في الماضي، كان الوقوع في حب شخصية من رواية أو فيلم يُعد مجرد إعجاب عابر، أما اليوم، فقد ظهرت على الإنترنت ثقافة كاملة تقوم على بناء علاقة رومانسية مع شخصية خيالية، حتى أصبح ملايين الأشخاص يطلقون على أنفسهم لقب اليوميشيبينغ Yumeshippers، وينظر بعضهم إلى تلك الشخصيات بوصفها شركاء حياة حقيقيين.

ما هو اليوميشيبينغ  Yumeshipping ؟

يرجع أصل المصطلح إلى اليابان، حيث تتكون الكلمة من شقين:

Yume يوميه  (夢) وتعني "الحلم".

و  Shipping شيبينغ  وهو مصطلح شائع في ثقافة الإنترنت يشير إلى تخيل علاقة عاطفية بين شخصيتين.

لكن في حالة اليوميشيبينغ Yumeshipping، لا يتخيل الشخص علاقة بين شخصيتين خياليتين، بل يضع نفسه داخل القصة، ويصبح هو الطرف الآخر في العلاقة ، قد تكون الشخصية من أنمي، أو لعبة فيديو، أو مانغا، أو رواية، أو حتى فيلم سينمائي.

ويُطلق على هذه الشخصية غالباً اختصار F/O، أي Fictional Other، بمعنى "الشريك الخيالي".

أكثر من مجرد إعجاب

لا يتوقف الأمر عند الإعجاب بالشخصية أو اعتبارها المفضلة ، فالكثير من ممارسي اليوميشيبينغ يصفون أنفسهم بأنهم يعيشون علاقة كاملة معها فيكتبون لها رسائل يومية ويتخيلون الحوارات التي تدور بينهما ويحتفلون بعيد ميلادها ويقتنون الدمى والملابس والملصقات الخاصة بها، بل يصمم بعضهم خواتم أو شهادات زواج رمزية تعبيراً عن ارتباطه بها.

وفي اليابان، ظهرت شركات تنظم فعاليات تتيح للناس التقاط صور مع مجسمات شخصياتهم المفضلة، كما توجد فنادق ومقاهٍ تقدم خدمات موجهة لعشاق تلك الشخصيات.

عندما تصبح العلاقة حقيقية في نظر صاحبها

من أكثر الجوانب غرابة أن كثيراً من ممارسي  اليوميشيبينغ يؤكدون أن مشاعرهم ليست تمثيلاً أو لعبة ، يقول بعضهم إنهم يشعرون بالغيرة إذا رأوا الشخصية نفسها مرتبطة بشخص آخر داخل القصة، بينما يرفض آخرون مشاهدة أي عمل يصور الشخصية في علاقة رومانسية مختلفة ، ويصف البعض لحظات يشعرون فيها بالراحة أو الطمأنينة بمجرد التفكير في تلك الشخصية، كما لو كانت تمنحهم دعماً عاطفياً حقيقياً.

هذه التجارب قد تبدو غريبة لمن يراها من الخارج، لكنها بالنسبة لأصحابها تمثل مشاعر صادقة، حتى وإن كان الطرف الآخر لا وجود له إلا في عالم الخيال.

مجتمعات كاملة على الإنترنت

لم يعد اليوميشيبينغ ظاهرة فردية فقد ظهرت مجتمعات ضخمة على منصات مثل Reddit وTumblr وX وDiscord و تيكتوك TikTok ينشر فيها الأعضاء رسومات وقصصاً وصوراً معدلة لأنفسهم مع شخصياتهم المفضلة.

كما توجد مصطلحات خاصة بهذا المجتمع، منها:

Self-Insert: إدخال النفس داخل أحداث القصة.

F/O (Fictional Other): الشريك الخيالي.

Canon: القصة الأصلية كما كتبها المؤلف.

OC (Original Character): شخصية جديدة يبتكرها المعجب ليدمجها داخل العالم الخيالي.

وقد يرفض بعض عشاق اليوميشيبينغ أي تعديل في القصة الأصلية إذا شعروا أنه يهدد علاقتهم المتخيلة بالشخصية.

لماذا يحدث ذلك ؟

يرى علماء النفس أن الإنسان قادر على تكوين روابط عاطفية مع شخصيات لا يعرفها شخصياً وهي ظاهرة تعرف باسم العلاقات شبه الاجتماعية Parasocial Relationships فعندما يقضي الشخص ساعات طويلة في متابعة عمل معين ويتعاطف مع شخصياته، يبدأ دماغه في التعامل معها كما لو كانت مألوفة.

ومع مرور الوقت، قد تتحول الشخصية إلى مصدر للراحة أو الإلهام أو حتى الدعم النفسي، خصوصاً لدى الأشخاص الذين يعانون من الوحدة أو العزلة أو الضغوط الاجتماعية.

لكن هذا لا يعني أن كل من يمارس اليوميشيبينغ يفعل ذلك بسبب مشكلة نفسية؛ فكثيرون ينظرون إليه باعتباره شكلاً من أشكال الإبداع والخيال، يشبه كتابة الروايات أو لعب ألعاب تقمص الأدوار.

متى يصبح الأمر مقلقاً ؟

لا يُعد اليوميشيبينغ اضطراباً نفسياً في حد ذاته طالما ظل الشخص يدرك أن العلاقة تنتمي إلى عالم الخيال لكن إذا أصبحت الشخصية الخيالية بديلاً كاملاً عن العلاقات الإنسانية أو بدأ صاحبها يفقد القدرة على التمييز بين الواقع والخيال، فقد يكون ذلك مؤشراً على اضطراب يحتاج إلى تقييم متخصص.

ولهذا يميز علماء النفس بين الخيال الواعي الذي يستخدمه الإنسان للمتعة أو الإبداع، وبين الاعتقاد الجازم بأن الشخصية موجودة فعلاً وتتواصل معه في الواقع.

شخصيات في أكوان موازية

بعض عشاق اليوميشيبينغ يعتقدون أن الشخصيات الخيالية ليست من نسج الخيال بالكامل بل لها وجود في أكوان موازية وأن المؤلفين لم يبتكروها بقدر ما "التقطوا" قصصها من واقع آخر بطريقة لا نفهمها بعد ، هذه الفكرة جذابة بلا شك، وقد غذتها روايات الخيال العلمي ونظريات الأكوان المتعددة، لكنها تبقى حتى الآن تأملاً فلسفياً لا تدعمه الأدلة العلمية، ومع ذلك فإن مجرد انتشار هذا الاعتقاد يكشف شيئاً مهماً عن الإنسان: حاجته الدائمة إلى منح الخيال معنى يتجاوز حدود الورق والشاشات.

أين تنتهي أحلام اليقظة ؟

يعرف معظم الناس أحلام اليقظة؛ تلك اللحظات التي يسرح فيها العقل ليبتكر حوارات أو مواقف لم تحدث قط. وقد أظهرت الدراسات أن الإنسان يقضي نسبة ملحوظة من يومه في هذا النوع من التفكير، وغالباً ما يكون وسيلة للتخطيط أو الهروب المؤقت من الضغوط.

لكن اليوميشيبينغ يذهب خطوة أبعد من ذلك.

فبدلاً من تخيل مشهد عابر، يبدأ الشخص في بناء علاقة مستمرة مع شخصية خيالية، تتطور مع مرور الوقت كما لو كانت قصة حياة حقيقية، يتذكر معها مناسبات خاصة ويتخيل حوارات جديدة ويتفاعل مع الأحداث التي تمر بها داخل العمل الأصلي بل وقد يعيد كتابة القصة في ذهنه بحيث يصبح هو أحد أبطالها.

يرى علماء النفس أن هذا الامتداد يعتمد على القدرة الطبيعية للعقل على بناء عوالم داخلية معقدة، وهي القدرة نفسها التي تسمح للروائي بابتكار الشخصيات، وللممثل بالاندماج في دوره، وللقارئ بأن يبكي على وفاة شخصية يعلم يقيناً أنها لم توجد قط.

وهنا يكمن الفارق الجوهري: أحلام اليقظة عادةً ما تكون عابرة، أما اليوميشيبينغ  فيبني علاقة عاطفية طويلة الأمد قد تستمر سنوات.

 ظاهرة الوايفو: من الإعجاب إلى الزواج

إذا كان اليوميشيبينغ يعني تخيل علاقة عاطفية مع شخصية خيالية، فإن ظاهرة الوايفو Waifuism يمثل المرحلة الأكثر تطرفاً من هذا الارتباط.

كلمة وايفو Waifu هي النطق الياباني لكلمة "وايف" أي  زوجة بالانجليزية Wife ثم اتسع استخدامها لتشير إلى أي شخصية خيالية يعتبرها الشخص "شريك حياته"،  أما الشخصية الذكورية فتسمى غالباً هازباندو Husbando.

ولا يكتفي بعض محبي الوايفو بالتعبير عن إعجابهم، بل يعلنون ارتباطهم بها رسمياً، ويشترون لها خواتم زواج، ويقيمون حفلات رمزية يدعون إليها الأصدقاء، ويعيشون حياتهم اليومية كما لو أن تلك الشخصية زوج أو زوجة حقيقية.

ومن أشهر الأمثلة على ذلك الياباني أكيهيكو كوندو Akihiko Kondo الذي أثار اهتمام وسائل الإعلام العالمية عام 2018 بعدما أقام حفل زفاف رمزي على شخصية المغنية الافتراضية هاتسوني ميكو Hatsune Miku مستخدماً دمية بالحجم الصغير تمثلها، بحضور عدد من المدعوين. ورغم أن الزواج لم يكن معترفاً به قانونياً، فإن كوندو صرّح في مقابلات عديدة بأنه يشعر بسعادة واستقرار مع "زوجته" أكثر مما شعر به في علاقاته مع البشر.

ولم يكن كوندو حالة فريدة؛ فقد أعلنت الشركة المطورة لبوابة Gatebox، التي كانت تبيع جهازاً يتيح التفاعل مع شخصية هاتسوني ميكو عبر مساعد منزلي ثلاثي الأبعاد، أنها أصدرت آلاف "شهادات زواج رمزية" لمحبي الشخصيات الافتراضية، قبل أن تتوقف عن هذه المبادرة لاحقاً.

كما ظهرت حالات أخرى لأشخاص أعلنوا ارتباطهم بشخصيات من ألعاب الفيديو والأنمي، بعضهم يعيش مع مجسمات بالحجم الطبيعي، ويتحدث عنها بوصفها شريكاً حقيقياً، بينما يرى آخرون في الأمر مجرد أسلوب للتعبير عن الحب تجاه شخصية تركت أثراً عميقاً في حياتهم.

وفي الختام ، ربما يكون اليوميشيبينغ Yumeshipping واحداً من أكثر الظواهر الرقمية غرابة في عصرنا، لأنه يكشف أن العلاقة بين الإنسان والخيال لم تعد تقتصر على القراءة أو المشاهدة، بل أصبحت لدى البعض تجربة عاطفية كاملة.

فهل هو مجرد امتداد طبيعي لقدرة العقل على التعلق والتخيل ؟ أم أننا ما زلنا نجهل الكثير عن الطريقة التي يصنع بها الوعي عوالمه الخاصة ؟

الإجابة لم تُحسم بعد، لكن المؤكد أن الحدود بين الواقع والخيال أصبحت، بالنسبة لكثيرين، أرق بكثير مما كنا نتصور.