على شاشة رمادية، تتحرك علامة التصويب لتلاحق بقعة تختلف عن خلفيتها، ثم يزداد التكبير ويبقى الهدف قريباً من مركز الصورة، لا تكشف اللقطة عن جناحين واضحين أو هوية مؤكدة، لكنها تترك سؤالاً معلّقاً: ما الذي كانت المنصة العسكرية تتعقبه ؟ هذا أحد الأسئلة التي أعادتها إلى الواجهة تسجيلات أمريكية رسمية نُشرت مع الدفعة السادسة من ملفات الظواهر الجوية المجهولة UAP في 18 سبتمبر 2026.
تضم الدفعة المنشورة 71 ملفاً: 55 وثيقة و15 مقطع فيديو وتسجيلاً صوتياً واحداً ضمن برنامج PURSUE وتبلغ حصيلتها الوثائقية نحو 2,595 صفحة، قدم البنتاغون 67 ملفاً وجاءت أربعة من سجلات إنفاذ القانون المحلية في كولورادو، وبينما تمتد المواد من 1952 إلى 2025، يستحق التركيز مجموعة تسجيلات نشرها مكتب حل الظواهر الشاذة في جميع المجالات AARO تحت تصنيف "تقارير UAP غير محلولة".
البحر الأصفر تحت عين المستشعر
تعود أبرز هذه المقاطع إلى البحر الأصفر عام 2023، وقدمتها القيادة الأمريكية في المحيطين الهندي والهادئ إلى AARO، وتوضح صفحاتها الرسمية أنها التُقطت بمستشعرات للأشعة تحت الحمراء على متن منصات عسكرية أمريكية، ونُشرت في 18 سبتمبر عبر خدمة التوزيع الإعلامي العسكري DVIDS ، ومن الجدير بالذكر أن البحر الأصفر يقع بين الساحل الشرقي للصين غرباً وشبه الجزيرة الكورية شرقاً، ويتصل جنوباً ببحر الصين الشرقي، وهو ليس كله مياهاً صينية.
يمتد التسجيل PR152 دقيقة و38 ثانية، ويصف المكتب ما يجري فيه بأنه تحريك للمستشعر لتتبع "منطقة تباين" مع إبقائها عموماً في مركز الإطار، أما PR151، ومدته 49 ثانية، فيتضمن تتبعاً يتخلله رفع مستوى التكبير، ثم استمرار متابعة الهدف، ويضاف إليهما PR150 ومدته 57 ثانية، الذي يظهر دخول هدف إلى مجال المستشعر قبل متابعته.
تمنح هذه البيانات المقاطع سياقاً يمكن الرجوع إليه: سنة التصوير، والمنطقة، ونوع المستشعر، والجهة التي قدمت التقرير، لكنها لا توفر وحدها هوية الهدف أو تفسير سلوكه، ولا ينبغي افتراض أن التسجيلات توثق جسماً واحداً أو حادثة متصلة ما لم تنص السجلات على ذلك.
ماذا تعني "غير محلولة" ؟
قد تبدو العبارة اعترافاً بظاهرة تتحدى العلم، لكن التصنيف لا يساوي حكماً بأن الهدف مركبة غير بشرية، واللافت أن AARO يستخدم وصفاً حذراً: "منطقة تباين" أي مساحة تتميز عن خلفيتها في الصورة، دون تسمية ما تمثله.
ويضيف المكتب تنبيهاً بأن وصف التسجيل مخصص للمعلومات ولا يعبر عن حكم تحليلي أو نتيجة تحقيق أو تقرير لحقيقة الحدث وطبيعته وأهميته، بذلك يضع فاصلاً واضحاً بين ما يظهر على الشاشة وما يمكن استنتاجه منه. ، فبقاء الهدف في مركز الصورة قد يعكس عمل منظومة التتبع، وتغير حجمه قد يرتبط بالتكبير، أما تقدير سرعته وتسارعه فيحتاج إلى المسافة وحركة المنصة وزاوية الرصد وبيانات أخرى، ولا تسمح المقاطع وحدها بالجزم بمناورة خارقة أو تقنية تتجاوز القدرات البشرية.
خلف التسجيلات: طموحات عسكرية بعيدة
تضم الملفات أيضاً وثائق برنامج AAWSAP المعني بتطبيقات أنظمة الأسلحة الجوفضائية المتقدمة، الذي أُنشئ عام 2008، وكان من أهدافه استشراف تقنيات وتهديدات حتى سنة 2050، بما فيها أفكار بعيدة عن التطبيقات المعتادة.
وتشمل الدفعة 37 وثيقة مرجعية للاستخبارات الدفاعية تتناول موضوعات مثل الثقوب الدودية ومضادات الجاذبية والتخفي، وهذه الدراسات منشورة سابقاً؛ تكشف النسخ الجديدة تفاصيل كانت محجوبة، منها أسماء المكاتب المعدّة لها.
وجودها يكشف اتساع الاهتمام البحثي، لكنه لا يثبت امتلاك تلك التقنيات ولا يربطها تلقائياً بالأهداف المصورة، كذلك، يمثل عام 2050 أفقاً للاستشراف، لا موعداً لتشغيل مركبات خارقة.
إصابات محيرة وأسئلة معلقة
ومن المواد اللافتة تقرير يعود إلى 2010 مكون من 38 صفحة عن تأثيرات حقلية حادة وتحت حادة على الأنسجة البشرية، ويناقش حالات ثلاثة أشخاص ظهرت لديهم أعراض بعد واقعة غير مألوفة، شملت احمرار الجلد وسخونته وتساقط الشعر، مع وصف علامات إصابة إشعاعية وتغيرات خبيثة لاحقة لدى أحدهم.
ويشير المقتطف المفهرس من الوثيقة إلى أنهم كانوا مهندسي هوائيات، وهو سياق يستحق البحث عند تقييم التعرض المحتم، لكن إثبات الأعراض وتحديد مصدرها أمران مختلفان؛ ولا يكفي سردها لإثبات أن مركبة فضائية سببتها. رابط التقرير الرسمي
نافذة على المجهول
تكمن قيمة الإفراج في إتاحة مواد قابلة للفحص، مع بيانات ومصادر رسمية، وليس في تقديم جواب نهائي عن زوار من خارج الأرض، فالمصدر العسكري يحدد منشأ التسجيل، لكنه لا يحسم هوية ما تم تصويره، كما أن كلمة "مجهول" تصف حدود المعرفة المتاحة قبل أن تصف طبيعة الظاهرة.
وتبقى تسجيلات البحر الأصفر مدخلاً مناسباً لهذا التحقيق: نعرف أين ومتى سُجلت وبأي نوع من المستشعرات، ونعرف أن تصنيفها المنشور غير محسوم، أما تحويل تلك البقع إلى مركبات ذات قدرات استثنائية، فيحتاج إلى أدلة تتجاوز الصورة، وبين التهويل والرفض المتسرع، يبدأ البحث الجاد من سؤال بسيط: ما الذي تثبته البيانات فعلاً ؟
