في يوم ماطر من عام 1994، انطلق الفنان اللبناني طوني حنا برفقة صديقه الشاعر رياض نجمة نحو دير رفقا في بلدة جربتا شمال لبنان. كان والد رياض مريضاً، ولذلك قرر الصديقان الذهاب إلى الكنيسة والصلاة من أجله وحضور القداس.
لم يكونا يعلمان أن الرحلة التي بدأت بقصد الصلاة ستترك في ذاكرتيهما قصة غريبة، سيعودان إلى روايتها بعد أكثر من ثلاثين عاماً، مقتنعين بأن الرجل الذي ركب سيارتهما في ذلك اليوم لم يكن إنساناً عادياً، بل «قديساً» ظهر في طريقهما ثم اختفى.
رفقا التي كانا يقصدان ديرها
القديسة رفقا الريّس راهبة لبنانية مارونية عاشت بين عامي 1832 و1914، واشتهرت في سيرتها الدينية بصبرها الطويل على المرض والآلام الجسدية وتمسكها بالإيمان، كانت قد أُعلنت طوباوية عام 1985 ثم أعلنها البابا يوحنا بولس الثاني قديسة عام 2001، وأصبح ديرها في جربتا مقصداً للمؤمنين الذين يأتون للصلاة وطلب شفاعتها.
وعندما وقعت تجربة طوني ورياض سنة 1994، كانت رفقا ما تزال تحمل رسمياً لقب الطوباوية، وإن كان الراويان يستخدمان لقب «القديسة» عند استعادة القصة اليوم.
رجل حافي القدمين تحت المطر
كان طوني يقود سيارته السوداء وهي شيفروليه أمريكية موديل 1975 على الطريق القديم المؤدي إلى منطقة المدفون عندما لمح هو ورياض رجلاً يسير تحت المطر.
كان الرجل حافي القدمين، لكنه لم يبدُ متشرداً أو مضطرباً، كان يرتدي جاكيتاً، هادئ الملامح، بسيط الهيئة، وتوحي طريقته بأنه رجل متدين. ومن التفاصيل التي شدد عليها طوني أنه لم يكن ملتحياً.
أشفق الصديقان عليه، فتوقف طوني وفتح له باب السيارة. دخل الرجل وجلس في المقعد الخلفي الأيمن، ثم واصلت السيارة طريقها.
سألاه عن المكان الذي يقصده، فأخبرهما أنه ذاهب إلى جربتا وخلال الحديث قال لهما إن "رفقا كانت ترافقه".
كان وقع العبارة شديداً على رياض نجمة، وبحسب وصف طوني، تغير لون صديقه بصورة واضحة، فازرقّ وجهه واحمرّت عيناه من شدة التأثر والانفعال وكأن الكلام لمس شيئاً عميقاً في داخله.
وصيته : الصوم أولاً... ثم الصلاة
لم يكن طوني ورياض في رحلة عادية؛ فقد كانا متجهين للصلاة من أجل والد رياض المريض. ولذلك طلبا من الرجل الغامض أن يصلي من أجلهما.
إلا أن جوابه لم يكن مجرد وعد بالدعاء، بل حمل ما اعتبراه لاحقاً رسالة روحية. فقد أخبرهما، بحسب ما استعاداه من كلامه، بأن الصوم يأتي أولاً، ثم الصلاة، وأنهما الطريق المؤدي إلى السماء ورضا الرب.
بدت كلماتهما أشبه بموعظة قصيرة من رجل زاهد، لا بحديث عابر من شخص استوقفاه على الطريق.
حاول طوني أيضاً أن يناوله مبلغاً من المال، ربما لأنه رآه حافي القدمين تحت المطر، لكن الرجل لم يقبله. ويقول طوني إنه شعر برغبة في أن يلمس يديه، إلا أنه لم ينجح في ذلك، وبقيت هذه الأمنية عالقة في نفسه بعد انتهاء اللقاء.
أين ذهب الرجل ؟
عندما وصلا إلى الكنيسة، نزل طوني ورياض للمشاركة في القداس، وبعد دخولهما أو التفاتهما إلى الخلف بحثا عن الرجل الذي كان يرافقهما لكنهما لم يجداه.
لم يكن على المقعد الخلفي ولم يظهرا له أثراً بين الحاضرين أو بالقرب من السيارة، وبحسب روايتهما، لم ينتبها إلى لحظة نزوله، ولم يشاهداه يبتعد عنهما.
قد يكون الرجل قد غادر في لحظة انشغلا فيها بالنزول أو الدخول إلى الكنيسة، لكن طوني ورياض لم يقتنعا بهذا التفسير، فالأثر الذي تركه كلامه وهيئته وطريقة ظهوره واختفائه دفعهما إلى الاعتقاد بأنهما عاشا لقاءً يتجاوز المصادفة العادية.
رواية مشتركة بين شاهدين
طوني حنا هو الراوي الأساسي للتجربة، لكنه لم يروها منفرداً، فقد كان رياض نجمة الذي شاركه الرحلة وشاهد الرجل، حاضراً إلى جانبه خلال استعادة القصة في برنامج «سلّم عالسما» الذي تعرضه قناة OTV اللبنانية ويقدمه عبد الحلو.
وكان رياض يتدخل أحياناً لينعش ذاكرة طوني ويذكره ببعض التفاصيل أو يكمل أجزاء من الحوار غابت عنه بعد مرور السنوات ولذلك ظهرت القصة في البرنامج كذكرى مشتركة يعيد شاهدان تركيبها معاً، لا كحكاية فردية لا يملك أحد غير صاحبها تأكيدها.
وجود شاهد ثانٍ يقوي حقيقة وقوع لقاء ما مع رجل مجهول، لكنه لا يثبت وحده التفسير الروحي الذي تبناه الاثنان لاحقاً.
هل كان الرجل الأب بشارة أبو مراد ؟
بعد سنوات، ربط طوني ورياض الرجل الغامض بالأب بشارة أبو مراد، واعتبرا أن الشخص الذي ركب السيارة ربما كان هو نفسه. وبالنسبة إليهما، كان الرجل «قديساً» مهما كان اللقب الكنسي الرسمي الذي يحمله.
غير أن هناك تفصيلاً يثير التساؤل: الرجل الذي وصفه طوني لم يكن ملتحياً، بينما يظهر الأب بشارة أبو مراد في صوره المعروفة بلحية واضحة، وهذا يعني أن التعرف إليه لم يقم على تطابق كامل في المظهر، بل على الانطباع الروحي الذي تركه الرجل، وعلى كلامه عن الصوم والصلاة ورفقا، ثم على معرفة طوني ورياض اللاحقة بسيرة الأب بشارة.
إذن، لم يقل الشاهدان إنهما تعرفا إليه فوراً داخل السيارة، وإنما توصلا إلى هذا الاعتقاد بعد ذلك.
من هو بشارة أبو مراد ؟
وُلد بشارة أبو مراد في زحلة عام 1853، وكان اسمه عند الولادة سليم جبور أبو مراد، التحق بالرهبنة الباسيلية المخلصية التابعة لكنيسة الروم الملكيين الكاثوليك، واتخذ اسم بشارة، ثم رُسم كاهناً عام 1883.
عُرف بحياة التقشف والتواضع، وبخدمة الناس والفقراء، والإرشاد الروحي وسماع الاعترافات، أمضى سنوات في العمل الرعوي متنقلاً بين القرى ثم خدم في صيدا وتوفي عام 1930، وقد وصفته مصادر كنسية بأنه كان شديد التعلق بالصلاة زاهداً في الظهور، ومكرساً حياته للخدمة.
لكن هل كان قديساً بالفعل ؟
كنسياً، لم يُعلن بشارة أبو مراد قديساً حتى تاريخ كتابة هذا المقال، اعترفت الكنيسة الكاثوليكية بفضائله البطولية ومنحته لقب «المكرّم»، وهو لقب يسبق التطويب، وفي 21 فبراير 2026 وافق البابا لاون الرابع عشر على الاعتراف بأعجوبة نُسبت إلى شفاعته، ففُتح بذلك الطريق لإعلانه طوباوياً في مراسم تطويب رسمية، أما إعلان القداسة فهو مرحلة لاحقة ويتطلب عادة الاعتراف بأعجوبة أخرى بعد التطويب.
لذلك، عندما يصفه طوني ورياض بأنه «قديس» فإنهما يعبران عن قناعتهما الإيمانية الشخصية لا عن لقب كنسي نهائي كان قد ناله وقت وقوع الحادثة.
السيارة التي تحولت إلى شاهد
لم يتخلص طوني حنا من سيارة الشيفروليه القديمة، فما زال، وفق روايته، يحتفظ بها في حديقة منزله، رغم مرور عقود على الحادثة.
ووضع صورة الأب بشارة أبو مراد في المقعد الخلفي الأيمن نفسه الذي جلس عليه الرجل الغامض، وبذلك تحولت السيارة بالنسبة إليه من مركبة قديمة إلى الشاهد المادي الوحيد المتبقي من تجربة يعتقد أنها جمعته بشخص مقدس.
لكن القصة لم تتحول لدى طوني إلى ذكرى مغلقة، بل بقيت لقاءً يشعر بأنه لم يكتمل.
فهو يؤكد أنه ما زال يبحث عن ذلك الرجل ويتمنى لقاءه مرة أخرى، ويشعر بالأسف لأنه لم يتمكن يومها من إكرامه كما أراد؛ فقد كان يتمنى أن يصطحبه إلى منزله، وأن يستضيفه ويطعمه، بل وأن يبيت الرجل عنده ضيفاً مكرماً.
لم يستطع أن يمنحه المال، ولم يلمس يديه، ولم تتح له فرصة استضافته، ولهذا بقي يأمل أن يظهر من جديد، لا ليقدم برهاناً على هويته، بل ليمنحه فرصة ثانية لإكرامه وإتمام ما لم يستطع فعله في اللقاء الأول.
كيف يمكن تفسير التجربة ؟
هناك جزء يمكن قبوله بوصفه أساس الرواية: طوني حنا ورياض نجمة يؤكدان أنهما أقلّا رجلاً مجهولاً في سيارتهما وتحدثا معه وتأثرا بكلامه ثم لم يعثرا عليه عند وصولهما ، لكن هوية ذلك الرجل تبقى أمراً آخر.
من منظور إيماني، يعتقد الشاهدان أنه كان قديساً، ويرجحان أنه الأب بشارة أبو مراد، وأن ظهوره حمل إليهما رسالة عن الصوم والصلاة والتقرب إلى الله.
أما من منظور نقدي، فقد يكون الرجل عابر سبيل غادر السيارة أو ابتعد عنهما في لحظة لم ينتبها إليها، ثم أعادت الذاكرة تفسير اللقاء بعد تعرفهما إلى سيرة الأب بشارة، فالذاكرة البشرية لا تحتفظ بالماضي كتسجيل ثابت، بل تعيد بناءه في ضوء المشاعر والمعارف التي تتراكم لاحقاً.
وتبقى ملاحظة غياب اللحية مهمة، لأنها تحول دون اعتبار الشبه البصري دليلاً حاسماً، كما أن استعادة القصة بعد أكثر من ثلاثة عقود قد تسمح بتغير بعض التفاصيل حتى مع صدق الشاهدين الكامل في نقل ما يتذكرانه.
ومع ذلك، يصعب اختزال التجربة في مسألة اختفاء فقط، فالرجل لم يهددهما ولم يدّعِ امتلاك أسرار أو قدرات خارقة ولم يطلب منهما مالاً، بل رفض ما قدماه وترك لهما رسالة بسيطة عن الصوم والصلاة، وربما كان هذا الأثر الأخلاقي والروحي هو السبب الحقيقي في بقاء اللقاء حياً في داخلهما.
بالنسبة إلى طوني ورياض، حُسم الأمر منذ زمن: الرجل كان قديساً، والسيارة ما زالت شاهدة على مروره.
أما بالنسبة إلى القارئ، فيبقى السؤال مفتوحاً: هل أقلّ الصديقان رجلاً صالحاً غادر من دون أن ينتبها، أم أن طريقاً ماطراً شهد بالفعل لقاءً عابراً بين عالمنا وعالم الأرواح ؟