ماذا يحدث للوعي في الدقائق الحرجة التي يتوقف فيها القلب ويبدأ الأطباء محاولات الإنعاش ؟ هل تنطفئ التجربة الداخلية للإنسان مع تراجع عمل الدماغ، أم يمكن أن يبقى شيء من الإدراك حاضراً لفترة أطول مما نتصور ؟

دراسة غير اعتيادية نُشرت في مجلة The Innovation وظهرت في عددها الصادر في سبتمبر 2026، حاولت الاقتراب من هذا السؤال بطريقة تجمع بين مرضى توقف القلب وتجارب الاقتراب من الموت وتقنيات الحوسبة الكمومية، والنتائج التي أعلنها الباحثون مثيرة للاهتمام، لكنها تحتاج في الوقت نفسه إلى كثير من الحذر قبل تحويلها إلى حديث عن "وعي منفصل عن الدماغ".

تجربة وسط محاولات الإنعاش

أُجريت الدراسة في 13 مستشفى في بريطانيا وإسبانيا، ومن بين آلاف المرضى الذين خضعوا للمراقبة، انتهى الباحثون إلى مجموعة من 142 شخصاً نجوا من توقف القلب وأمكن إخضاع بياناتهم للتحليل.

والمثير هنا هو ما فعله الباحثون أثناء توقف القلب نفسه ، فبعد مرور نحو دقيقتين على توقفه، وفي أثناء استمرار محاولات الإنعاش، جرى عرض محفزات صوتية  على المرضى مرتبطة بنظام تجريبي جرى تشغيله بالتزامن مع الحاسوب الكمومي IBM Brisbane. حيث تم تقسيم المشاركين إلى مجموعات بطريقة عشوائية بحيث توجد حالات تجريبية وأخرى للمقارنة.

بعد نجاح الإنعاش، سأل الباحثون الناجين عما يتذكرونه، واستخدموا اختبارات تتطلب الاختيار بين إجابات محددة بدلاً من الاعتماد فقط على رواية المريض الحرة لما حدث.

وفي الوقت نفسه كانت هناك قياسات لما يجري في أجسادهم أثناء الإنعاش، من بينها مقدار الأكسجين الواصل إلى الدماغ وحرارة الدماغ وبعض المؤشرات الموجودة في الدم.

شيء غير متوقع في الذاكرة

بحسب الباحثين، ظهرت النتيجة الأكثر غرابة عندما قارنوا قدرة المرضى على التعرف إلى المعلومات المرتبطة بالمحفزات ، فالمجموعة التي تعرضت للحالة المرتبطة بالتشابك الكمومي أظهرت دقة في التذكر أعلى من المتوقع، بينما بقي أداء مجموعة المقارنة قريباً من مستوى الصدفة، كما لاحظ الفريق أن وضوح التذكر ازداد مؤقتاً لدى بعض المشاركين بالتزامن مع انخفاض مستوى الأكسجين في الدماغ.

ووجد الباحثون أيضاً علاقات بين بعض التغيرات الجسدية التي تحدث أثناء توقف القلب وبين شدة تجارب الاقتراب من الموت NDE التي أبلغ عنها الناجون لاحقاً.

وهنا بدأ السؤال الأكثر إثارة للجدل:

هل يمكن أن يكون الإنسان ما زال قادراً، بطريقة ما، على استقبال معلومات في فترة يكون فيها الدماغ تحت ضغط شديد ونقص متزايد في الأكسجين ؟

هل يعني ذلك أن الوعي غادر الدماغ ؟

طرح الباحثون احتمالاً أكثر جرأة أطلقوا عليه "الوعي غير المحلي" Nonlocal Consciousness؛ أي احتمال ألا تكون بعض جوانب الوعي مقيدة بالكامل بالنشاط العصبي المحلي للدماغ بالطريقة التي نفهمها حالياً ، لكن الانتقال من النتيجة التجريبية إلى هذا التفسير خطوة كبيرة جداً.

حتى الدراسة نفسها لا تثبت أن وعياً خرج من الجسد، ولا أن روحاً استمرت بعد الموت، ولا أن المعلومات انتقلت بالفعل من خلال ظاهرة كمومية إلى ذهن المريض.

بل إن الأشخاص المشاركين كانوا في حالة توقف قلب قابلة للعكس وتحت محاولات الإنعاش، وليسوا موتى بالمعنى البيولوجي النهائي. وهذه نقطة ضرورية عند الحديث عن الدراسة ، كما أن وجود علاقة إحصائية غريبة لا يخبرنا وحده عن الآلية التي سببتها.

لماذا أدخل العلماء فيزياء الكم في الأمر ؟

التشابك الكمومي ظاهرة حقيقية في فيزياء الكم، ويمكن فيها لجسيمين أو أكثر أن يرتبطا بطريقة تجعل قياس أحدهما مرتبطاً بحالة الآخر على نحو لا يمكن تفسيره بالتصور الكلاسيكي البسيط ، لكن عبارة "كمومي" كثيراً ما تُستخدم خارج الفيزياء لتفسير ظواهر غامضة من دون دليل كافٍ.

لهذا حاول الباحثون في هذه التجربة وضع الفكرة داخل اختبار قابل للقياس، مستخدمين دوائر كمومية مرتبطة بحاسوب IBM ذي 127 كيوبت، ثم بحثوا عن علاقة بين الحالة التجريبية وبين قدرة الناجين على تذكر المعلومات ، وقد حاول الفريق أيضاً استبعاد تفسيرات مثل الذكريات الزائفة والهلوسة وبعض أشكال الانحياز في الإجابات.

ومع ذلك، لا تزال النتيجة بحاجة إلى أن تعيد فرق مستقلة التجربة وتحصل على نتائج مشابهة قبل أن يصبح ممكناً الحديث عن ظاهرة جديدة راسخة.

ماذا أثبتت التجربة فعلاً ؟

هذه الدراسة لا تقدم دليلاً على الحياة بعد الموت، ولا برهاناً على أن الوعي يستطيع العيش مستقلاً عن الدماغ ، ما قدمته أكثر تحديداً وإثارة في الوقت نفسه: مجموعة من الناجين من توقف القلب أظهرت في ظروف تجريبية محددة نمطاً غير متوقع في تذكر معلومات قُدمت أثناء عملية الإنعاش، ووجد الباحثون ارتباطاً بين ذلك وبين الحالة التجريبية الكمومية المستخدمة ، أما تفسير السبب فهو الجزء الذي لا يزال مفتوحاً.

والباحثون أنفسهم يذهبون بعيداً في مناقشة احتمال أن تكون للوعي خصائص لا تفسرها النماذج العصبية الحالية بالكامل، ويرون أن نتائجهم تستحق إعادة النظر في بعض الافتراضات المتعلقة بما يحدث للوعي أثناء توقف القلب.

لغز الوعي عند حافة الموت

لطالما جاءت قصص تجارب الاقتراب من الموت من شهادات أشخاص وصفوا شعوراً بالخروج من الجسد، أو رؤية المكان من أعلى، أو المرور في نفق، أو مقابلة أشخاص متوفين.

لكن المشكلة العلمية ظلت دائماً واحدة: كيف نميز تجربة ذاتية شديدة القوة عن إدراك حقيقي لشيء حدث خارج نطاق الحواس المعتادة ؟

الدراسة الجديدة تحاول الانتقال خطوة إلى الأمام، من مجرد الاستماع إلى روايات الناجين إلى زرع معلومات داخل تجربة مخططة مسبقاً ثم البحث عنها في ذاكرتهم بعد الإنعاش ، وهذا ربما يكون الجانب الأكثر أهمية فيها.

فإذا أعادت مختبرات ومستشفيات مستقلة التجربة وحصلت على الأثر نفسه، سيصبح السؤال أكثر صعوبة، أما إذا اختفى الأثر عند تكرار التجربة، فستكون النتيجة الأصلية على الأرجح واحدة من تلك الإشارات العلمية المثيرة التي لا تصمد أمام الاختبار.

وحتى يحدث ذلك، لا نستطيع القول إن العلم وجد دليلاً على وعي خارج الدماغ.

لكن الدراسة تضع أمامنا سؤالاً قديماً في صورة تجريبية جديدة:

عندما يتوقف القلب ويبدأ الدماغ بفقدان الظروف التي تسمح له بالعمل بصورة طبيعية، عند أي لحظة بالضبط ينطفئ الوعي ؟