يستيقظ الإنسان مذعوراً من كابوس، يتفقد جسده، ثم يكتشف شيئاً لم يكن يتوقعه: خطوط حمراء، خدوش أو كدمات في الموضع نفسه الذي تعرّض فيه للمس أو الاعتداء داخل الحلم،  عندها يصبح السؤال أكثر إزعاجاً من الكابوس ذاته: هل يمكن لما يحدث في الأحلام أن يترك أثراً حقيقياً على الجسد ؟

تتكرر مثل هذه الشهادات على نحو لافت، بعض أصحابها يتحدثون عن شخص مجهول ظهر بجانب السرير وآخرون عن حيوان أو ظل أو كائن مشوه بينما يربطها البعض بالجن أو الشياطين أو ما يسمى «زائر الليل».

لكن خلف هذه الروايات الغريبة توجد أيضاً احتمالات عصبية وجلدية تستطيع تفسير جانب كبير منها.

إحدى تلك الحالات روتها سيدة متزوجة على موقع Reddit  قالت إنها حلمت برجل غريب يمسك بصدرها ويمصه بعنف، كان الحلم شديد الواقعية إلى درجة أنها شعرت بأنها عالقة داخله وغير قادرة على الاستيقاظ، وحين نهضت أخيراً بقي لديها شعور قوي بالقلق، لكن المفاجأة جاءت عندما توجهت للاستحمام؛ فقد وجدت عدة خدوش حمراء على صدرها، في المنطقة نفسها تقريباً التي كان الرجل يمسكها فيها داخل الحلم، وأكدت أن العلامات لم تكن موجودة في الليلة السابقة وأنها لا تملك قطة، كما أن أظافرها ليست طويلة ، وأرفقت دليل الخدوش الظاهرة في الصورة التالية،  فهل عبر شيء ما من الحلم إلى الواقع ؟ 

حين يدخل الجسد إلى الحلم

المفارقة أن السؤال ربما ينبغي قلبه رأساً على عقب ، بدلاً من أن نسأل: كيف تسبب الحلم في الخدوش ؟ يمكن أن نسأل: هل كانت الخدوش تحدث أولاً، ثم دخل إحساسها إلى الحلم ؟

فالدماغ أثناء النوم لا يصبح معزولاً تماماً عن الجسد والعالم الخارجي، قد يصل إليه صوت في الغرفة فيتحول داخل الحلم إلى جرس أو صراخ، وقد يشعر الإنسان بالبرد فيجد نفسه يحلم بالثلج، بالطريقة نفسها يمكن للضغط أو الألم أو الحكة أن يجد لنفسه قصة داخل الحلم.

تخيل أن النائمة بدأت تحك جلدها دون وعي أو احتك صدرها بثنية قاسية من الملابس أو الفراش،هنا يصل إحساس الضغط والاحتكاك إلى الدماغ النائم فيبحث العقل عن معنى له ثم ينسج المشهد: "هناك رجل يمسك بالصدر بقوة".

وعند الاستيقاظ تكون النتيجة غريبة للغاية؛ الحلم يتطابق مع موضع العلامات الجسدية، فيبدو وكأن ما حدث في العالم الوهمي انتقل إلى العالم الحقيقي مع أن العكس هو الصحيح ، فالجسد هو الذي كتب جزءاً من الحلم.

هل نخدش أنفسنا أثناء النوم ؟

نعم، وهذا ممكن حتى عندما تكون الأظافر قصيرة ، الحك والحركات اللاإرادية لا تتوقف بالضرورة طوال الليل وهناك حالات موثقة طبياً لما يعرف بالحك المرتبط بالنوم Sleep-related scratching إذ يستطيع الشخص أن يحك جلده أثناء نومه ثم يستيقظ من دون أن يتذكر ذلك.

ولا يحتاج الأمر دائماً إلى أظافر طويلة كي تظهر خطوط حمراء، فالضغط المتكرر بطرف الظفر أو الأصابع أو احتكاك الجلد بالقماش، قد يكون كافياً لدى أصحاب البشرة الحساسة.

وهناك أيضاً حالة جلدية تعرف باسم الكتابة على الجلد Dermographism حيث يصبح فيها الجلد شديد الاستجابة للاحتكاك؛ فمجرد تمرير جسم أو ظفر بخفة يمكن أن يترك خطوطاً حمراء بارزة تبدو لاحقاً شديدة الأثر بالمقارنة مع السبب الذي أحدثها ، ولهذا فإن شكل الخدش وحده لا يخبرنا بالضرورة عن مصدره.

عندما يكون شخص ما في الغرفة

الخدوش ليست الجزء الأكثر غرابة في هذه التجارب فكثير من أصحابها يصفون شيئاً آخر: شعوراً بأنهم مستيقظون ولكن عاجزون عن الحركة، وبأن هناك شخصاً أو كائناً في الغرفة ، هنا نقترب من ظاهرة شلل النوم.

يحدث شلل النوم عندما يستعيد الدماغ درجة من الوعي بينما يبقى الجسد لفترة قصيرة في حالة الشلل العضلي الطبيعية المصاحبة لمرحلة الأحلام REM (مرحلة حركة العين السريعة) وقد يجد الإنسان نفسه واعياً بغرفته لكنه غير قادر على الحركة أو الكلام.

المشكلة أن الأحلام قد لا تكون انتهت تماماً لهذا تظهر أحياناً هلوسات شديدة الواقعية: خطوات، همسات، ظل يقف قرب السرير، شخص يلمس الجسد، شيء يجلس فوق الصدر أو كائن يقترب من الوجه.

وفي بعض الحالات تتخذ التجربة طابعاً جنسياً فيشعر النائم بلمسات حميمة أو بوجود شخص يعتدي عليه ومن هنا دخل حتى إلى الأدبيات الطبية تعبير "ظاهرة الإنكوبوس" Incubus phenomenon لوصف أحد أنماط تجارب شلل النوم من دون أن يعني استخدام الاسم أن الطب يقر بوجود الشيطان الأسطوري نفسه.

وهنا تبدأ منطقة أكثر ظلمة في تاريخ المعتقدات البشرية.

الإنكوبوس: عاشق الليل الشيطاني

في الفولكلور الأوروبي كان الحضون Incubus شيطاناً ذكراً يُعتقد أنه يزور النساء أثناء نومهن ويعتدي عليهن جنسياً، بينما كانت نظيرته الأنثوية السقوبة Succubus تفعل الأمر ذاته مع الرجال، كانت الضحية تستيقظ أحياناً وهي تتحدث عن ثقل فوق صدرها أو حضور في الغرفة أو تجربة جنسية بدت واقعية تماماً ، واليوم تبدو أوجه التشابه مع شلل النوم واضحة للغاية ، فالشخص القديم الذي لم يكن يعرف شيئاً عن مرحلة REM أو الهلوسات الانتقالية كان يمتلك أمامه تفسيراً أكثر انسجاماً مع عالمه: كائن جاء فعلاً أثناء الليل.

لكن أوروبا لم تكن وحدها في ذلك.

المارا... التي صنعت الكابوس

في الفولكلور الجرماني والإسكندنافي ظهر كائن يدعى Mara أو Mare، روح أو كيان ليلي قيل إنه يجثم فوق صدر النائم ويصيبه بأحلام مرعبة واختناق.

ومن هذا التراث جاءت الكلمة الإنجليزية القديمة المرتبطة بـ nightmare؛ فلم يكن «الكابوس» في المخيلة القديمة مجرد حلم سيئ، بل كان مرتبطاً بكائن يأتي إلى الإنسان أثناء النوم.

مرة أخرى نجد العناصر ذاتها: النوم، العجز عن الحركة، الضغط على الصدر، حضور غير مرئي، والخوف الشديد.

وكأن ثقافات مختلفة كانت تصف الظاهرة العصبية نفسها لكنها تمنح «الزائر» اسماً مختلفاً.

كاراباسان: الكائن الذي يخنق النائم

في الموروث التركي نجد كاراباسان Karabasan ويمكن تقريب معناه إلى «الضاغط الأسود» أو الكائن الذي يهجم أثناء النوم ، تصف الروايات شخصاً يستيقظ ليشعر بثقل شديد فوق جسده، ويرى أو يحس بوجود شيء مرعب يمنعه من الحركة أو الكلام.

ومن السهل رؤية التشابه مرة أخرى مع شلل النوم ، لكن من عاش التجربة بنفسه قد يجد تفسير «خلل مؤقت أثناء النوم» أقل إقناعاً من ذكرياته؛ فهو لا يتذكر مجرد حلم، بل يتذكر الغرفة والسرير والكيان واقفاً أمامه.

وهذا أحد الأسباب التي جعلت تجارب شلل النوم مصدراً خصباً للأساطير عبر التاريخ.

ماذا عن الجن ؟

في الثقافة العربية والإسلامية كثيراً ما يرتبط الجاثوم في المخيلة الشعبية بالجن.

صحيح أن وجود الجن نفسه جزء من العقيدة الإسلامية لكن ذلك لا يعني أن كل حالة شلل نوم أو خدش مجهول يمكن نسبها إليه وهنا ينبغي الفصل بين المعتقد الديني وبين التفسير الشعبي لحادثة بعينها.

في الحكايات الشعبية تنتشر روايات عن جن عاشق أو كيان يزور النائم أو مسّ يسبب إحساساً بالاختناق واللمس والأحلام الجنسية، وقد وجد هذا التفسير أرضاً خصبة تحديداً لأن تجربة شلل النوم تستطيع أن تكون مقنعة بصورة مذهلة ، فالشخص لا يشعر بأنه كان يحلم بشيء موجود في الغرفة؛ بل يشعر أنه استيقظ ووجده هناك بالفعل ، وإذا أضيف إلى ذلك خدش أو كدمة مكتشفة في الصباح، تصبح القصة بالنسبة إليه أصعب بكثير على التفسير الطبيعي.

هل يستطيع شلل النوم إحداث الخدوش ؟

هنا توجد نقطة حاسمة ، شلل النوم نفسه لا يخدش الجلد ، يمكنه تفسير الكيان وشعور اللمس والضغط على الصدر والعجز عن الحركة، لكنه لا يفسر وحده وجود جرح مادي حقيقي.

ولذلك ينبغي البحث عن سبب آخر للعلامة: حك أثناء النوم، حركة سابقة قبل حدوث الشلل، احتكاك بالفراش أو الملابس، مشكلة جلدية، شريك النوم، أو سبب مادي لم ينتبه إليه الشخص.

ومن الممكن كذلك حدوث السيناريو الأكثر إثارة:

يبدأ الاحتكاك أو الخدش الحقيقي أثناء النوم، فيلتقطه الدماغ ويدمجه داخل الحلم، ثم يستيقظ الشخص فيجد الدليل على جلده.

إنه تفسير يجعل تطابق الحلم مع العلامة أمراً متوقعاً لا مستحيلاً.

لغز الخدوش الثلاثة

تنتشر في أدبيات الرعب والظواهر الخارقة صور لأشخاص استيقظوا بثلاثة خطوط متوازية، ويقال أحياناً إن «ثلاثة خدوش» علامة شيطانية أو إهانة رمزية للثالوث في المعتقد المسيحي.

لكن هذه الفكرة ينبغي التعامل معها بحذر ، إذ لا توجد قاعدة علمية تسمح بتحديد مصدر الخدش بناءً على عدد الخطوط كما أن الكثير من هذه التأويلات ينتمي إلى الثقافة الماورائية الحديثة وأفلام الرعب أكثر مما يستند إلى تقليد تاريخي ثابت.

والأبسط ميكانيكياً أن عدة أصابع أو أظافر متجاورة يمكن أن تنتج خطوطاً متوازية بطبيعتها.

الغموض الحقيقي ليس في الرقم ثلاثة، وإنما في الحالات التي تظهر فيها العلامات بصورة متكررة دون أن يُعرف كيف حدثت.

ثلاثة سيناريوهات

عندما يستيقظ شخص من كابوس ليجد علامة على جسده، توجد ثلاثة تصورات أساسية لما حدث.

الأول أن الجسد سبق الحلم: حدث ضغط أو حك أو خدش أثناء النوم، والتقط الدماغ الإحساس وحوله إلى جزء من سيناريو الكابوس.

والثاني أن الحلم حرّك الجسد: الكابوس أثار حركة أو حكاً أو سلوكاً لا إرادياً أدى في النهاية إلى العلامات.

أما الثالث فهو التفسير الذي تبنته الأساطير والمعتقدات الشعبية منذ قرون: أن شيئاً آخر كان حاضراً بالفعل، وأن الكابوس لم يكن سوى إدراك مشوش لزيارة أو اعتداء من كيان خارجي.

العلم يستطيع تقديم آليات قوية للسيناريوهين الأولين، بينما لا يوجد حتى الآن دليل تجريبي يسمح بإثبات السيناريو الثالث من مجرد وجود خدوش على الجلد.

لكن ذلك لم يمنع «زائر الليل» من البقاء معنا.

فهو الإنكوبوس في أوروبا، والمارا في شمالها، والكاراباسان في تركيا، وقد يصبح جنياً أو جاثوماً في المخيلة العربية، تتغير الأسماء والوجوه بينما تبقى التجربة الأساسية على نحو غريب واحدة: تستيقظ، لا تستطيع الحركة، تشعر أن أحداً معك، ثم تنظر إلى جسدك بحثاً عن أثر.

وربما تكمن المفارقة كلها هنا:

ما نظنه أثراً تركه الكابوس على الجسد قد يكون في بعض الحالات أثراً تركه الجسد أولاً... ثم صنع منه الدماغ كابوساً.

لكن حين تكون العلامة حقيقية والذاكرة واضحة ولا يوجد تفسير ظاهر لما حدث أثناء تلك الساعات المفقودة من الليل، يصبح من المفهوم لماذا ظل الإنسان يسأل منذ مئات السنين السؤال نفسه:

هل كنت وحدي حقاً وأنا نائم ؟