حين نتخيل أول اتصال مع ذكاء خارج الأرض، نفترض غالباً أنه سيترك أثراً يمكن فهمه: إشارة، لغة، آلة، مدينة، أو سلوكاً يبدو هادفاً، لكن ماذا لو كان هذا الافتراض هو المشكلة نفسها ؟

ماذا لو وجدنا أمامنا كياناً قادراً على تغيير بيئته والتفاعل معنا، وربما قراءة عقولنا والتأثير في المادة، ومع ذلك عجزنا عن الإجابة عن أبسط سؤال: هل هذا الكيان واعٍ أصلاً ؟

هذا هو السؤال المركزي في رواية سولاريس Solaris للكاتب البولندي ستانيسواف لِم Stanisław Lem المنشورة عام 1961، فالرواية لا تتعامل مع "الكائن الفضائي" بوصفه مخلوقاً يمكن فهمه بعد بعض الوقت، بل تطرح احتمالاً أكثر إزعاجاً: أن يحدث الاتصال فعلاً، بينما تظل طبيعة الطرف الآخر خارج قدرتنا على الفهم.

كوكب يتصرف على نحو غير مفهوم

يصل عالم النفس كريس كلفن Kris Kelvin إلى محطة أبحاث تدور حول كوكب سولاريس، ليجد طاقمها في حالة اضطراب نفسي وسلوكي شديد.

سولاريس عالم يغطيه محيط هائل، ويدور في منظومة ذات شمسين. والمثير أن مداره يبدو أكثر استقراراً مما ينبغي، ما دفع الباحثين إلى الشك في أن المحيط نفسه يتدخل بطريقة ما في الظروف الفيزيائية للكوكب ويحافظ على توازنه.

لكن الغرابة لا تتوقف عند ذلك.

من سطح المحيط ترتفع تكوينات هائلة ومعقدة، بعضها هندسي وبعضها أقرب إلى منحوتات مؤقتة لا تشبه شيئاً مألوفاً. أطلق الباحثون عليها أسماء وتصنيفات مثل ميمودات وسيمترادات Mimoids وSymmetriads، إلا أن هذه التسميات لم تقربهم كثيراً من فهم معناها.

هل هي أبنية ؟ أفكار متجسدة ؟ عمليات حيوية ؟ أم مجرد ظواهر طبيعية شديدة التعقيد ؟

لا يقدم سولاريس جواباً واضحاً.

معرفة هائلة بلا فهم

تنشأ حول الكوكب مؤسسة علمية كاملة تعرف باسم  Solaristics ويقضي العلماء عقوداً في جمع البيانات وكتابة الدراسات وتصنيف الظواهر.

المفارقة أن كمية المعرفة تزداد، لكن الفهم لا يتقدم بالقدر نفسه.

يمكن قياس ارتفاع التكوينات ومدتها وتركيبها، لكن ذلك لا يجيب عن السؤال الأهم: هل تحمل هذه الظواهر معنى؟ وهل تقف وراءها نية ؟

هنا يطرح لِم فكرة مركزية في الرواية: قد نعرف عن شيء ما آلاف التفاصيل، ومع ذلك نظل عاجزين عن معرفة ما هو حقاً.

عندما يبدأ المحيط في النظر إلينا

يتحول اللغز من مشكلة علمية إلى تجربة شخصية عندما يبدأ أفراد المحطة في استقبال "زوار".

بالنسبة إلى كلفن تظهر هاري Harey، المرأة التي أحبها وماتت قبل سنوات. لكنها لا تظهر كشبح أو هلوسة، بل كجسد مادي حي يستطيع الحديث والتفاعل معه.

سرعان ما يتضح أن لكل فرد في المحطة زائراً يرتبط بذكريات دفينة أو مؤلمة من ماضيه.

هنا تصبح المسألة أكثر تعقيداً.

إذا كان محيط سولاريس يستطيع الوصول إلى ذاكرة إنسان يدور في محطة فوقه، ثم إعادة تشكيل شخص من تلك الذاكرة في صورة جسدية، فهل هذه محاولة للتواصل ؟ أم تجربة ؟ أم استجابة دفاعية ؟ أم مجرد نتيجة طبيعية لعملية لا نفهمها ؟

الأهم أن هذه الكائنات نفسها لا تبدو رسلاً واعين لمهمة ما. فهي لا تعرف في البداية حتى حقيقتها أو مصدرها.

هل يحاول سولاريس الكلام ؟

يصبح هذا السؤال هو قلب الرواية ، نحن نعرف عادة أن التواصل حدث عندما نرى إشارات يمكن تفسيرها: لغة، إيماءة، رمز، استجابة منتظمة. لكن سولاريس لا يقدم شيئاً بهذه البساطة.

ربما لا توجد لديه لغة أصلاً وربما لا يفصل بين التفكير والفعل بالطريقة التي يفعلها الإنسان.

بل ربما لا توجد لديه "أفكار" منفصلة بالمعنى البشري.

حين يعيد المحيط تشكيل إنسان من ذاكرة شخص آخر، يبدو لنا الفعل متعمداً. لكن كلمة «متعمد» نفسها قد تكون إسقاطاً بشرياً على نظام يعمل وفق منطق لا نعرفه.

وهنا تظهر الفكرة الأكثر إثارة في الرواية 

قد يحدث اتصال بين ذكاءين من دون أن يستطيع أي منهما التأكد من أن اتصالاً قد حدث.

الذكاء ليس هو الوعي

هذه الفكرة تجعل سولاريس أقرب إلى نقاشات الوعي الحديثة منها إلى قصة تقليدية عن الفضائيين.

فالذكاء والوعي ليسا الشيء نفسه.

يمكن لنظام أن يبدو ذكياً لأنه يتكيف مع بيئته أو يحل المشكلات. لكن الوعي يطرح سؤالاً مختلفاً: هل توجد في الداخل تجربة ذاتية؟ هل هناك "شيء ما يشبه أن تكون سولاريس" ؟

حتى على الأرض لا نرى الوعي مباشرة، بل نستدل عليه من السلوك والجهاز العصبي والتشابه بيننا وبين الكائنات الأخرى.

وإذا كان تحديد حدود الوعي لدى الحيوانات نفسها ما يزال موضوعاً للنقاش العلمي، فكيف سيكون الأمر أمام كيان تطور بصورة مستقلة تماماً في عالم آخر؟

الحياة كما لا نعرفها

علم الأحياء الفلكي يواجه اليوم نسخة أولية من هذا التحدي.

فالبحث التقليدي عن الحياة يعتمد على النموذج الوحيد الذي نعرفه: الحياة الأرضية. لذلك نبحث عن الماء والكربون والجزيئات العضوية والغازات التي يمكن أن تشير إلى نشاط بيولوجي.

لكن ماذا لو كانت الحياة خارج الأرض مختلفة جذرياً ؟

لهذا ظهر اهتمام بمفهوم البصمات الحيوية الغير ملموسة Agnostic Biosignatures أي البحث عن بصمات للحياة لا تعتمد بالكامل على الكيمياء الأرضية المألوفة.

لكن سولاريس يذهب أبعد من ذلك.

حتى لو اكتشفنا أن شيئاً ما حي، تبقى أسئلة أخرى:

هل هو ذكي ؟ وهل هو واعٍ ؟

وهل يمكننا حتى تصميم اختبار يجيب عن هذه الأسئلة من دون أن نفترض مسبقاً أن الذكاء يجب أن يشبهنا؟

ماذا لو كنا نبحث عن الشيء الخطأ ؟

البحث عن الذكاء خارج الأرض يعتمد بدرجة كبيرة على ما يعرف بـ "آثار النشاط التقني" Technosignatures، أي إشارات مصطنعة، استهلاك غير طبيعي للطاقة، أو تغيرات في البيئة قد تشير إلى حضارة متقدمة.

لكن ماذا لو لم يحتج الذكاء المتقدم إلى آلات منفصلة عنه ؟ ماذا لو كان جسده وبيئته وتقنيته شيئاً واحداً ؟

بالنسبة إلى سولاريس، ربما يكون التحكم في بيئة كوكب كامل أو إعادة بناء كائن بشري من الذاكرة أقرب إلى ما نسميه نحن "التكنولوجيا" ، لكن حتى ذلك لا يكفي لإثبات وجود قصد أو وعي ، وهذا هو الفارق بين أن نلاحظ نظاماً معقداً، وبين أن نفهم العقل الذي يقف وراءه.

من يدرس من ؟

في البداية يذهب البشر إلى سولاريس لدراسته ، لكن حين يبدأ المحيط بإنتاج أشخاص من أعماق أذهانهم، تنقلب العلاقة.

هل أصبح البشر أنفسهم موضوع الدراسة ؟

ربما ، لكن حتى هذا التفسير قد يكون إنسانياً أكثر مما ينبغي.

قد لا يكون سولاريس فضولياً، ولا غاضباً، ولا راغباً في التواصل. بل ربما تكون «الزيارات» مجرد نتيجة لعملية لا يوجد في خبرتنا البشرية ما يشبهها.

وهنا تكمن قوة الرواية: كل تفسير معقول يعتمد في النهاية على مفاهيم بشرية مثل النية والفضول والعقاب والرسالة.

لكن ماذا لو كانت هذه المفاهيم غير صالحة أصلاً لوصف عقل فضائي حقيقي ؟

هل سولاريس واعٍ ؟

لا تقدم الرواية إجابة حاسمة، هناك ما يكفي للإيحاء بأن المحيط ليس مجرد مادة خاملة: استقراره الغريب، وتكويناته المعقدة، وتفاعله مع عقول البشر، لكن لا شيء يسمح بالجزم بأن سولاريس "يعرف" ما يفعله.

قد يكون واعياً ، وقد يكون ذكياً من دون وعي يشبه وعينا، وقد يكون نوعاً من الوعي الموزع الذي لا توجد فيه "ذات" منفردة.

وربما يكون السؤال نفسه خاطئاً، لأن مفهومنا عن الوعي نشأ لوصف البشر وكائنات الأرض، لا محيطاً كوكبياً تطور تحت شمسين.

وهنا تتركنا رواية سولاريس Solaris أمام سؤالها الأكثر إزعاجاً:

كيف يمكننا التعرف إلى عقل لا يشبه أي عقل عرفناه من قبل ؟

وربما يكون الجواب أننا قد لا نستطيع.

قد نصل يوماً إلى عالم آخر، نقيسه ونرصده ونكتب عنه آلاف الدراسات، ثم نغادر مقتنعين بأننا لم نجد ذكاءً هناك.

بينما يكون شيء ما، طوال الوقت، يراقبنا بطريقته الخاصة.