ماذا لو دخلت منزلاً قديماً هرباً من ذكرياتك، ثم بدأت تسمع كل صباح طرقاً مجهول المصدر ؟ ماذا لو وجدت كرة طفل تتدحرج من أعلى السلم، بعد أن كنت قد تخلصت منها بعيداً عن المنزل ؟ ثم ماذا لو قادتك تلك الظواهر إلى طفل مات قبل عقود، وإلى سر قديم يتعلق بشخص أخذ مكان شخص آخر؟
هذه هي الأجواء التي بنى عليها المخرج بيتر ميداك Peter Medak فيلمه الشهير The Changeling الصادر عام 1980، والذي أصبح بمرور السنوات واحداً من كلاسيكيات أفلام المنازل المسكونة.
لكن اختيار كلمة "المُستبدل" Changeling لم يكن اعتباطياً فالاسم يحمل وراءه اعتقاداً فلكلورياً قديماً سبق أن ظهر بقوة في التراث الأيرلندي: "البديل الذي تتركه الجنيات مكان الإنسان الذي اختطفته".
والأغرب أن قصة الفيلم نفسها ارتبطت لاحقاً بادعاءات عن منزل مسكون حقيقي في مدينة دنفر وتجربة قال كاتب الفيلم راسل هنتر إنه عاشها بنفسه.
فأين يلتقي الفلكلور بالفيلم ؟ وما الذي حدث فعلاً في المنزل الذي قيل إنه ألهم الحكاية ؟
حين تسرق الجنيات طفلاً
قبل الفيلم بقرون طويلة، كانت كلمة "البديل الجني" أو "المُستبدل" Changeling جزءاً من عالم المعتقدات الشعبية الأوروبية، وبصورة خاصة في أيرلندا واسكتلندا وأجزاء من شمال أوروبا ، وبحسب هذا الاعتقاد قد تقوم الجنيات أو كائنات "العالم الآخر" باختطاف طفل بشري، ثم تترك في مهده بديلاً يشبهه ولكنه ليس هو.
وفي الروايات الأيرلندية القديمة كان ظهور تغير مفاجئ على الطفل، مثل المرض أو ضعف النمو أو تبدل السلوك، يجد أحياناً تفسيراً مخيفاً: الطفل الحقيقي لم يعد موجوداً، بل أخذته الجنيات وتركت شيئاً آخر مكانه.
وتوجد في المجموعة الوطنية للفلكلور الأيرلندي روايات صريحة عن هذا المعتقد، ففي إحدى الروايات المجموعة في مقاطعة كافان، قيل إن الجنيات تأخذ الطفل وتترك مكانه هيئة طفل ضعيف لا ينمو بصورة طبيعية، وفي رواية أخرى من ويكلو كان الاعتقاد أن الجنيات أخذت الطفل السليم ووضعت مكانه طفلاً ضعيفاً بسبب غضبها من والديه.
وهو تحديداً العالم الفلكلوري الذي ظهر أيضاً في قصص حكيمات أيرلندا Bean Feasa؛ إذ كان بعض الناس يقصدون "المرأة الحكيمة" لمعرفة ما إذا كان المريض قد أصيب بمرض طبيعي أم أصبح ضحية للجنيات، كما ارتبطت حكايات بيدي إيرلي نفسها بفكرة الأشخاص الذين «أخذتهم الجنيات» وتركت بديلاً عنهم.
ومن هنا يكتسب عنوان الفيلم معنى أعمق.
فـ فيلم The Changeling لا يقدم لنا حكاية تقليدية عن جنيات تخطف طفلاً، لكنه يأخذ جوهر الأسطورة:
شخص يختفي... وشخص آخر يحتل مكانه.
ثم ينقل الفكرة من عالم الجنيات إلى عالم أكثر ظلمة وإنسانية.
فيلم يبدأ بالفقد
يقوم جورج سي. سكوت George C. Scott بدور المؤلف الموسيقي جون راسل John Russell الذي يتعرض في بداية الفيلم لمأساة تفقده زوجته وابنته ، يحاول جون الابتعاد عن ذكرياته والبدء من جديد، فينتقل إلى سياتل ويستأجر قصراً تاريخياً ضخماً منعزلاً ، في البداية يبدو المنزل المكان المثالي لرجل يريد الصمت ، لكن الصمت لا يدوم.
تبدأ أصوات طرق غريبة تتردد داخل المنزل في وقت محدد من الصباح، وتتحرك أشياء من تلقاء نفسها، وتظهر إشارات توحي بأن جون ليس وحيداً ، ثم تأتي واحدة من أشهر لحظات الفيلم.
يعثر على كرة حمراء صغيرة تخص طفلاً ويتخلص منها بعيداً لكنه عندما يعود إلى المنزل يسمع صوتها ترتطم بدرجات السلم واحدة تلو الأخرى.
تصل الكرة إليه وهي مبتلة بالماء ، ومن هنا يبدأ جون البحث عن تاريخ المنزل.
تقوده التحقيقات إلى غرفة كانت مخفية، وإلى آثار طفل عاش في الماضي، ثم إلى جلسة لتحضير الأرواح تنتج إشارات وصوتاً غامضاً يدفعانه إلى الاعتقاد بأن وجوداً ما داخل المنزل يحاول إخباره بشيء.
لكن الفيلم لا يبقى مجرد حكاية "شبح يسكن منزلاً".
كلما تقدم جون في البحث، يتضح أن وراء الظواهر ظل جريمة قديمة وسراً متعلقاً بطفل وبعملية استبدال حدثت منذ زمن بعيد.
وهنا يصبح عنوان الفيلم، The Changeling، مفتاحاً لفهم اللغز.
والأفضل لمن لم يشاهد الفيلم ألا يعرف أكثر من ذلك.
من الجنيات إلى جريمة بشرية
تلك هي النقطة التي تجعل الفيلم مثيراً من منظور الفلكلور، في الحكاية التقليدية، تكون الجنيات هي المسؤولة: تأخذ الإنسان الحقيقي، وتترك بديله أما الفيلم فيعيد بناء الفكرة داخل عالم لا يحتاج فيه الشر إلى الجنيات.
ويستخدم مفهوم الاستبدال كأساس للغز الذي يطارده جون راسل، بحيث يصبح الشبح مرتبطاً بسر هوية قديمة وبحقيقة تم محوها واستبدالها بحقيقة أخرى ، ولهذا يحمل العنوان ثقلاً أكبر من مجرد اسم مناسب لفيلم رعب.
إنه استدعاء لنموذج فلكلوري قديم جداً:
الأصل اختفى، والبديل عاش مكانه.
لكن بدلاً من أن يكون السؤال: "هل أخذت الجنيات الطفل ؟"، يصبح السؤال في الفيلم:
من أخذ مكان من؟ ولماذا؟
منزل مسكون... خارج شاشة السينما
يزداد الأمر إثارة لأن قصة The Changeling لم تبدأ، بحسب أحد كتابه، على الورق فقط ، كان راسل هنتر Russell Hunter، الذي وضع القصة الأصلية التي استند إليها السيناريو، موسيقياً وكاتباً، وقال إنه عاش أواخر ستينيات القرن العشرين تجربة خارقة في منزل قديم بمدينة دنفر في ولاية كولورادو ، كان المنزل يقع في 1739 East 13th Avenue بالقرب من Cheesman Park ، وبحسب هنتر، بدأت الظواهر الغريبة في فبراير 1969.
قال إنه كان يستيقظ قرابة السادسة صباحاً على أصوات طرق وتحطم عنيفة داخل المنزل، وأن الأصوات كانت تتوقف عندما ينهض من فراشه ، ثم، وفق روايته، بدأت الصنابير تعمل وحدها والأبواب تفتح وتغلق، واهتزت الجدران بقوة حتى سقطت الصور المعلقة عليها.
لكن الأحداث أصبحت أكثر غرابة عندما قال هنتر إنه عثر مع صديق معماري على سلم مخفي خلف خزانة يؤدي إلى جزء من الطابق العلوي.
هناك وجد، بحسب روايته، صندوقاً يحتوي على كتب مدرسية ومذكرات لطفل في التاسعة من عمره قيل إنه كان يعاني إعاقة ويعيش في عزلة.
ومن بين الأشياء التي ورد ذكرها في القصة...كرة مطاطية حمراء.
وبعد أيام، قال هنتر إن كرة حمراء تدحرجت من أعلى سلم منزله ، ومن السهل هنا معرفة كيف انتقلت هذه الحادثة المزعومة إلى واحد من أشهر مشاهد الفيلم.
جلسة الأرواح وحكاية "البديل"
قال هنتر أيضاً إنه استعان بجلسة لتحضير الأرواح لمعرفة هوية الشبح ، وبحسب روايته، كشفت الجلسة قصة طفل من عائلة ثرية مات في ظروف غامضة، ثم أُحضر طفل آخر ليحل مكانه ويحمل هويته.
وتذكر مكتبة دنفر العامة، التي بحثت لاحقاً في قصة المنزل، أن هنتر نفسه ربط هذا الاستبدال بسبب تسمية الفيلم The Changeling.
وهنا يصبح التوازي مع المعتقد الفلكلوري واضحاً بصورة خاصة.
في الأسطورة:
الجنيات تأخذ الطفل وتضع طفلاً آخر مكانه.
وفي قصة هنتر:
يموت طفل، ثم يقال إن طفلاً آخر يوضع مكانه ويحمل هويته.
ومن ثم أخذ الفيلم هذه الفكرة وأضاف إليها المنزل المسكون والشبح والتحقيق في الماضي.
لكن هل حدثت قصة هنتر فعلاً ؟
لم تكتف مكتبة دنفر العامة Denver Public Library بإعادة رواية قصة هنتر، بل حاول قسم التاريخ والأنساب فيها اختبارها بالرجوع إلى سجلات العقارات والتعداد السكاني وأدلة المدينة.
والنتيجة جعلت الحكاية أكثر تعقيداً.
فالمنزل المذكور كان موجوداً بالفعل، لكن السجلات لم تستطع تأكيد أن هنتر أقام فيه في الفترة التي قال إنه عاش خلالها الظواهر؛ ولذلك أشارت المكتبة إلى أن علينا الاعتماد على كلام هنتر نفسه في هذه النقطة.
كما كشف البحث أن البيت بُني سنة 1892 لصاحبه هنري تريت روجرز Henry Treat Rogers وزوجته كيت Kate.
وهنا ظهرت مشكلة أخرى ، فالروايات التي نسبها هنتر إلى الطفل الموجود في المنزل لا تتطابق بصورة واضحة مع تاريخ الأسرة الذي أمكن استخراجه من السجلات، كما أن بعض التفاصيل الزمنية المتعلقة بالمذكرات المزعومة تثير تساؤلات حول صحة القصة.
أي أن التحقيق التاريخي لم يقدم دليلاً مستقلاً يؤكد القصة الخارقة كما رواها هنتر.
ومع ذلك ظهرت مصادفة لافتة ، فخرائط الملكية القديمة أظهرت أن هنري تريت روجرز Henry Treat Rogers كان يمتلك بالفعل أرضاً في جنوب شرق دنفر وهي المنطقة نفسها تقريباً التي زعم هنتر أن الطفل الموجود في قصته دُفن فيها.
هل هي مصادفة ؟
ربما ، لكنها واحدة من التفاصيل التي سمحت لأسطورة المنزل بالبقاء حية.
لذلك فإن وصف الفيلم بأنه "مبني على قصة حقيقية" يحتاج إلى تحفظ. والأدق القول إنه استُلهم من تجربة خارقة ادعى راسل هنتر أنه عاشها، بينما لم تؤكد التحقيقات التاريخية أهم عناصر تلك الرواية.
ليس فيلم أنجلينا جولي
هناك أيضاً فيلم شهير بعنوان Changeling صدر سنة 2008 من إخراج كلينت إيستوود وبطولة أنجلينا جولي، لكنه عمل مختلف تماماً ولا علاقة له بفيلم 1980.
يتناول الفيلم قضية واقعية عن أم اختفى طفلها، ثم أعادت إليها السلطات طفلاً آخر على أنه ابنها ، ورغم أنه ليس فيلماً عن الأشباح أو الجنيات، فإن اختيار عنوان Changeling يستفيد من المعنى الفلكلوري نفسه: الطفل الذي اختفى ووُضع بديل مكانه.
وهكذا استطاعت كلمة واحدة آتية من معتقدات عمرها قرون أن تصل إلى فيلمين مختلفين تماماً.