أثار الباحث والمترجم الإيطالي ماورو بيغلينو Mauro Biglino جدلاً جديداً بادعائه أن بعض النصوص العبرية الأصلية في الكتاب المقدس ربما لا تتحدث عن إله واحد بالمعنى الذي استقر عليه التفسير الديني، وإنما عن مجموعة من الكائنات القوية التي امتلكت قدرات وتقنيات متقدمة، ثم جرى فهمها لاحقاً بوصفها آلهة أو كائنات سماوية.

وبيغلينو مترجم سابق عمل على نصوص توراتية لصالح إديزيوني سان باولو وهي إحدى دور النشر الكاثوليكية الإيطالية المعروفة. ويقول إن سنوات عمله على النص العبري دفعته إلى تبني قراءة تختلف جذرياً عن التفسير اللاهوتي التقليدي.

وفي حديثه إلى صحيفة Daily Mail البريطانية ذهب بيغلينو إلى أبعد من ذلك، مدعياً أن مصادر يعتبرها موثوقة أخبرته بأن شخصيات داخل الفاتيكان تتابع أعماله وتناقش أفكاره في بعض الدوائر اللاهوتية.

لكن اللافت أن بيغلينو لم يقدم دليلاً مستقلاً يثبت أن الفاتيكان يراقبه أو يستعد للرد عليه، بل اكتفى بالقول إنه، بالنظر إلى انتشار كتبه، يرى أن تدخلاً ما من جانب المؤسسة الكنسية قد يصبح محتملاً في المستقبل.

«إلوهيم»: إله واحد أم جماعة من الكائنات ؟

ينطلق جزء كبير من أطروحة بيغلينو من الكلمة العبرية Elohim – إلوهيم، وهي كلمة ذات صيغة جمع من الناحية الشكلية ويرى أن هذه الصيغة، إلى جانب ورود مشاهد تتحدث عن «مجالس» أو «اجتماعات» لكائنات إلهية، يمكن أن تشير إلى جماعة من الكائنات المستقلة، لا إلى إله واحد.

كما يتوقف عند أسماء وألقاب مثل يهوه Yahweh، وإليون Elyon، وشدّاي Shaddai، والتي يفهمها التراث اليهودي والمسيحي عادة بوصفها أسماء أو ألقاباً مرتبطة بالإله نفسه، بينما يتساءل بيغلينو عما إذا كانت تشير في الأصل إلى كيانات قوية مختلفة.

وبحسب قراءته، فإن هذه الشخصيات لا تتصرف دائماً كإله مطلق المعرفة والوجود، وإنما – كما يقول – كحكام ماديين: ينتقلون من مكان إلى آخر، يعقدون المجالس، يقسمون الأراضي، يدخلون في صراعات، ويحكمون جماعات مختلفة.

ويضيف أن بعض النصوص تنسب إليهم أفعالاً وصفات بشرية مثل الأكل والشرب والراحة والغضب والغيرة ويستشهد خصوصاً بـ المزمور 82 الذي يتحدث عن اجتماع إلهي ويحتوي على عبارة تفيد بأن بعض الموجودين فيه «سيموتون مثل البشر»، ويرى في ذلك مؤشراً إلى أنهم لم يكونوا كائنات أزلية خالدة.

كما يستند إلى سفر التثنية 32 وما يتضمنه من تصوير لتقسيم الأمم بين قوى أو كائنات سماوية ، غير أن أياً من هذه النصوص لا يذكر كائنات فضائية أو حضارات قادمة من كواكب أخرى. والتفسير الأكاديمي والديني الأكثر شيوعاً يرى في هذه الشخصيات كائنات سماوية أو أعضاء في «المجلس الإلهي» خاضعين لإله إسرائيل، وليس زواراً فضائيين.

كذلك فإن صيغة «إلوهيم»، رغم كونها جمعاً شكلياً، تأتي في مواضع كثيرة من العهد القديم مع أفعال وصفات بصيغة المفرد عندما تشير إلى إله إسرائيل، وهو ما يعتبره علماء اللغة العبرية دليلاً مهماً على أن شكل الكلمة الجمعي لا يعني بالضرورة تعدد الآلهة في تلك المواضع.

مركبات فضائية في رؤيا حزقيال ؟

ينتمي بيغلينو بوضوح إلى الاتجاه المعروف باسم نظرية رواد الفضاء القدامى Ancient Astronaut Theory، التي تفترض أن كائنات متقدمة تكنولوجياً زارت الأرض في عصور سحيقة، وأن البشر القدماء فسروها في إطار معرفتهم المحدودة بوصفها آلهة أو ملائكة أو شياطين.

ومن أشهر النصوص التي يستند إليها أنصار هذه النظرية رؤيا النبي حزقيال بما تتضمنه من عجلات ونار وأضواء وكائنات غريبة وحركة في السماء.

ويرى بيغلينو أن بعض هذه الأوصاف يمكن قراءته باعتباره وصفاً بدائياً لتكنولوجيا أو وسائل طيران لم يكن لدى الإنسان القديم مصطلحات مناسبة لوصفها.

أما غالبية دارسي النصوص التوراتية فيرون أن رؤيا حزقيال تنتمي إلى اللغة الرمزية والرؤيوية الدينية، وأن تحويل صورها إلى وصف هندسي لمركبة فضائية يتطلب افتراضات لا يقدمها النص نفسه.

«مجد الرب»… آلة مادية ؟

ومن الكلمات الأخرى التي يعتمد عليها بيغلينو كلمة كافود Kavod التي تُترجم تقليدياً إلى «مجد» أو «جلال» الرب ، يشير بيغلينو إلى أن الجذر العبري يرتبط أيضاً بمعاني الوزن والثقل، ويرى أن بعض المقاطع في سفري الخروج وحزقيال تصور الكافود Kavod وكأنه شيء يتحرك ويصل ويغادر ويرتبط بالضجيج والنار والضوء وقد يشكل خطراً على من يقترب منه.

ومن هنا يقترح أنه ربما كان شيئاً مادياً، أو حتى وسيلة تكنولوجية وليس مجرد ظهور روحي ، ويقول إن النصوص القديمة ربما احتفظت بذكريات شعوب عاشت اتصالاً بكائنات تمتلك معرفة متقدمة وأعماراً أطول وتقنيات لم يكن كتّاب ذلك العصر قادرين على وصفها إلا بمفردات عالمهم.

لكن مرة أخرى، فإن الانتقال من معنى «الثقل» أو «الحضور الملموس» إلى فرضية وجود مركبة فضائية لا تمليه اللغة نفسها، وإنما يأتي نتيجة تفسير مسبق للنص في ضوء فرضية رواد الفضاء القدامى.

هل يعرف الفاتيكان شيئاً ؟

يعتقد بيغلينو أن متخصصين في الفاتيكان، من مؤرخين وعلماء آثار وعلماء، لا بد أنهم ناقشوا إمكان أن تحفظ النصوص الدينية القديمة روايات عن اتصال بالبشر مع ذكاء غير بشري ، ويفرق في هذا السياق بين احتمالين.

وجود حياة ميكروبية أو حتى حضارة عاقلة في كوكب بعيد لا يشكل، برأيه، مشكلة لاهوتية كبرى؛ إذ يمكن للكنيسة ببساطة اعتبار هذه الكائنات جزءاً آخر من الخليقة.

أما اكتشاف أن كائنات غير بشرية جاءت إلى الأرض فعلاً في الماضي، وتفاعلت مع البشر ثم عُبدت بوصفها آلهة، فسيكون أكثر إرباكاً بكثير لبعض التصورات الدينية التقليدية.

وقد ناقش علماء وموظفون مرتبطون بمرصد الفاتيكان علناً عبر السنوات إمكانية وجود حياة في الكون، لكن ذلك لا يمثل دليلاً على قبول الفاتيكان بنظرية رواد الفضاء القدامى، ولا على امتلاكه معلومات سرية تثبتها.

القراءة المثيرة لا تعني الدليل

تكمن جاذبية أطروحة بيغلينو في أنها تعيد قراءة نصوص مألوفة خارج إطارها التقليدي، وتطرح سؤالاً مثيراً: ماذا لو كان الإنسان القديم قد وصف شيئاً تكنولوجياً بلغة الآلهة والسماء والنار؟ 

لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول السؤال إلى إجابة مؤكدة ، فوجود كلمات متعددة المعاني، أو أوصاف لأجسام نارية في السماء، أو مجالس لكائنات إلهية، لا يثبت تلقائياً وجود زوار قادمين من كواكب أخرى. لكي تصبح فرضية «رواد الفضاء القدامى» نظرية تاريخية ذات وزن، ينبغي أن تمتلك أدلة مستقلة يمكن اختبارها: آثاراً تكنولوجية غير قابلة للتفسير ضمن عصرها، مواد ذات أصل خارج الأرض مرتبطة مباشرة بحضارة قديمة، أو وثائق متقاطعة لا تعتمد على إعادة تفسير المجازات والأساطير.

وهذا النوع من الأدلة لم يظهر حتى الآن.

لماذا أرفض نظرية «رواد الفضاء القدامى» ؟

على الرغم من أنني أجد هذه الفرضيات مادة شديدة الإثارة للبحث والنقاش، فإنني لا أرى نظرية رواد الفضاء القدامى ذات مصداقية كافية لتفسير الأديان والأساطير والحضارات القديمة.

المشكلة الأساسية في هذه النظرية أنها تبدأ غالباً بالنتيجة التي تريد الوصول إليها ثم تبحث داخل النصوص والصور والآثار عما يمكن أن يتوافق معها. فإذا ورد «نور في السماء» أصبح مركبة، وإذا ظهر «إله نازل من السماء» أصبح رائد فضاء، وإذا بدا أثر قديم متقدماً هندسياً أصبحت وراءه حضارة خارجية.

وبهذه الطريقة يمكن تقريباً تحويل أي أسطورة إلى قصة اتصال فضائي.

كما أن هذه القراءة كثيراً ما تقلل، من دون قصد، من قدرة الإنسان القديم نفسه على الابتكار. فالأهرامات والمعابد والفلك والهندسة والأساطير لا تحتاج بالضرورة إلى معلم قادم من النجوم؛ وراءها مجتمعات بشرية امتلكت آلاف السنين من التجربة والملاحظة والتراكم المعرفي.

ولا يعني رفض نظرية «رواد الفضاء القدامى» استبعاد احتمال وجود حياة ذكية خارج الأرض، المسألتان مختلفتان تماماً.

قد يكون الكون مليئاً بالحياة، وربما توجد حضارات أقدم منا بملايين السنين، لكن القول إن إحداها زارت سومر أو مصر أو فلسطين القديمة وانتحلت لاحقاً صورة الآلهة يحتاج إلى دليل أقوى بكثير من نص غامض أو نقش قابل لأكثر من تفسير.

ولهذا أبقى منفتحاً على السؤال، لكنني لا أرى في «رواد الفضاء القدامى» حتى الآن أكثر من فرضية جذابة أعيد من خلالها تفسير التاريخ، بينما لا تزال تفتقر إلى الدليل المادي الذي يحولها من قصة ممكنة إلى حقيقة تاريخية.