يجبها أحد.
في الصباح، جاء الضوء إلى البيت لأول مرة كأنه غريب، دخل من نوافذ الحوش، ووقع على شجرة النارنج، وعلى البلاط الرطب، وعلى باب المخزن المفتوح. لم نجد الثوب، لم نجد الدفتر ، لم نجد حتى الصندوق.
كل ما بقي في المخزن كان جداراً عارياً، عليه شق رفيع.
قالت أمي إنها ستبيع البيت.
قالت نورا إنها لن تنام فيه ليلة أخرى.
أما جدتي، فلم تقل شيئاً، بقيت تنظر إلى يديّ، في موضع التفاف الخيط حول معصمي، ظهرت علامة سوداء رفيعة، كأن أحداً رسم غرزة واحدة تحت الجلد.
خرجت إلى الحارة قبل الظهر، كنت أريد هواءً، أردت أن أرى الناس، الباعة، الأطفال، ضوء الشمس على أبواب البيوت، أردت أن أصدق أن الليل انتهى.
كانت الحارة هادئة على غير عادتها.
مررت بباب أبي سليم. كان مغلقاً.
ومن تحته خرج خيط أسود.
رقيق.
هادئ.
ممتد إلى منتصف الزقاق.
توقفت.
نظرت إلى الباب المقابل، من تحته خرج خيط آخر.
ثم باب ثالث.
ورابع.
كل أبواب الحارة كانت تنزف الخيوط نفسها، خيوط رفيعة سوداء تخرج من تحت العتبات، وتتجه كلها في مسار واحد، نحو نهاية الزقاق، حيث تقف نساء الحارة عادة في المساء لتبادل الأخبار.
لم تكن الخيوط متشابكة.
كانت منظمة.
كأن أحداً خيط الحارة كلها أثناء نومنا.
سمعت خلفي صوت أمي تناديني من داخل البيت، لكنني لم ألتفت.
في آخر الزقاق، عند بيت مهجور كنا نظنه خالياً منذ عشرين سنة، كان الباب مفتوحاً قليلاً.
ومن داخله جاء صوت ماكينة خياطة.
تك… تك… تك…
ثم صوت امرأة لا أعرفها، قريب جداً من أذني، مع أن الشارع كان فارغاً:
— الآن دوركم أن تسمعوا.
نظرت إلى معصمي.
الغرزة السوداء تحت جلدي لم تعد واحدة.
كانت تتحرك.
وكانت تخيط اسمي من الداخل.