هناك أفلام تروي قصة وأفلام أخرى تحاول أن تجعلنا نعيش داخل حلم ، فيلم Resurrection للمخرج الصيني بي غان Bi Gan ينتمي إلى النوع الثاني؛ عمل سينمائي غريب، حالم، ومتشظٍ، لا يقترب من ما وراء الطبيعة عبر الأشباح والجن واللعنات كما اعتدنا، بل من باب أكثر عمقاً وغموضاً: الحلم، الذاكرة، الحواس، والبعث.

في هذا الفيلم لا تبدو السينما مجرد شاشة بل بوابة ولا يبدو الحلم مجرد نشاط دماغي عابر بل آخر ما تبقى من روح الإنسان في عالم قرر أن يقتل خياله مقابل أن يطيل عمره.

عالم فقد القدرة على الحلم

تقوم فكرة Resurrection على فرضية مدهشة: في عالم مستقبلي أو بديل، فقدت البشرية القدرة على الحلم ، ليس الأمر مجرد خلل نفسي أو بيولوجي بل يبدو كأنه صفقة وجودية كبرى؛ البشر اختاروا البقاء، العمر الطويل، وربما نوعاً من الخلود لكن الثمن كان فادحاً: التخلي عن الأحلام.

وهنا يطرح الفيلم سؤاله الأول: هل يكون الخلود نعمة إذا جاء على حساب الخيال ؟

وسط هذا العالم البارد يظهر كائن غريب، يوصف أحياناً بالوحش أو الحالم أو الكائن المسكون بالرؤى،  إنه آخر من لا يزال قادراً على الحلم، لكنه لا يحلم كما نحلم نحن. أحلامه ليست صوراً مبعثرة من يوم مضى بل عوالم كاملة تمتد عبر الزمن وتستدعي شخصيات وحقباً وأساليب سينمائية مختلفة، كأن هذا الكائن يحمل في داخله أرشيفاً حياً من الذاكرة البشرية.

ثم تظهر امرأة تملك قدرة نادرة: تستطيع أن ترى أوهامه كما هي وأن تدخل إلى أحلامه لتكتشف الحقيقة المخفية في داخله ، من هنا تبدأ رحلة الفيلم؛ رحلة ليست إلى مكان جغرافي، بل إلى طبقات الوعي، وإلى تاريخ السينما، وإلى سؤال البعث نفسه.

قصة فيلم لا تُروى بخط مستقيم

لا يقدّم بي غان حكايته بأسلوب تقليدي ، لا توجد حبكة واضحة تسير من بداية إلى ذروة ثم نهاية مريحة، الفيلم يعمل بمنطق الحلم: زمن ينفتح على زمن آخر، شخصية تتبدل، صورة تقود إلى صورة ومشهد يبدو في ظاهره غامضاً لكنه يترك أثراً حسياً عميقاً.

يمر الحالم عبر عوالم متعددة، كأنه يتقمص وجوهاً مختلفة في حياة واحدة ممتدة عبر قرن كامل ، مرة يبدو قريباً من أجواء السينما الصامتة، ومرة يدخل في عوالم الحرب والاضطراب، ثم في مساحات نورانية غامضة، ثم في لحظات ذات طابع روحي أو شبه أسطوري، قبل أن يصل الفيلم إلى زمن أكثر حداثة يقترب من نهاية القرن العشرين.

هذه ليست فصولاً منفصلة بالمعنى المعتاد، بل محطات داخل حلم طويل ، وكل محطة تبدو كأنها تستدعي شكلاً من أشكال السينما القديمة: الصمت، الظلال، الألوان، اللقطات الطويلة، الجسد، الصوت، الرائحة، الذاكرة، والوجوه التي تظهر كأنها عادت من موت بعيد.

صلة الفيلم بالماورائيات

أهمية الفيلم بالنسبة لقارئ ما وراء الطبيعة لا تكمن في أنه يعرض وحشاً أو عالماً مستقبلياً فقط ، قيمته الحقيقية أنه يعيد فتح ملف قديم: هل الحلم مجرد وهم ؟ أم أنه منطقة بينية بين الواقع وما وراء الواقع ؟

في التراث الإنساني، لم تكن الأحلام دائماً شيئاً ثانوياً ، كثير من الثقافات القديمة تعاملت مع الرؤيا باعتبارها رسالة، إنذاراً، بشارة، أو اتصالاً بعالم خفي. في المعتقدات الدينية، وفي التجارب الصوفية وفي الحكايات الشعبية، يظهر الحلم أحياناً كجسر بين الأحياء والموتى، بين الجسد والروح، بين الإنسان وما لا يستطيع إدراكه في يقظته.

فيلم Resurrection لا يقدم إجابة مباشرة، لكنه يتحرك في هذه المنطقة نفسها ، عالم الفيلم فقد أحلامه، أي فقد قدرته على التواصل مع ما لا يُرى والبشر فيه ربما أطالوا أعمارهم، لكنهم أصبحوا أقرب إلى كائنات ناقصة، تعيش بلا نافذة داخلية.

أما "الوحش" الحالم، فهو في الظاهر كائن شاذ عن القاعدة، لكنه في العمق آخر إنسان حقيقي ، إنه لا يزال يرى، يتذكر، يتخيل، ويتألم ، لذلك لا يبدو الحلم في الفيلم مرضاً، بل مقاومة. مقاومة ضد عالم يريد أن يحوّل الإنسان إلى جسد طويل العمر بلا روح.

البعث: هل يعود الإنسان أم تعود الصورة ؟

يحمل عنوان الفيلم معنى "البعث" أو "القيامة"، لكنه لا يستخدم هذا المعنى بطريقة دينية مباشرة، البعث هنا أكثر تعقيداً، فالشخصية لا تعود إلى الحياة كما تعود الأجساد في الأساطير، بل تعود عبر الصور، عبر الذاكرة، عبر السينما، وعبر الأحلام.

كأن الفيلم يقول إن الإنسان قد يموت، لكن صورته لا تموت، قد يختفي الجسد لكن اللقطة تبقى ، قد ينتهي الزمن لكن الحلم قادر على إعادة ترتيبه من جديد.

من هنا يصبح الفيلم تأملاً في السينما نفسها،  السينما منذ بدايتها كانت نوعاً من البعث، لقد منحت الموتى حضوراً جديداً، جعلت وجوهاً غائبة تتحرك أمامنا، وحفظت مدناً وحروباً ومشاعر وأصواتاً لم تعد موجودة ، كل فيلم قديم هو، بطريقة ما، جلسة استحضار. وكل شاشة مظلمة تضاء فجأة هي شكل من أشكال عودة الأرواح.

في فيلم  Resurrection يتحول هذا المعنى إلى لب التجربة، الحالم لا يعيش فقط داخل أحلامه بل داخل السينما وكأن السينما هي آخر مكان يمكن أن ينجو فيه الإنسان من الفناء الكامل.

الحواس كبوابات خفية

من الأفكار اللافتة في الفيلم أنه لا يتعامل مع الإنسان كعقل فقط، بل كجسد حسي كامل ، السمع، البصر، اللمس، الرائحة، التذوق؛ كلها تتحول إلى مفاتيح لفهم العالم، ما نراه ليس وحده الحقيقة، أحياناً يكشف الصوت ما تخفيه الصورة وتستدعي الرائحة زمناً ميتاً، ويصبح الجسد نفسه أرشيفاً للذاكرة.

وهنا يقترب الفيلم من فكرة ماورائية عميقة: ربما لا تكون حدود العالم هي المشكلة، بل حدود إدراكنا نحن.

نحن نميل إلى القول إن ما لا نراه غير موجود، لكن الفيلم يقترح العكس: ربما توجد طبقات من الواقع لا نصل إليها إلا حين يتغير وعينا، في الحلم، في الفن، في الذاكرة، في التجربة الروحية، أو حتى في لحظات الاقتراب من الموت، يتبدل الإدراك، ونرى العالم كما لو أن ستاراً خفيفاً قد انزاح عنه.

هذا لا يعني أن الفيلم يروج لفكرة محددة عن الأرواح أو العوالم الخفية، لكنه يستخدم لغة السينما ليطرح سؤالاً: ماذا لو كان الإنسان الحديث قد خسر بعض حواسه الأعمق ؟ ماذا لو أن القدرة على الحلم ليست ترفاً، بل جهاز استقبال لما هو أبعد من الواقع اليومي ؟

الوحش بوصفه آخر إنسان

في كثير من الأفلام، يكون الوحش هو التهديد، لكن في Resurrection يبدو الوحش أقرب إلى الضحية، أو إلى الشاهد الأخير على شيء فقده البشر، إنه مخيف لأنه لا يزال يحلم وغريب لأنه لم يتأقلم مع عالم بلا رؤيا ، هنا تنقلب المعادلة: المجتمع “السليم” هو الميت من الداخل، والوحش هو الكائن الحي فعلاً.

هذه الفكرة تمنح الفيلم عمقه الماورائي والفلسفي فالوحش قد يمثل الفنان، أو المجنون، أو العراف، أو الصوفي، أو كل شخص يرى ما لا يراه الآخرون، في المجتمعات التي تقدس النظام والعقلانية المطلقة يصبح الحالم خطراً ، ليس لأنه شرير، بل لأنه يذكّر الآخرين بما فقدوه.

ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة الفيلم كمرثية للخيال في عصر السرعة والتقنية والصور السطحي،  نحن اليوم محاطون بالشاشات، لكن هل نحلم أكثر ؟ نستهلك آلاف الصور يومياً، لكن هل تترك فينا أثراً ؟ ربما يخبرنا الفيلم أن كثرة الصور لا تعني حياة داخلية أغنى وأن الإنسان قد يرى كل شيء ومع ذلك يفقد الرؤيا.

كيف تلقاه النقاد والجمهور ؟ 

استقبل الجمهور الفيلم بحفاوة نقدية واضحة، خصوصاً في الأوساط السينمائية التي تقدر التجريب البصري واللغة الشعرية، وجرى عرضه في مهرجان كان السينمائي عام 2025 ضمن المسابقة الرسمية ونال جائزة خاصة، ما أكد مكانة بي غان كأحد أكثر المخرجين الصينيين طموحاً في السينما المعاصرة.

لكن هذا الاحتفاء لم يمنع الانقسام حوله ، فالفيلم طويل، غامض، ومتطلب، لا يمنح المشاهد تفسيراً سهلاً ولا يقدم المتعة السريعة التي ينتظرها جمهور السينما التجارية، لذلك رأى فيه بعض النقاد عملاً كبيراً عن الحلم والسينما والذاكرة بينما وجده آخرون مرهقاً أو شديد الإبهام.

أما الجمهور العام فكان أكثر تحفظاً، وهذا مفهوم؛ فالفيلم لا يخاطب من يبحث عن حبكة واضحة أو رعب مباشر أو نهاية تشرح كل شيء، إنه أقرب إلى تجربة حسية وتأملية، فيلم يُشاهد كما تُشاهد الأحلام: لا تفهمها دائماً، لكنها تترك فيك شعوراً لا يزول بسهولة.

يمكن القول إن فيلم Resurrection من تلك الأعمال التي تقسم المشاهدين إلى فريقين: فريق يراه تحفة بصرية وروحية عن معنى الحلم، وفريق يراه لغزاً طويلاً مغلقاً على نفسه. وربما هذه بالضبط علامة الفيلم الطموح؛ أنه لا يمر بهدوء، بل يثير مقاومة وأسئلة.

ماذا يضيف الفيلم ؟

يضيف فيلم  Resurrection شيئاً مهماً إلى السينما المعاصرة: يعيد الاعتبار للحلم في زمن يزداد فيه كل شيء عقلانية وسرعة وقابلية للاستهلاك، نحن نعيش في عصر يحاول تفسير كل شيء، قياس كل شيء، وتحويل كل تجربة إلى بيانات، يأتي هذا الفيلم ليقول إن هناك مناطق في الإنسان لا يمكن اختصارها: الذاكرة، الرؤيا، الخوف، الحنين، والصور التي تسكننا بلا سبب واضح.

كما يضيف للفكر الماورائي زاوية مختلفة، فهو لا يتعامل مع الغيب ككيان خارجي فقط، بل كمساحة داخلية، المجهول ليس دائماً بيتاً مسكوناً أو طقساً غامضاً أو مخلوقاً من عالم آخر؛ أحياناً يكون المجهول داخلنا، في الحلم الذي لا نستطيع تفسيره، في صورة تعود إلينا من الطفولة، في شعور غريب بأننا عشنا لحظة من قبل، أو في وجه نراه على الشاشة فيوقظ شيئاً قديماً في الروح.

بهذا المعنى، الفيلم لا يطرح سؤال "هل توجد عوالم أخرى؟"  فقط، بل يطرح سؤالاً أعمق: هل ما زلنا نملك القدرة على الوصول إليها؟

بين الخلود والموت الداخلي

أكثر ما يزعج في فكرة الفيلم أن البشر لم يخسروا أحلامهم بسبب كارثة واضحة، بل لأنهم قبلوا صفقة تبدو مغرية: حياة أطول مقابل خيال أقل ، وهذه الفكرة تجعل الفيلم قريباً من أساطير كثيرة حذرت الإنسان من الرغبة في الخلود.

فالخلود في الأسطورة نادراً ما يكون هدية صافية ، غالباً ما يكون لعنة أو امتحاناً أو صفقة ناقصة ، في فيلم  Resurrection، الخلود بلا حلم ليس انتصاراً على الموت، بل شكل آخر من الموت. موت بطيء، أنيق، ومعقم.

فالإنسان لا يعيش فقط لأنه يتنفس، يعيش لأنه يتذكر، يخاف، يحب، يتخيل، وينام ليلاً فيرى عالماً لا سلطة له عليه. إذا أُخذت منه الأحلام، فماذا يبقى منه سوى جسد مستمر ؟

حين يكون الحلم آخر دليل على أننا أحياء

فيلم Resurrection ليس فيلماً سهلاً ولا يحاول أن يكون كذلك، إنه فيلم يتطلب من المشاهد أن يتخلى قليلاً عن رغبته في الفهم الفوري، وأن يسمح للصورة بأن تعمل داخله كما يعمل الحلم: ببطء، وبغموض، وبأثر لا يمكن شرحه بالكامل.

إنه فيلم عن كائن يرفض أن يتوقف عن الحلم في عالمٍ اعتبر الأحلام خطراً، لكنه، في العمق، فيلم عن الإنسان نفسه: عن خوفه من الموت، وعن رغبته في الخلود، وعن الثمن الذي قد يدفعه حين يختار البقاء على حساب الروح.

في النهاية، قد لا يكون “البعث” في الفيلم عودة الجسد إلى الحياة،  بل عودة القدرة على الرؤيا، أن نحلم من جديد،  أن نرى ما وراء السطح،  أن نتذكر أن الإنسان لا يكون حياً فقط لأنه لم يمت، بل لأنه ما زال قادراً على أن يغمض عينيه ويرى عالماً آخر.