في منتصف ليلة من ليالي يونيو عام 1987، استيقظ الفرنسي ميشيل ديسماركيه Michel Desmarquet فجأة في منزله الواقع شمال شرقي أستراليا،  لم يكن يعرف لماذا نهض أو ارتدى ملابسه، لكنه وجد نفسه يكتب لزوجته رسالة قصيرة يخبرها فيها بأنه سيغيب نحو عشرة أيام، ثم خرج إلى الحديقة.

هناك، كما يروي، خيّم صمت غريب على المكان وظهر ضوء أزرق أخذ يشوّه الأشجار والجدران، قبل أن يشعر بجسده يرتفع عن الأرض، وجد أمامه كائناً بشري الهيئة، بالغ الطول، يدعى "ثاو" سيأخذه في رحلة عبر المجرة إلى كوكب ذهبي اسمه "ثيوبا".

بعد تسعة أيام عاد ديسماركيه إلى حديقته، حاملاً ما وصفه بأنه أهم رسالة تلقتها البشرية منذ ألفي عام، لكن هل سافر الرجل فعلاً إلى كوكب آخر، أم أننا أمام رواية روحانية تستعير عناصرها من أدبيات العصر الجديد ونظريات رواد الفضاء القدماء ؟

من هو ميشيل ديسماركيه ؟

ولد ديسماركيه في نورماندي بفرنسا سنة 1931، وعاش فترة في أفريقيا وكاليدونيا الجديدة قبل أن يستقر قرب مدينة كيرنز الأسترالية، حيث عمل في الزراعة وتنسيق الحدائق، لم يكن فلكياً أو فيزيائياً أو عالم آثار، كما لم تكن له، بحسب سيرته، خبرة سابقة في التأليف.

يقول إنه أنهى مخطوطة قصته بالفرنسية في يناير 1989، بعد توجيه تخاطري تلقاه من ثاو، لكنه لم يجد ناشراً إلا بعد عدة سنوات، ظهرت الطبعة الإنجليزية الأولى عام 1993 بعنوان Abduction to the 9th Planet، أي "الاختطاف إلى الكوكب التاسع" ثم تغير الاسم إلى Thiaoouba Prophecy أو "نبوءة ثيوبا".

ووفق بيانات طبعة 2004، فُقدت المخطوطة الفرنسية الأصلية، بينما خضعت الترجمة الإنجليزية لتعديلات وتصحيحات لاحقة بالاتفاق مع المؤلف،  وهذا لا يبطل القصة تلقائياً، لكنه يجعل النص الإنجليزي المتداول نسخة منقحة لا المخطوطة الأولى التي كتبها ديسماركيه عقب التجربة مباشرة، وقد صدرت حديثاً ترجمة عربية بعنوان "نبوءة ثيوبا: الكوكب الذهبي" عن دار فرست بوك للنشر والتوزيع.

ماذا شاهد على الكوكب الذهبي ؟

بحسب الكتاب، لا تعني عبارة "الكوكب التاسع" أن ثيوبا يحتل الموقع التاسع في نظام شمسي، بل إنه ينتمي إلى الفئة التاسعة، وهي أعلى مرتبة في سلم روحاني يضم تسع فئات من الكواكب، بينما تقع الأرض في الفئة الأولى والأدنى.

يصف ديسماركيه سكان ثيوبا بأنهم كائنات طويلة، جميلة ومخنثة جنسياً، تمتلك قدرات على التخاطر والتحليق والتحكم بالمادة وتجديد أجسادها، ويمكنها أن تعيش ملايين السنين. أما مجتمعهم فلا يعرف النقود أو المدارس أو الكتب؛ لأن المعرفة تنتقل فيه مباشرة من عقل إلى آخر.

وخلال الرحلة تقدم له ثاو تاريخاً بديلاً للأرض: البشر الأوائل مهاجرون من كواكب أخرى، وقارتا مو وأطلانتس كانتا حضارتين متقدمتين، والهرم الأكبر آلة للتواصل لا مقبرة ملكية، وتماثيل جزيرة الفصح صور لكائنات زارت الأرض قديماً، بينما تحدث اختفاءات مثلث برمودا بسبب تداخل كوننا مع كون موازٍ.

ويمزج الكتاب ذلك كله بـ تناسخ الأرواح والاسقاط النجمي والهالات الملونة ورسائل تحذر من المادية والمال والمخدرات والتلوث وسوء استخدام التكنولوجيا.

أين الدليل على الرحلة ؟

المشكلة الأساسية أن رواية ديسماركيه تقف وحيدة بلا دليل مستقل. فلا توجد صورة أو عينة أو تسجيل أو أثر مادي عاد به من ثيوبا، ولا شهادة منشورة من شخص شاهد مغادرته أو عودته.

يذكر الموقع المخصص للكتاب أن أسرته لاحظت غيابه، لكنها لم تبلغ الشرطة لأنه ترك رسالة يخبرهم فيها بأنه سيعود، ومع ذلك لا يعرض الموقع الرسالة الأصلية أو شهادة موثقة من الزوجة أو الأبناء تؤكد مدة الغياب وملابساته.

وعندما يُسأل مروجو الكتاب عن الدليل المادي، يجيبون بأن سكان ثيوبا تعمدوا عدم منح البشر أي تقنية لأن البشرية غير مستعدة لها، أما موقع الكوكب نفسه فغير معروف، وما يطرح حول وجوده في عنقود القلائص النجمي ليس معلومة وردت في الرحلة، بل تخمين لاحق.

بهذا تصبح القصة عصية على الاختبار: لا دليل لأن الكائنات لا تريد ترك دليل، ولا إحداثيات لأن الموقع يجب أن يبقى مجهولاً، أما المعلومات التي لم يثبتها العلم بعد فسيجري إثباتها في المستقبل. وهذه بنية تحمي الاعتقاد، لكنها لا تثبته.

عندما تصطدم الرواية بالآثار

يزعم الكتاب أن تماثيل جزيرة القيامة، أو رابا نوي، بقايا من قارة مو التي دمرتها كارثة قبل نحو 14,500 سنة، وأن بعض التماثيل يصل ارتفاعه إلى خمسين متراً.

غير أن الأدلة الأثرية والجينية تربط سكان رابا نوي بالملاحين البولينيزيين الذين وصلوا إلى الجزيرة قرابة سنة 1200 ميلادية، كما تنسب إليهم نحت التماثيل خلال القرون اللاحقة. وأظهرت دراسة للجينومات القديمة⁠ أن تاريخ السكان يتفق مع أصولهم البولينيزيّة، لا مع حضارة قارية غارقة عاشت قبل آلاف السنين.

أما أطول تمثال جرى نصبه فعلياً فيبلغ نحو عشرة أمتار، في حين يصل أكبر تمثال غير مكتمل في المحجر إلى قرابة 21 متراً، وليس خمسين متراً. ويُظهر وجود التماثيل غير المكتملة في محجر رانو راراكو، إلى جانب الأدوات ومسارات النقل، أن إنتاجها كان نشاطاً محلياً لسكان الجزيرة.

ويتكرر التعارض في قصة الهرم الأكبر، فالكتاب ينسب بناءه إلى "تحوت" القادم من أطلانتس، ويقول إنه شُيد خلال تسع سنوات بواسطة مضادات الجاذبية و"الموجات الكهربائية فوق الصوتية"، نافياً أن يكون من بناء عصر خوفو.

في المقابل، تربط النقوش والمقابر ومساكن العمال والوثائق المكتشفة الهرم بعهد خوفو في القرن السادس والعشرين قبل الميلاد، ومن أقوى تلك الشواهد يوميات المفتش مرر، التي تسجل نقل كتل الحجر الجيري من محاجر طرة إلى الجيزة خلال حكم خوفو، وتقدم برديات وادي الجرف⁠ دليلاً مباشراً على شبكة العمل والإمداد المرتبطة بمشروع الهرم.

بشر جاؤوا من الفضاء ؟

يقدم الكتاب الأعراق البشرية باعتبارها امتداداً لجماعات سوداء وصفراء وبيضاء وصلت من كواكب مختلفة، ويستخدم أوصافاً عرقية كانت شائعة في الكتابات القديمة، لكنها لا تنسجم مع علم الوراثة الحديث.

فالأحافير والأدلة الجينية تشير إلى أن الإنسان العاقل تطور في أفريقيا قبل نحو 300 ألف سنة، ثم انتشر في بقية العالم وتزاوج أحياناً مع جماعات بشرية أقدم، مثل النياندرتال، ولا توجد في الجينوم البشري إشارة إلى أصل غير أرضي أو إلى أن الأعراق الحالية تمثل أنواعاً منفصلة جاءت من كواكب مختلفة.

وماذا عن مثلث برمودا ؟

يشرح الكتاب اختفاء السفن والطائرات في مثلث برمودا بوجود «التواء طبيعي» يربط عالمنا بكون موازٍ، وقد يبتلع البشر والمركبات ويبقيهم عالقين خارج الزمن.

لكن هذه الفكرة تفترض أولاً أن المنطقة تشهد عدداً استثنائياً من الاختفاءات، وهو أمر لا تؤيده السجلات، تؤكد الإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي⁠ أنه لا يوجد دليل على وقوع اختفاءات غامضة في مثلث برمودا بمعدل يفوق غيره من المناطق البحرية الكبيرة والمزدحمة. وغالباً ما تدخل في الحوادث المعروفة عوامل الطقس والأعاصير والتيارات القوية والأخطاء البشرية والمبالغات الصحفية.

إعادة كتابة الأديان

لا يقتصر الكتاب على الفضاء والآثار، بل يعيد تفسير الروايات الدينية بصورة جذرية، فهو يربط اسم ثيوبا بالأحرف العبرية المقدسة יהוה، المعروفة بالرباعي المقدس YHWH، ويزعم أن سكان الكوكب هم الذين ظهروا لإبراهيم وساعدوا موسى وأعطوه الوصايا.

لا يوجد، مع ذلك، أي أساس لغوي معروف يحول YHWH إلى "ثيوبا" ويربط علماء اللغات السامية الاسم العبري بالفعل الدال على الوجود أو الكينونة، ويرجحون له نطقاً قريباً من "ياهْوِه" مع بقاء بعض تفاصيل لفظه القديم موضع نقاش.

ويقدم الكتاب رواية أكثر غرابة عن المسيح؛ إذ يزعم أن الحمل بمريم وقع بتدخل كائن فضائي، وأن يسوع المولود في بيت لحم سافر لاحقاً إلى آسيا وعاش حتى مات في قرية شينغو اليابانية، بينما كان المصلوب كائناً آخر من ثيوبا اتخذ جسداً بشرياً. كما يفسر المعجزات والقيامة من خلال تقنية فضائية.

هذه ليست اكتشافات تاريخية تستند إلى مخطوطات أو آثار، بل إعادة صياغة لعقائد دينية داخل عالم الكتاب، وتتعارض في جوانب أساسية مع المعتقدين الإسلامي والمسيحي.

هل يحتوي الكتاب على نبوءة ؟

رغم عنوانه، لا يقدم الكتاب نبوءة واضحة تحدد حدثاً وزماناً بحيث يمكن اختبارها، ما نجده تحذيرات عامة من المادية والتلوث والأسلحة والتكنولوجيا والإعلام والسياسيين واحتمال تعرض الحضارة لكارثة.

وقد تكون رسالته الداعية إلى المحبة وتقليل الاستهلاك وعدم إساءة استخدام التقنية جديرة بالتأمل، لكنها كانت أيضاً من أبرز قضايا ثمانينيات القرن العشرين، في ظل الحرب الباردة والخوف من الدمار النووي وصعود الحركات البيئية. وجود رسالة أخلاقية نافعة لا يثبت أن مصدرها حضارة فضائية.

بل إن البيئة الترويجية المحيطة بالكتاب تجاوزت لاحقاً الرواية إلى ادعاءات مؤامراتية؛ إذ يزعم موقعه أن نحو اثنتي عشرة عائلة خفية تتحكم بالنظام المالي العالمي، من دون تقديم أسماء موثقة أو أدلة يمكن فحصها.

بين التجربة والحقيقة

ليس لدينا ما يسمح بالجزم بأن ميشيل ديسماركيه كان يتعمد الكذب، ربما آمن تماماً بما رواه، أو مر بتجربة رؤيوية أو حالة وعي غير مألوفة، أو صاغ عملاً تخيلياً أصبح مع الزمن عقيدة شخصية. ولا يمكن تشخيص تجربة نفسية مضى عليها عقود من خلال كتاب وحده.

لكن صدق الإنسان في وصف ما يعتقد أنه عاشه يختلف عن صحة تفسيره لما حدث، وعندما يقدم المؤلف روايته كتاريخ حقيقي للإنسان والأديان والآثار، تصبح مزاعمه خاضعة للمقارنة بالأدلة، وهنا تظهر أخطاء وتناقضات واضحة، بينما يبقى الحدث الأساسي بلا شاهد مستقل أو أثر مادي.

لهذا يمكن قراءة كتاب "نبوءة ثيوبا" بوصفها رحلة خيالية مشوقة ونصاً روحانياً يعكس ثقافة العصر الجديد ومخاوف أواخر القرن العشرين، أما تقديمها باعتبارها "حقيقة استثنائية" أو كشفاً موثقاً لأصل البشر، فلا تسنده الأدلة المتاحة.

ثيوبا، حتى الآن، موجودة على صفحات كتاب فقط.