أن تدرك فجأة وأنت نائم أن ما تراه ليس حقيقة، بل حلم، تجربة غريبة بحد ذاتها، قد تنظر إلى المكان من حولك وتقول لنفسك بوضوح: "أنا أحلم الآن"، ومن هنا تبدو الخطوة التالية بديهية: ما دمت تعرف أنك تحلم، فلماذا لا تغير الحلم كما تشاء ؟

حاول أن تطير، فتظل قدماك على الأرض، حاول فتح باب يقود إلى مكان آخر، فيأخذك إلى مشهد لم تختره، استدعِ شخصاً بعينه، فيظهر شخص مختلف تماماً.

هذه المفارقة التي يعرفها كثير من أصحاب الأحلام الجلية Lucid Dreams أو "الاحلام الواعية"، أصبحت محور مراجعة علمية جديدة نُشرت في مجلة أبحاث النوم Journal of Sleep Research وتطرح تمييزاً مهماً: أن تعرف أنك تحلم لا يعني بالضرورة أنك تسيطر على حلمك.

الوعي بالحلم شيء والسيطرة عليه شيء آخر

الحلم الجلي هو حلم يدرك فيه النائم، أثناء استمرار الحلم، أنه يحلم، وقد يحتفظ عندها بشيء من قدرته على التفكير واتخاذ القرار بدلاً من الانجراف الكامل مع الأحداث.

لكن الباحثتين كلاريتا بونامينو Clarita Bonamino وإيما بيتيرس Emma Peters تشيران إلى أن الدراسات كثيراً ما خلطت بين ثلاثة أشياء مختلفة: أن يعرف الإنسان أنه يحلم، وأن يشعر بأنه قادر على التصرف بحرية داخل الحلم، وأن يستطيع بالفعل تغيير أحداث الحلم بإرادته.

قد تجتمع هذه الحالات الثلاث، لكنها ليست الشيء نفسه، وهذا يفسر تجربة محيرة يتحدث عنها بعض الحالمين: يكون الشخص واعياً تماماً بأنه داخل حلم، لكنه يظل أشبه بشخص استيقظ داخل عالم لا يملك مفاتيحه.

لماذا يرفض الحلم تنفيذ أوامرك ؟

تقترح المراجعة التمييز بين نوعين من السيطرة، الأول سيطرة إرادية مباشرة؛ كأن يقرر الحالم الطيران، أو تغيير المكان، أو إظهار شخص أمامه ويحاول تنفيذ ذلك عن قصد.

أما النوع الثاني فأكثر خفاءً، إذ قد تؤثر توقعات الحالم ومعتقداته في أحداث الحلم من دون أن يصدر قراراً واعياً بتغييرها، فإذا توقع مثلاً أن يكون خلف باب ما شيء مخيف، فقد يظهر بالفعل بمجرد فتحه، وإذا كان مقتنعاً داخل الحلم بأنه غير قادر على الهرب، فقد تفشل محاولته حتى مع معرفته بأنه يحلم.وهنا تصبح السيطرة على الحلم أكثر تعقيداً من مجرد إصدار الأوامر.

من يصنع بقية الحلم ؟

تفتح هذه المسألة سؤالاً مثيراً عن طبيعة الوعي نفسه ، إذا كان الجزء الواعي من الإنسان يعرف أنه يحلم لكنه لا يستطيع تحديد ما سيظهر خلف الباب التالي، فمن أين تأتي الشخصيات والأماكن والأحداث المفاجئة ؟

لا يحتاج ذلك إلى افتراض وجود قوة خارجية تدير الحلم. فالدماغ يستطيع إنتاج الصور والذكريات والانفعالات والتوقعات من دون أن تكون جميع عملياتها متاحة لوعينا المباشر.

والأمر لا يختلف جذرياً عن اليقظة: يمكن أن تخطر في ذهنك فكرة أو ذكرى أو صورة فجأة من دون أن تكون قد قررت مسبقاً إنتاجها ، في الحلم يصبح هذا العالم الداخلي أكثر استقلالاً عن الإرادة الواعية حتى إن الحالم قد يفاجأ بما يصنعه عقله نفسه.

هل يمكن تعلم السيطرة ؟

تشير الأبحاث السابقة إلى تفاوت كبير بين أصحاب الأحلام الواعية، فبعضهم يستطيع تغيير أجزاء من الحلم بسهولة، بينما ينجح آخرون في مهام بسيطة ويفشلون في أخرى، وهناك من يدرك أنه يحلم من دون أن يكتسب أي سيطرة تذكر ، ولهذا ترى الباحثتان أن دراسة الأحلام الجلية تحتاج إلى الفصل بين الوعي والسيطرة بدلاً من اعتبارهما ظاهرة واحدة.

كما أن العلماء لا يملكون حتى الآن مقياساً موحداً ودقيقاً لدرجة التحكم بالحلم، ولا يعرفون تماماً لماذا تكون بعض جوانبه قابلة للتغيير بينما تقاوم جوانب أخرى إرادة الحالم.

لغز صغير داخل لغز أكبر

لا تثبت الدراسة أن الأحلام عوالم مستقلة، ولا أن شخصيات الحلم تمتلك وعياً خاصاً بها، إنها مراجعة لما توصلت إليه الأبحاث السابقة وليست تجربة تثبت وجود قوة مجهولة داخل الحلم.

لكنها تكشف مفارقة تستحق التأمل: يمكن للإنسان أن يستعيد وعيه داخل الحلم، من دون أن يستعيد معه السيطرة الكاملة.

وهذا يجعل الحلم الواعي أكثر إثارة من فكرة "التحكم بالأحلام" الشائعة عنه، ففي لحظة واحدة يصبح الإنسان واعياً بأنه داخل عالم صنعه دماغه، ثم يكتشف أن أجزاء من ذلك العالم تستمر في التشكل من دون استئذانه.

ويبقى السؤال الذي تفتحه هذه الأبحاث أكبر من الأحلام نفسها:

إذا كان العقل قادراً على بناء عالم كامل أمام وعينا، بينما لا نعرف مسبقاً ما الذي سيحدث فيه، فما مقدار ما نسيطر عليه فعلاً من تجربتنا الداخلية ؟