من داخل فانوس ورقي ممزق، يبرز وجه امرأة شاحب ومشوّه بعين متدلية وابتسامة يصعب التمييز فيها بين الألم والغضب، هذه الصورة التي رسمها الفنان الياباني كاتسوشيكا هوكوساي ليست مجرد خيال مرعب، بل تمثل أويوا، بطلة أشهر حكايات الأشباح اليابانية والمرأة التي تحولت خيانتها ومأساتها إلى رمز للانتقام القادم من عالم الموتى.
من امرأة حقيقية إلى أسطورة مرعبة
تعرف الحكاية باسم يوتسويا كايدان أي «حكاية شبح يوتسويا»، وتُرد بعض جذورها المكتوبة إلى نص ظهر سراً نحو عام 1727، مزج بين الشائعات والفضائح المنسوبة إلى أسر عاشت في منطقة يوتسويا بمدينة إيدو، طوكيو الحالية، لكن الصورة التي عرفها الجمهور جاءت مع مسرحية توكائيدو يوتسويا كايدان التي كتبها تسورويا نانبوكو الرابع وعُرضت لأول مرة عام 1825 على مسرح ناكامورا-زا، لتصبح واحدة من أشهر مسرحيات الكابوكي اليابانية.
غير أن أويوا التي عرفها التاريخ المحلي تختلف كثيراً عن الشبح فبحسب الرواية المرتبطة بمزار تاميا إيناري في شينجوكو كانت ابنة أحد رجال الشوغونية وزوجة صالحة عُرفت بالوفاء والتدين ولم يقتلها زوجها ولم تعد للانتقام منه ويبدو أن المسرح استعار اسمها ومكانتها الشعبية، ثم أحاطهما بحكاية قاتمة طغت على صورتها الأصلية.
السم الذي شوّه وجهها
في المسرحية تعيش أويوا مع زوجها تاميا إيمون وهو ساموراي فقد سيده وتحول إلى رجل قاسٍ وانتهازي، لم يعد إيمون يرغب في زوجته، خصوصاً بعد أن وقعت الشابة أومي في حبه، وسعت أسرتها إلى تزويجها منه.
أرسل جد أومي إلى أويوا دواءً مزعوماً، لكنه كان سماً أدى إلى تشوه نصف وجهها، وانتفاخ إحدى عينيها وتساقط شعرها. وبدلاً من حمايتها، استغل إيمون حالتها ليجد مبرراً للتخلص منها والزواج من منافستها، وعندما اكتشفت أويوا الخيانة ونظرت إلى وجهها في المرآة، اندفعت غاضبة تبحث عن الانتقام، لكنها ماتت أثناء الاضطراب بعدما أصابها نصل حاد. وفي بعض الاقتباسات الحديثة، يتحول إيمون إلى قاتلها المباشر ،لكن الموت لم يكن نهاية الحكاية.
عودة الأونريو
عادت أويوا في صورة أونريو وهي الروح الانتقامية في المعتقد الشعبي الياباني؛ روح إنسان مات وهو يحمل ظلماً وغضباً شديدين، فيبقى حقده متعلقاً بعالم الأحياء.
في ليلة زفاف إيمون من أومي، ظهر له وجه أويوا مكان وجه عروسه، استل سيفه وضرب الشبح ليكتشف أنه قتل زوجته الجديدة ثم ظهر له وجه أويوا مرة أخرى في هيئة والد أومي فقتله أيضاً، ومنذ تلك اللحظة تحولت حياته إلى سلسلة من الهلاوس والمطاردات، تظهر فيها أويوا على الجدران، وفي الظلام، وفوق الماء وداخل الفوانيس حتى فقد عقله وقُتل في النهاية.
لم تعد أويوا المرأة الضعيفة التي استطاع زوجها إذلالها؛ فقد منحها الموت القوة التي حُرمت منها في حياتها، ولهذا أصبحت رمزاً متكرراً في الفلكلور الياباني للمرأة المظلومة التي تعجز عن نيل العدالة بين الأحياء، فتعود لتنتزعها بنفسها.
الشبح الذي خرج من الفانوس
ساهم مسرح الكابوكي في ترسيخ رعب الحكاية من خلال مؤثرات صادمة بالنسبة إلى جمهور القرن التاسع عشر، ففي أحد أشهر المشاهد، تجلس أويوا أمام المرآة وتحاول تمشيط شعرها، لكنه يتساقط في خصل كبيرة بينما يتكشف تشوه وجهها تدريجياً، وفي مشهد آخر ينبثق شبحها فجأة من فانوس ورقي مشتعل أمام الجمهور.
هذه الصورة هي التي خلدها هوكوساي ضمن سلسلته «مئة حكاية شبحية» في ثلاثينيات القرن التاسع عشر، رسم وجه أويوا مندمجاً في فانوس قديم حتى بدت تمزقات الورق كأنها تجاعيد وجروح، وتحولت فتحة الفانوس إلى عين مشوهة، لم يعد الشبح يسكن الفانوس فحسب، بل أصبح الفانوس نفسه جسد أويوا ووجهها.
هل تحمل الحكاية لعنة ؟
مع مرور الوقت ظهرت شائعات تقول إن تقديم مسرحية أو فيلم عن أويوا من دون احترام روحها قد يجلب الحوادث والمرض إلى طاقم العمل ولهذا اعتاد بعض الممثلين والمخرجين زيارة المزار المرتبط باسمها قبل بدء التصوير أو العرض طلباً للحماية وتجنباً لغضبها.
لا يوجد دليل يثبت أن حوادث الإنتاجات الفنية كانت ناتجة عن لعنة خارقة لكن الخوف من أويوا أصبح جزءاً من الأسطورة نفسها وهكذا لم تعد الشخصية محصورة في المسرح بل صارت روحاً يحرص من يعيدون تمثيل قصتها على استرضائها، ولو من باب الاحتياط.
أم أشباح الرعب الياباني
انتقلت «يوتسويا كايدان» من الكابوكي إلى السينما وأعيد تقديمها مراراً ومن أشهر اقتباساتها فيلم شبح يوتسويا للمخرج نوبو ناكاغاوا عام 1959، كما يمكن رؤية أثر أويوا في الصورة الحديثة للشبح الياباني الأنثوي: الشعر الأسود الطويل، الثوب الأبيض، الوجه المشوه، والمرأة التي تعود بعد تعرضها للخيانة أو القتل.
ومن ساداكو في فيلم الحلقة The Ring إلى الأرواح الغاضبة في سلسلة الحقد استمر النموذج ذاته: ضحية ماتت مظلومة لكن موتها لم ينهِ غضبها، بل أطلقه بلا حدود.
وربما لهذا بقيت أويوا حية في الذاكرة اليابانية فهي ليست مجرد شبح شرير بل امرأة سُلب منها وجهها وكرامتها وحياتها ثم عادت من الموت لتجبر من ظلمها على رؤية وجهها في كل مكان.