في الساعات الأولى من فجر الجمعة 29 مايو/أيار 1981، كان شارع الهرم في القاهرة هادئاً إلا من أضواء السيارات القليلة التي تشق الظلام، لم يكن أحد يتوقع أن تلك الليلة ستشهد نهاية أحد أشهر الموسيقيين في العالم العربي.

فجأة، انحرفت سيارة الموسيقار عمر خورشيد بعنف واصطدمت بالجزيرة الوسطى، فتحطم هيكلها وتناثر زجاجها على الطريق، انتهت الحادثة بوفاة خورشيد عن عمر لم يتجاوز السادسة والثلاثين بينما نجت زوجته التي كانت ترافقه وكانت الفنانة مديحة كامل تسير في سيارة خلفهما وشهدت الحادث.

جرى تسجيل الواقعة رسمياً على أنها حادث سير، لكن منذ تلك الليلة لم يتوقف الجدل، فقد تحدث بعض الشهود عن سيارة كانت تطارد عمر قبل الاصطدام وظهرت لاحقاً فرضيات عن اغتيال سياسي أو تصفية متعمدة، دون أن تتمكن التحقيقات من إثبات أي منها بشكل قاطع.

لكن وسط كل تلك الروايات، برزت قصة أكثر غرابة من جميع الفرضيات الأخرى؛ قصة تقول إن عمر خورشيد عاش، قبل موته بأيام، تجربة غامضة داخل مكتبه، انتهت بعبارة بدت بعد وفاته وكأنها نبوءة.

من هو عمر خورشيد ؟

ولد عمر خورشيد عام 1945، ويُعد أحد أبرز عازفي الجيتار في تاريخ الموسيقى العربية. امتاز بأسلوبه الذي مزج بين الموسيقى الشرقية والتوزيع الغربي، فشارك في تسجيلات مع كبار المطربين مثل أم كلثوم، وعبد الحليم حافظ، ووردة، ونجاة الصغيرة، كما اتجه إلى التمثيل وشارك في عدد من الأفلام خلال سبعينيات القرن الماضي.

ورغم شهرته الفنية، فإن حياته الخاصة لم تخلُ من الجدل، سواء بسبب زيجاته المتعددة أو اهتمامه بقراءة الكتب الغامضة والموضوعات الروحانية، وهو ما جعل اسمه يرتبط لاحقاً بقصة أثارت فضول الجمهور لعقود.

تغير مفاجئ في أيامه الأخيرة

بحسب الرواية المتداولة والمنسوبة إلى الكاتب الصحفي حسن الحفناوي، فقد لاحظ المقربون من عمر خورشيد أنه تغير في أيامه الأخيرة بصورة واضحة.

أصبح أكثر هدوءاً، وأكثر محافظة على الصلاة، وأقل انشغالاً بالسهر والحياة الصاخبة التي عُرف بها.

هذا التغير دفع بعض من عرفوه إلى التساؤل: هل كان يشعر باقتراب نهايته؟ أم أن شيئاً ما حدث له ولم يكن يعرف كيف يفسره؟

ليلة انطفأت فيها الشموع

يروي حسن الحفناوي أن عمر خورشيد قص عليه بنفسه حادثة غريبة عاشها وهو بمفرده داخل مكتبه.

في إحدى الليالي، جلس يقرأ كتاباً في هدوء، ثم انقطعت الكهرباء. فتح درج مكتبه، وأخرج عدداً من الشموع، ووزعها في أركان الغرفة وأشعلها.

عاد إلى مقعده، وما إن همّ بفتح الكتاب حتى حدث شيء جعله يتجمد في مكانه.

انطفأت جميع الشموع في اللحظة نفسها ، لم يكن هناك تيار هواء، فالأبواب والنوافذ كانت مغلقة. اعتقد في البداية أنها مصادفة، فأعاد إشعالها.

لكن الغريب أن الشموع رفضت الاشتعال تماماً ، كرر المحاولة مرة بعد أخرى، بلا جدوى.

حينها حاول أن يخفف من شعوره بالتوتر، فضحك بصوت مرتفع وقال مازحاً:

"هو فيه عفريت معايا في المكتب ولا إيه ؟"

صوت خرج من العدم

في اللحظة التالية، تحول المزاح إلى خوف ، وسط الصمت، سمع عمر صوتاً غريباً لا يعرف مصدره ، لم ير أحداً أمامه، ولم يصف هيئة أو شكلاً، لكنه شعر وكأن هناك من يقف بالقرب منه ويتحدث إليه ، لم يذكر النص الأصلي الكلمات التي قيلت في تلك الليلة، لكنه يؤكد أن الصوت كان كافياً ليدفع عمر إلى مغادرة المكتب فوراً، تاركاً كل شيء خلفه.

المفاجأة في صباح اليوم التالي

عاد عمر في صباح اليوم التالي إلى مكتبه.

فتح الباب ثم وقف مذهولاً ، كانت جميع الشموع التي لم يستطع إشعالها في الليلة السابقة مضيئة والأغرب أنها لم تكن قد ذابت كما يفترض لو ظلت مشتعلة طوال الليل ، اقترب من إحداها ونفخ لإطفائها لكنها لم تنطفئ ، كرر المحاولة أكثر من مرة...دون أي نتيجة.

في تلك اللحظة، شعر أن ما يحدث تجاوز أي تفسير منطقي.

عندما بدأ يقرأ القرآن

فتح درج مكتبه مرة أخرى، وأخرج المصحف الشريف ، بدأ يتلو القرآن وفور بدء التلاوة، انطفأت جميع الشموع مرة واحدة ، توقف للحظات من شدة الدهشة، لكنه واصل القراءة ، وفجأة شعر وكأن يداً خفية تمسك بذراعه وتضغط عليه بقوة ، ورغم الخوف، استمر في التلاوة ، وبعد لحظات اختفى الإحساس تماماً وكأن شيئاً لم يكن.

الاعتراف الذي حمل لغزاً

بعد فترة، زار حسن الحفناوي عمر خورشيد في مكتبه وخلال الحديث أخبره عمر بما عاشه في تلك الليلة، وأضاف أنه أصبح يسمع أحياناً أصواتاً غريبة داخل المكتب.

فسأله الحفناوي: "طيب قالت لك إيه ؟"

صمت عمر للحظة، ثم أجابه بالجملة التي بقيت أشهر ما في الرواية :

"قال لي: وجهك معكوس على شظايا الزجاج... وأنا مش فاهم يعني إيه."

ابتسم الحفناوي قائلاً: "ولا أنا فاهم."

لم يقل الصوت إن عمر سيموت ولم يحدد زمناً ولم يذكر سيارة أو حادثاً ، كانت مجرد عبارة غامضة، لم يفهمها أحد في ذلك الوقت.

بعد أيام... وقع الحادث

لم تمضِ سوى أيام قليلة حتى جاءت ليلة 29 مايو 1981 ، بحسب ما نُشر آنذاك، كان عمر خورشيد يقود سيارته ليلاً في شارع الهرم وبرفقته زوجته، بينما كانت الفنانة مديحة كامل تسير خلفهما.

ذكرت زوجته ومديحة كامل أن سيارة أخرى كانت تسير خلف عمر وتضايقه، وأن الأمر تحول إلى مطاردة قصيرة قبل أن يفقد السيطرة على سيارته ويصطدم بالجزيرة الوسطى ، أسفر الحادث عن وفاته متأثراً بإصاباته، بينما نجت زوجته.

لاحقاً، تمكنت الشرطة من تحديد هوية قائد السيارة الأخرى واستجوبته، لكنه نفى تعمد مطاردة عمر أو التسبب في مقتله، ولم تتمكن التحقيقات من إثبات وجود عملية اغتيال مدبرة.

لكن بالنسبة لكثيرين، بدا مشهد الزجاج المتناثر حول السيارة كأنه يعيد إلى الأذهان تلك العبارة الغامضة:

"وجهك معكوس على شظايا الزجاج."

هل كانت نبوءة ؟

هنا يبدأ الجزء الأكثر إثارة للجدل.

فالقصة لا تقول إن الكيان عرّف نفسه بأنه جني، ولا إن عمر رآه بعينيه، ولا إنه أخبره صراحة بموعد موته بل إن جميع هذه التفسيرات جاءت بعد وقوع الحادث ، فمن الممكن النظر إلى العبارة باعتبارها تجربة شخصية عاشها عمر ولم نجد لها تفسيراً أو قصة أعيد تفسيرها بعد الوفاة، فأصبحت تبدو كأنها نبوءة أو حتى رواية تطورت مع الزمن وأضيفت إليها تفاصيل لم تكن في النص الأصلي.

ويزيد من هذا الغموض أننا، حتى الآن، لم نعثر على العدد الأصلي من مجلة "الكواكب" الذي نُسب إليه مقال حسن الحفناوي، رغم العثور على عشرات المواقع التي تنقل القصة عنه. ولذلك يبقى من المهم التعامل معها بوصفها رواية صحفية متداولة، لا وثيقة تاريخية حُسمت صحتها.

بين الجن والاغتيال... أين تقف الحقيقة ؟

بعد أكثر من أربعين عاماً، ما زالت وفاة عمر خورشيد تجمع بين ثلاثة مسارات متوازية:

الأول، وهو المسار الرسمي، يرى أن ما حدث كان حادث سير وقع ليلاً، ربما ساهمت فيه السرعة أو المطاردة التي تحدث عنها الشهود، دون وجود دليل جنائي يثبت الاغتيال.

الثاني، يتمثل في فرضيات الاغتيال، سواء لأسباب سياسية أو شخصية، وهي فرضيات بقيت حاضرة في الإعلام، لكنها لم تُدعَّم بأدلة قاطعة.

أما الثالث، فهو المسار الماورائي، الذي يستند إلى قصة حسن الحفناوي، ويرى في العبارة الغامضة عن "شظايا الزجاج" إنذاراً سبق المأساة.

وختاماً ، تمثل هذه الحادثة وفاة أحاط بها كثير من الجدل مع رواية شخصية يصعب التحقق منها وعبارة غامضة لا تزال حتى اليوم، قادرة على إثارة الخيال أكثر مما تقدم إجابة نهائية.

وربما لهذا السبب بقي اسم عمر خورشيد بعد أكثر من أربعة عقود على رحيله مرتبطاً ليس فقط بموسيقاه بل أيضاً بواحدة من أكثر القصص الماورائية إثارة في تاريخ الفن العربي.