لعقود طويلة، بقيت آلاف الصفحات من وثائق وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA) حبيسة الأرشيف، حتى بدأت تُرفع عنها السرية تدريجياً لتكشف عن واحد من أكثر المشاريع إثارة للجدل في القرن العشرين: محاولة فهم العقل البشري... والسيطرة عليه.

أنت لا تتذكر شيئاً مما حدث. "

ليست هذه جملة من فيلم خيال علمي، بل هدفٌ سعت إليه بالفعل واحدة من أكثر المؤسسات الاستخباراتية نفوذاً في العالم.

تخيل أنك تدخل غرفة لإجراء مقابلة قصيرة، ثم تخرج بعد ساعة أو ساعتين وأنت مقتنع بأن شيئاً عادياً قد حدث، بينما يؤكد من كانوا في الداخل أنك تحدثت مطولاً، وكشفت أسراراً، وأجبت عن أسئلة لا تتذكرها إطلاقاً.

أو أن تستيقظ مقتنعاً بذكرى تبدو حقيقية بكل تفاصيلها، لكنها لم تقع قط.

كانت برامج سرية استمرت سنوات حاولت خلالها الوكالة اكتشاف الحدود القصوى لقدرة الإنسان على الخضوع للإيحاء، وتغيير الذكريات، وربما إعادة تشكيل شخصيته بالكامل.

فهل نجحت ؟

عندما أصبحت العقول ساحة حرب

في خمسينيات القرن الماضي، لم يكن العالم يعيش سباقاً نووياً فحسب، بل سباقاً آخر أقل ضجيجاً وأكثر رعباً، كان مسؤولو الاستخبارات الأمريكية مقتنعين بأن الاتحاد السوفيتي والصين توصلا إلى وسائل لـ "غسل أدمغة" الأسرى والسيطرة على عقولهم، خاصة بعد الحرب الكورية، حين عاد بعض الجنود الأمريكيين وهم يطلقون تصريحات أربكت حكومتهم وأثارت الذعر داخل الأجهزة الأمنية.

ومن هنا وُلد سؤال لم يسبق أن طُرح بهذه الجرأة:

هل يمكن إعادة برمجة الإنسان ؟

أول خطوة مع مشروع BLUEBIRD

عام 1950 بدأ مشروع سري حمل اسم BLUEBIRD ، لم يكن الهدف تطوير دواء جديد بل البحث عن طريقة تجعل الإنسان يفقد مقاومته النفسية ، وقد أجريت تجارب تضمنت وسائل مختلفة: التنويم المغناطيسي ، العقاقير المهدئة ، الحرمان من النوم ، الضغط النفسي والاستجواب المطول.

وكان السؤال المطروح في كل تجربة واحداً :

هل يمكن انتزاع الحقيقة من عقل يرفض البوح بها ؟

لكن النتائج جاءت متواضعة ولذلك لم يتوقف المشروع...

بل أصبح أكثر جرأة عندما تحول الإنسان إلى حقل تجارب

في العام التالي ظهر مشروع ARTICHOKE

لم يعد الباحثون يكتفون بمحاولة كشف الأسرار، بل أرادوا معرفة ما إذا كان بالإمكان زرعها أيضاً.

تكشف الوثائق عن أسئلة تبدو اليوم صادمة :

- هل يستطيع شخص منوَّم مغناطيسياً تنفيذ أوامر لا يتذكرها لاحقاً ؟

- هل يمكن دفعه لارتكاب فعل يناقض إرادته ؟

- هل يمكن محو جزء من ذاكرته واستبداله بآخر ؟

امتزج التنويم بالمهدئات والمنومات والعقاقير، لكن النتائج بقيت متضاربة.

إلا أن ذلك لم يمنع الوكالة من إطلاق المشروع الذي أصبح لاحقاً أشهر برنامج سري في تاريخها.

مشروع MKULTRA

عام 1953 انطلق مشروع MKULTRA  وهو برنامج استمر قرابة عشرين عاماً وامتد إلى جامعات ومستشفيات ومختبرات داخل الولايات المتحدة وخارجها واستخدم الباحثون فيه كل ما ظنوا أنه قد يفتح باب السيطرة على العقل: عقار LSD ، الحرمان الحسي ، المنومات ، التنويم المغناطيسي ، العزلة ، الإيحاء المتكرر.

بل إن بعض الأشخاص خضعوا لهذه التجارب دون علمهم أو موافقتهم، وهي حقيقة اعترفت بها الحكومة الأمريكية لاحقاً وأصبحت واحدة من أكثر صفحات تاريخ الاستخبارات إثارة للجدل.

لكن السؤال الأهم بقي بلا إجابة... 

هل نجحوا ؟

هنا تختلف الحقيقة عن السينما.

إذ لم يجد المؤرخون ولا الوثائق المفرج عنها دليلاً على أن الوكالة استطاعت صناعة "العميل النائم" الذي ينفذ أوامر مبرمجة ثم يعود إلى حياته وكأن شيئاً لم يكن ولم يثبت أنها تمكنت من تحويل إنسان إلى قاتل فاقد الإرادة بل إن كثيراً من التجارب انتهى بالفشل أو بنتائج لا يمكن تكرارها أو بأضرار نفسية لحقت بالمشاركين.

لكن وسط كل هذا الفشل، اكتشف العلماء حقيقة أقل درامية... وأكثر إثارة.

الذاكرة ليست خزنة مغلقة

نحن نحب أن نعتقد أن ذكرياتنا محفوظة كما تحفظ الصور داخل صندوق لكن الدماغ لا يعمل بهذه الطريقة فالذاكرة تُعاد كتابتها في كل مرة نسترجعها ولهذا السبب يمكن للإيحاء أن يتسلل إليها.

أثبتت عالمة النفس الأمريكية إليزابيث لوفتوس أن بعض الأشخاص يمكن أن يقتنعوا بأحداث لم تقع لهم قط، إذا قُدمت لهم القصة بطريقة مقنعة وتكررت مرات كافية فقد أصبح بعض المشاركين يؤكدون أنهم ضاعوا في مركز تجاري وهم أطفال، أو تعرضوا لهجوم حيوان، رغم أن تلك الأحداث لم تقع إطلاقاً.

لم تُزرع الذكريات داخل الدماغ كما تُزرع شريحة إلكترونية لكنها تشكلت تدريجياً حتى بدت حقيقية لصاحبها وهنا تكمن خطورة الإيحاء.

هل بإمكان التنويم المغناطيسي السيطرة على الإرادة؟

على عكس الصورة التي رسمتها الأفلام، لا يتحول الإنسان أثناء التنويم المغناطيسي إلى دمية بلا إرادة، التنويم في حقيقته حالة من التركيز العميق تجعل الشخص أكثر قابلية لتلقي الاقتراحات، لكنه لا يمحو شخصيته، ولا يلغي ضميره، ولا يجعله يطيع أي أمر يخالف قناعاته الأساسية ، ولهذا يستخدم اليوم في بعض المجالات العلاجية مثل السيطرة على الألم وعلاج بعض أنواع الرهاب والقلق تحت إشراف متخصصين ، أما فكرة السيطرة المطلقة على الإنسان، فما زالت أقرب إلى الأسطورة منها إلى العلم.

لماذا يعترف الأبرياء بجرائم لم يرتكبوها ؟

إذا كان العقل لا يمكن برمجته بالكامل، فلماذا يعترف بعض الأبرياء بجرائم لم يرتكبوها ؟ ، الإجابة لا تكمن في التنويم وحده بل في اجتماع عدة عوامل معاً : الاستجواب الطويل، الحرمان من النوم، الضغط النفسي، الإيحاء المستمر، وأخيراً "الرغبة في إنهاء المعاناة".

ولهذا أصبحت كثير من الأنظمة القضائية تتعامل بحذر شديد مع الاعترافات الناتجة عن الإيحاء أو جلسات استرجاع الذكريات ، إقرأ المزيد عن الذاكرة الوهمية

الحقيقة الأكثر إثارة

بعد عشرات السنين، وملايين الدولارات، وآلاف الوثائق، انتهت مشاريع السيطرة على العقل دون أن تحقق الحلم الذي سعت إليه ، إذ لم يعثر العلماء على مفتاح يجعل الإنسان يفقد إرادته بالكامل ، لكنهم اكتشفوا شيئاً ربما يكون أكثر أهمية، وهو أن العقل البشري ليس هشاً كما كانوا يأملون ولا صلباً كما كنا نظن.

فالذكريات يمكن أن تتغير، والاعتقادات يمكن أن تتبدل، والإيحاء قادر على التأثير في الطريقة التي نفسر بها واقعنا، لكنه لا يستطيع أن يحول الإنسان إلى آلة بلا إرادة ، ولعل أكثر ما تعلمناه من تلك الملفات السرية ليس كيف يمكن التحكم بالعقل... بل مدى أهمية أن نحميه من التلاعب وأن نشكك أحياناً حتى في أكثر ذكرياتنا يقيناً.