ليست رواية قاهرة الجان والسبع عهود لـ سارة عبد الوهاب مجرد عمل روائي جديد يضاف إلى موجة أدب الرعب العربي، بل تبدو أقرب إلى نموذج واضح لما يمكن تسميته بـ الرعب الشعبي المعاصر؛ ذلك النوع من الكتابة الذي لا يذهب بعيداً عن وجدان القارئ، بل يمد يده مباشرة إلى أكثر مناطق الخوف حضوراً في الذاكرة العربية: الجن، العهود، العالم الخفي، والقدرات التي تقع خارج حدود المألوف.

منذ العنوان، تدرك الرواية أين تضرب، كلمة قاهرة الجان تمنح البطلة سلطة استثنائية، فهي ليست ضحية مرعوبة ولا شاهدة على الحدث، بل طرف في مواجهة مع عالم غير مرئي، أما عبارة السبع عهود فتفتح باباً آخر أكثر إثارة: باب المواثيق الغامضة، والأسرار القديمة، والطقوس التي يحيط بها الخوف والفضول معاً ، هكذا لا يعمل العنوان بوصفه اسماً للرواية فقط، بل بوصفه وعداً للقارئ: هنا حكاية عن قوة خفية، وصراع، وقدر، ومملكة لا نراها لكنها تراقبنا.

رواية تستثمر الخوف القريب

تنجح قصص الجن عربياً لأنها لا تحتاج إلى بناء عالم كامل من الصفر، القارئ لا يدخلها كمن يدخل كوكباً غريباً أو أسطورة بعيدة، بل يشعر أنها تتحرك قرب بيته، في الشارع، في الحارة، في الغرفة المغلقة، في البيت القديم، وفي الحكايات التي سمعها منذ الطفولة ، الجن ليس كائناً مستورداً من خيال أجنبي بل جزء من اللغة اليومية والأمثال والتحذيرات والقصص العائلية والذاكرة الدينية والشعبية.

مصر: أرض خصبة لحكايات الجن

في المجتمع المصري تحديداً، تمتلك حكايات الجن طاقة انتشار استثنائية والسبب لا يعود إلى عامل واحد بل إلى تداخل طويل بين الدين الشعبي، والموروث الصوفي، والحكايات الريفية، وتجارب المدن القديمة، وثقافة العائلة، والإعلام، والدراما، ومجالس الحكي.

في مصر، لا يظهر الجن دائماً بوصفه مادة للرعب فقط، بل بوصفه تفسيراً محتملاً لأشياء كثيرة: مرض غامض، تبدل مفاجئ في السلوك، بيت مهجور، صوت في الليل، تعثر متكرر في الزواج أو الرزق، أو إحساس غريب لا يجد صاحبه له تفسيراً مباشراً ، قد يرفض البعض هذه التفسيرات وقد يراها آخرون جزءاً من الإيمان أو التراث أو الخبرة الشعبية، لكن المؤكد أنها حاضرة بقوة في المخيال الجمعي.

ومن هنا تفهم لماذا تجذب روايات الجن القارئ المصري ، فهي لا تقدم له موضوعاً بعيداً بل تعيد ترتيب مادة موجودة أصلاً في وعيه ، الرواية تقول له: تلك الحكايات التي سمعتها من جدتك، أو رأيتها في برنامج، أو سمعت عنها في جلسة عائلية، يمكن أن تتحول إلى عالم سردي كامل، له بطلة، وصراع، وملوك خفاء، وعهود، ومصير.

من الزار إلى الرقية

عرفت مصر، مثل غيرها من مجتمعات المنطقة أشكالاً متعددة من التعامل الشعبي مع فكرة المسّ، والتلبس، والتحصين، والاستشفاء الروحي ، من طقوس الزار القديمة، إلى الرقية، إلى حكايات الشيوخ والمعالجين الشعبيين، ظل العالم الخفي حاضراً في مساحة رمادية بين الإيمان، والعلاج، والخوف، والبحث عن تفسير.

هذه المساحة الرمادية هي بالضبط ما يغذي الخيال، فالروائي لا يحتاج إلى إثبات صحة هذه الممارسات أو نفيها بل يحتاج إلى فهم أثرها النفسي والثقافي ، لماذا يذهب الإنسان إلى تفسير غيبي ؟ متى تصبح الحكاية وسيلة لفهم الألم ؟ كيف يتحول الخوف إلى طقس ؟ ولماذا تمنح فكرة «العهد» أو «الميثاق» إحساساً بأن هناك نظاماً خفياً يحكم ما لا نراه ؟

تستفيد رواية قاهرة الجان والسبع عهود  من هذه البيئة التخيلية فهي لا تأتي من فراغ بل من سوق ثقافي يعرف جيداً أن الجمهور العربي، والمصري خصوصاً، ينجذب إلى قصص الجن لأنها تمزج بين الرعب والمعرفة الشعبية ، القارئ لا يريد أن يخاف فقط بل يريد أن يشعر أن وراء الحكاية «سراً» أو «معلومة» أو «كشفاً» عن عالم لا يعرفه الجميع.

البطلة المختارة: صيغة محببة في الرعب الشعبي

من العناصر التي تجعل هذا النوع من الروايات مؤثراً فكرة الشخصية المختارة ، البطلة لا تكون غالباً إنسانة عادية تماماً بل تحمل علامة ما: هالة، قدرة، رؤية، سماع، إحساس، أو قدر مفروض عليها. هذه الصيغة محببة جداً في الرعب والفانتازيا، لأنها تمنح القارئ مدخلاً مزدوجاً: من جهة يتعاطف مع هشاشة الشخصية، ومن جهة أخرى ينجذب إلى قوتها المخفية.

في الروايات التي تتناول الجن تصبح البطلة المختارة أكثر جاذبية لأنها تقف على حدود عالمين: عالم البشر وعالم الخفاء ، هي تخاف مثلنا لكنها ترى ما لا نرى، تضعف مثلنا لكنها مدفوعة إلى مواجهة أكبر منها وهذه الصيغة تمنح الرواية طابعاً أسطورياً، حتى لو كانت مكتوبة بلغة شعبية أو موجهة لجمهور واسع.

سارة عبد الوهاب : حضور المؤلفة كجزء من التجربة

لا يمكن فصل حضور الرواية عن حضور مؤلفتها الإعلامي،  فـ سارة عبد الوهاب لا تدخل هذا المجال كاسم أدبي مجرد، بل كوجه معروف لدى جمهور يتابع محتوى مرتبطاً بالعفاريت والجن والعوالم الخفية وهذا يمنح الرواية قوة تسويقية إضافية؛ لأن القارئ يشعر أن العمل امتداد لعالم سبق أن عرفه من خلال الكاتبة، لا تجربة منفصلة تماماً.

هنا يصبح الجدل جزءاً من الحضور ، فكلما ارتبط اسم الكاتبة بموضوعات العالم الخفي، ازداد الفضول حول الرواية: هل هي خيال ؟ هل تستند إلى تجارب ؟ هل تقدم حكاية رمزية ؟ هل تبيع الخوف أم تحوله إلى سرد ؟ هذه الأسئلة، حتى لو لم تُحسم، تصنع دائرة اهتمام حول الكتاب، وتجعل البحث عن اسم الرواية واسم مؤلفتها جزءاً من الظاهرة نفسها.

بين الرعب والتسويق والذاكرة الشعبية

إن حضور قاهرة الجان والسبع عهود لا يمكن فهمه أدبياً فقط، بل يجب فهمه كظاهرة تقع عند تقاطع الرعب الشعبي، والسوشال ميديا، والفضول الغيبي، وحضور الكاتبة الإعلامي، إنها رواية تعرف جمهورها جيداً وتخاطب منطقة شديدة الحساسية في الوعي المصري والعربي: منطقة الخوف من المجهول والرغبة في الاقتراب منه في الوقت نفسه.

وهنا تكمن المفارقة، الناس تخاف من الجن رغم أنها تحب سماع قصصها ، الناس تخشى العهود والطقوس لكنها تنجذب إلى عناوينها، ترفض أحياناً الاعتراف بتأثير هذه الحكايات، لكنها تعود إليها في الكتب والفيديوهات والأفلام والمجالس الخاصة.