في أعماق الهرم الأكبر، حيث تتحول الممرات الحجرية إلى طريق نحو معرفة مستترة، يتحدث مانلي بالمر هول عن شخصية غامضة ترتدي الأزرق والذهبي وتحمل مفتاحاً ذا سبع شعب، في الصورة التي يرسمها، يصبح الهرم موضعاً لولادة ثانية؛ يدخله الإنسان محدود المعرفة، ويخرج منه وقد تبدلت علاقته بنفسه وبالعالم.
هذا مشهد من كتاب "التعاليم السرية لكل العصور"، وليس وصفاً لاكتشاف أثري، لكنه يكشف منذ البداية طبيعة الرحلة التي يعد بها الكتاب: وراء البناء معنى، ووراء الأسطورة تعليم، ووراء الصورة التي اعتدنا النظر إليها سر ينتظر من يقرأه.
فهل استطاع صاحبه أن يجمع مفاتيح حكمة توارثتها الحضارات ؟ أم أنه أعاد ترتيب معتقدات متباعدة حتى بدت أجزاء من قصة واحدة ؟
شاب أمام مكتبة من الأسرار
صدر "التعاليم السرية لكل العصور" The Secret Teachings of All Ages عام 1928، وكان مؤلفه مانلي بالمر هول في السابعة والعشرين، وُلد هول في كندا سنة 1901، وهو معروف بمحاضراته وكتاباته عن الرموز والفلسفات الباطنية، كان واسع القراءة، اعتمد على تثقيف نفسه، وجعل البحث عن المعنى في تراث الشعوب محور حياته، وفي عام 1934 أسّس جمعية البحث الفلسفي في لوس أنجلوس، التي ظل يرأسها حتى وفاته سنة 1990.
لم يظهر كتابه دفعة واحدة، بحسب مقدمته، بدأ جمع المراجع عام 1921، وتبلورت خطته بعد ثلاث سنوات، ثم شرع في كتابة النص مطلع 1926، واستعان بمكتبات ومترجمين ومحررين، بينما أسهمت اشتراكات القراء المسبقة في تمويل طباعته، خلف المجلد الذي يتحدث عن أسرار الحكماء، نجد عملاً بشرياً واضح المعالم: سنوات من القراءة، ومساعدة من آخرين، وطموحاً احتاج إلى المال والورق والصور كي يصبح كتاباً.
أما العنوان الفرعي، فيوضح مشروعه أكثر من الاسم الشهير: "عرض موسوعي للفلسفة الرمزية الماسونية والهرمسية والقبّالية وتقاليد الصليب الوردي"، إنه نطاق واسع، لكنه يكشف أيضاً المنظور الذي ينظر منه هول؛ فالعالم هنا يُقرأ عبر مدارس تبحث عن المعنى المستتر في الرموز والطقوس والأساطير.
حين يصبح العالم شيفرة تحتاج إلى حل
تعني القراءة الباطنية، في سياق هذا الكتاب، الاعتقاد بأن للأشياء معنى داخلياً يتجاوز ظاهرها، فقد يرى المرء رسماً للشمس، بينما يرى فيه المفسر رمزاً للمعرفة أو للحياة، وقد يقرأ حكاية عن موت وبعث، بينما يفسرها آخر بوصفها انتقالاً من الجهل إلى الإدراك.
وهكذا يجمع فهرس الكتاب موضوعات تبدو متباعدة: مصر القديمة وأطلانتس، وهندسة الأعداد، ورمزية النباتات والحيوانات، والخيمياء والتاروت، والجماعات التي أحاطت معارفها بالسرية، ومن خلال هذا التجاور يدعو القارئ إلى البحث عن روابط تتجاوز اختلاف الأزمنة والأماكن.
تكمن جاذبية هذه الطريقة في أنها تمنح التفاصيل حياة ثانية، لكن السؤال الذي ينبغي أن يرافقها هو: كيف نعرف أن المعنى الذي اكتشفناه كان مقصوداً أصلاً، وأننا لم نضعه نحن في الصورة ؟
الهرم بين الحجر والتأويل
يبدو هذا السؤال واضحاً في قراءة هول للهرم الأكبر، فهو يمنحه وظيفة تتصل بـ التلقين، أي إدخال طالب المعرفة إلى أسرار لا تُكشف للجميع، ويجعل العبور في حجراته رمزاً للتحول الداخلي، هنا يصبح البناء مسرحاً لتجربة روحية، وتتحول عتمته إلى مرحلة تسبق النور ، أما الوصف الأثري فيضعه ضمن سياقه الجنائزي الملكي: إنه هرم خوفو، وفيه حجرات وممرات وتابوت، ويرتبط بمشروع بناء من الدولة القديمة وتعرّفه وزارة السياحة والآثار المصرية بوضوح باعتباره مقبرة الملك.
لا يمنع ذلك دراسة الدلالات الدينية والرمزية للعمارة المصرية، لكنه لا يجعل رواية التلقين التي يعرضها هول حقيقة مثبتة، فبين القول إن بناءً حمل معنى مقدساً والقول إن طقوساً محددة جرت في حجراته، مسافة لا يعبرها الخيال وحده.
وتزداد أهمية هذا التمييز كلما أدهشنا مشهد في الكتاب: براعة الوصف تستطيع أن تجعلنا نكاد نرى الحدث، لكنها لا تثبت أنه وقع.
هرمس: الاسم الذي حمل وعد الحكمة القديمة
من الهرم ينتقل القارئ إلى هرمس المثلث العظمة، الشخصية المرتبطة بـ تحوت المصري وهرمس اليوناني، يعرض هول تراثاً نُسب إليه، يجمع الحديث عن الكون والمعرفة والطبيعة الإلهية، ويبدو هرمس في هذا العالم اسماً تتجمع حوله الرغبة في استعادة حكمة غاب أصحابها وبقيت آثارها في الكتب.
غير أن تاريخ النصوص أدق من أسطورة صاحبها، فالمجموعة المعروفة باسم "المتون الهرمسية" Corpus Hermeticum ترجع، بحسب مرجع كامبريدج، إلى القرنين الثاني والثالث الميلاديين، ولا تُعامل باعتبارها مؤلفات موثقة لشخص واحد عاش في مصر الفرعونية، وإن كانت تحمل تقاليد وأفكاراً نشأت في بيئة تداخلت فيها ثقافات متعددة.
ومع ذلك، كان الاعتقاد بقدمها شديد التأثير، عندما وصلت مجموعة من هذه النصوص إلى فلورنسا في القرن الخامس عشر، طلب كوزيمو دي ميديشي من المترجم مارسيليو فيتشينو إعطاءها الأولوية على ترجمة أفلاطون، تكفي هذه الواقعة لفهم قوة الوعد الذي حملته: ربما تكون هنا معرفة أقدم، تستحق أن تنتظر الفلسفة اليونانية حتى يُفتح بابها. كامبريدج: الهرمسية في عصر النهضة
الذهب داخل الإنسان
وفي فصول الخيمياء، يتخذ البحث عن الحكمة صورة أخرى، الخيمياء تراث انشغل بتحولات المواد، واشتهر بالسعي إلى تحويل المعادن إلى ذهب والعثور على مواد تمنح الشفاء أو تطيل الحياة، لكن هول يربط التحول المادي بالتجدد الروحي أيضاً؛ فتنقية المادة تقابلها، في قراءته، تنقية الإنسان.
بهذا المعنى، يمكن أن يصبح الذهب صورة للكمال المنشود، ويغدو العمل الطويل أمام الأفران مرآة لعمل آخر يجري في النفس، وهذه قراءة تفسر جانباً من افتتان المهتمين بالرموز بالخيمياء: إنها تتيح النظر إلى الإنسان بوصفه كائناً لم يكتمل بعد.
لكن تاريخ الخيمياء لا يذوب كله في هذا التأويل، فقد اشتغل الخيميائيون بالمعادن والحرارة والتقطير والأدوية، وكانت لهم تجارب وغايات مادية فعلية، وتعرض مقتنيات معهد تاريخ العلوم هذا العالم بوصفه جزءاً من تاريخ التجريب الذي أسهم في نشوء الكيمياء، لذلك قد تحكي صورة الخيميائي عن مختبر حقيقي، ويضيف إليها تأويل روحي طبقة أخرى من المعنى؛ ولا ينبغي أن تمحو إحدى الطبقتين الأخرى.
من يسكن التراب والماء والهواء والنار ؟
تغادر بعض صفحات الكتاب عالم التأمل لتدخل منطقة أقرب إلى حكايات الكائنات الخفية، ففي فصل "العناصر وسكانها"، يعرض هول تصوراً ينسبه إلى باراسيلسوس، الطبيب والخيميائي، عن كائنات ترتبط بعناصر الطبيعة الأربعة.
للأرض كائناتها المعروفة باسم "غنوم" التي يشيع تصويرها كأقزام وللماء "الأوندينات" وللهواء "السيلفات" وللنار كائنات تسمى "السلمندرات" والمقصود بالأخيرة في هذا السياق كائنات نارية أسطورية، لا مجرد الحيوان الذي يحمل اسماً مشابهاً.
وبحسب التصور الذي ينقله هول، تعيش هذه الكائنات في عوالم لا تدركها الحواس البشرية المعتادة، تصبح الطبيعة بذلك مكاناً مأهولاً بحياة مستترة، لا تكشف للإنسان جميع سكانها.
قد يذكّر هذا القارئ بحكايات سكان الينابيع والجبال والمخلوقات التي تظهر عند حدود العالم المألوف، لكن التشابه لا يجعل المعتقدات المختلفة شيئاً واحداً، ولا يجيز مساواة هذه الكائنات مباشرة بالجن في التصور الإسلامي، ما يجمعها على مستوى الحكاية هو سؤال البشر عما قد يعيش بعيداً عن أعينهم؛ أما أصولها وصفاتها الدينية فلكل منها سياقه.
باب يُفتح بعد مئة وعشرين عاماً
ومن أكثر حكايات الكتاب إثارة ما يورده عن كريستيان روزنكرويتس، الشخصية المؤسسة في أدبيات الصليب الوردي، يروي هول أن تعديلات في بناء قادت إلى اكتشاف مدخل مستتر، خلفه حجرة دفن تحمل رموزاً، وفي داخلها جسد ظل محفوظاً بعد مرور مئة وعشرين عاماً، ومعه مخطوط غامض.
تجمع الحكاية عناصر يصعب مقاومة سحرها: "معرفة محجوبة عن العالم"، ومكان ينتظر زمنه، وميت يبدو كأنه يحتفظ بسر يتجاوز موته، لكن مصدرها أدبيات الجماعة، وعرض هول لها لا يحولها إلى تقرير عن اكتشاف أثري، بل إنه يفتتح حديثه بأسئلة عن هوية أصحاب الصليب الوردي وطبيعة تنظيمهم ومؤسسهم. أخوية الصليب الوردي
وهنا تظهر إحدى أهم قواعد قراءة الكتاب: قد يكون النص دليلاً على أن جماعة روت حكاية عن نفسها، بينما تبقى أحداث الحكاية بحاجة إلى دليل آخر، ويمكن للأسطورة أن تكشف آمال أصحابها وصورتهم عن المعرفة، حتى عندما لا نملك ما يثبت وقوعها.
التاروت: هل كان السر موجوداً منذ البداية ؟
يخصص هول فصلاً لتحليل أوراق التاروت، وهي مادة مناسبة لفهم كيف تتراكم المعاني حول الصور، فالورقة التي تحمل شخصية أو مشهداً قد تُقرأ بوصفها رمزاً لمصير الإنسان أو مرحلة من رحلته.
لكن المصادر المتحفية توثّق أوراق تاروت إيطالية من القرن الخامس عشر، وتوضح أن التاروت كان لعبة قبل ارتباطه اللاحق بالعرافة والأسرار الباطنية، وجود صور رمزية فيه لا يكفي لإثبات أنه صُمم أصلاً وعاءً لحكمة خفية.
هذا لا يلغي التأويلات اللاحقة بوصفها جزءاً من تاريخ الأفكار، لكنه يغيّر السؤال: هل يشرح المفسّر غرض صانع الورقة، أم يبني فوقها نظاماً جديداً ؟ فكثيراً ما تكون القصة المشوقة هي قصة المعنى الذي اكتسبته الأشياء، لا السر الذي احتوته منذ ولادتها.
مفارقة هول والماسونية
قد تدفع موضوعات الكتاب بعض القراء إلى اعتباره كشف لأسرار عرفها المؤلف بحكم منصبه الماسوني، غير أن التسلسل الزمني يكشف مفارقة مهمة: صدر الكتاب سنة 1928، بينما انضم هول إلى الماسونية سنة 1954، بعد ستة وعشرين عاماً، ثم حصل على الدرجة الثالثة والثلاثين الفخرية سنة 1973.
كان اهتمامه بالرمزية الماسونية سابقاً لانضمامه، لكن لا يصح تقديم الكتاب باعتباره اعترافات كتبها وهو يحمل تلك الدرجة، كما أن تفسيراته لا تمثل عقيدة رسمية للماسونية، وفق التوضيح الوارد في المصدر الماسوني نفسه.
وهذا التفصيل يمنع قراءة الماضي من خلال ألقاب اكتسبها صاحبه لاحقاً، فهول الذي كتب المجلد شاباً ليس مطابقاً، من حيث الانتماءات والمكانة، لهول الذي عرفه الناس بعد عقود.
حين تمنح الصورة الفكرة جسداً
يصعب فصل جاذبية الكتاب عن رسومه، تشكر مقدمته الرسام جون أوغسطس كناب والمصمم الطباعي جون هنري ناش، وتكشف العناية بإخراج يليق بطموح المؤلف.
تتيح الصورة للقارئ أن يرى ما يصعب تخيله من الوصف وحده؛ لكنها قد تمنح الرواية أيضاً شعوراً زائداً بالواقعية، فلوحة حديثة لطقس يُقال إنه قديم تظل تصويراً لذلك الطقس كما تخيله الفنان أو وصفه المصدر، ولا تصبح شاهداً من زمنه، ومن هنا تأتي ضرورة قراءة التعليقات والتواريخ، لا الاكتفاء بقوة المشهد.
كيف نقرأه بعد كل ذلك ؟
يقر هول في مقدمته بأنه لا يدّعي عصمة جميع أقواله أو أصالتها، ويعلن غرضاً فلسفياً يتجاوز الرؤية المادية، هذه مصارحة تساعد على فهم مشروعه، لكنها تترك للقارئ مهمة فحص ما يتصل بالتاريخ والوقائع.
يمكن تقدير الكتاب بوصفه عملاً واسع الطموح في جمع الرموز والتأويلات، والاستمتاع بحكاياته وصوره، مع إبقاء الفروق واضحة بين الأسطورة والمعتقد والمعلومة الموثقة، فالتشابه بين رمزين يستحق السؤال، لكنه يحتاج إلى أكثر من التشابه لإثبات انتقال سر من حضارة إلى أخرى.
وربما تكمن قوة "التعاليم السرية لكل العصور" في أنه يجعلنا ننتبه إلى رغبة بشرية عميقة: ألا يكون العالم مجرد ما نراه، وأن تحمل الأشياء المألوفة معنى لم نبلغه بعد، يمنح هول هذه الرغبة مكتبة من الصور والحكايات؛ ويبقى على القارئ أن يميز بين ما تكشفه تلك المكتبة عن الماضي، وما تكشفه عن شغفنا نحن بالمجهول.