يولد طفل وعلى عنقه علامة تشبه جرحاً قديماً، ثم يبدأ، ما إن يتعلم الكلام، بالحديث عن شخص قُتل بقطع عنقه، وفي مكان آخر، تولد طفلة بعلامات جلدية واسعة، وتقول إنها تتذكر موتها في حريق، تبدو هذه الحكايات وكأنها مقتطفات من أدب الرعب، لكنها تنتمي إلى ملفات جمعها طبيب نفسي حاول الإجابة عن سؤال غير مألوف: هل يمكن أن تكون بعض الوحمات مرتبطة بإصابات شخص مات قبل ولادة صاحبها ؟
كان ذلك الطبيب هو إيان ستيفنسون، الذي أمضى عقوداً في دراسة أطفال قيل إنهم يتذكرون حيوات سابقة، وقد رأى في بعض العلامات الجسدية جانباً يستحق الفحص، لأنها أشياء يمكن تصويرها ومقارنتها بوثائق وشهادات، إلى جانب الأقوال المنسوبة إلى الأطفال.
لكن المسافة كبيرة بين العثور على تشابه لافت وبين إثبات انتقال روح من جسد إلى آخر، وفي هذه المسافة تقع حكاية الوحمات و تناسخ الأرواح: حالات تستوقفنا، ومحاولات لتوثيقها، وأسئلة لا تكفي غرابتها وحدها لحسم الإجابة عنها.
بدأ اهتمام ستيفنسون بهذه العلامات ضمن تحقيقاته في روايات "الحياة السابقة"، وكانت الفكرة التي اختبرها أن بعض الأطفال يحملون وحمات أو اختلافات خلقية تتوافق مع إصابات أشخاص متوفين، يقول الأطفال إنهم كانوا أولئك الأشخاص.
ولم تكن طريقته مجرد الاستماع إلى قصة مثيرة، فقد وصف إجراء مقابلات متكررة مع أفراد العائلتين وشهود آخرين، والبحث عن شهادات الوفاة وتقارير التشريح متى توافرت، كما سأل عن ظهور العلامة منذ الولادة، وعن وجود علامات مشابهة في الأسرة، وحاول تقصي الطرق العادية التي ربما وصلت بها معلومات المتوفى إلى الطفل.
وفي بحث منشور في عام 1993 ذكر أن وحمات أو اختلافات خلقية منسوبة إلى حياة سابقة وردت في 309 حالات من أصل 895 حالة ضمن مجموعته، وتناول تحقيقه 210 حالات، حصل في 49 منها على وثيقة طبية، ورأى أن التوافق بين العلامة والإصابة كان مقبولاً أو أفضل في 43 منها، وفق معيار المقارنة الذي استخدمه. هذه أرقام تصف ملفات اختارها الباحث وتقييمه لها؛ ولا تعني أن 35% من أصحاب الوحمات يتذكرون حياة سابقة، أو أن التناسخ ثبت في 43 حالة.
من أكثر الحكايات لفتاً للنظر حالة طفلة بورمية اسمها ما خين هسان أو Ma Khin Hsann Oo ، تقول الرواية إنها وُلدت عام 1974 وعلى جسدها علامات داكنة واسعة، ثم بدأت في طفولتها المبكرة الحديث عن حياة امرأة ماتت عندما انقلبت مركبة واشتعلت فيها النار ،وعندما بلغت نحو الثالثة، أعطت اسم المرأة: أهمار يي Ahmar Yee ، وربط أهلها ما قالته بحادث شاحنة انقلبت واحترقت، وقُتلت فيه امرأة تحمل ذلك الاسم، وكان الحادث قد وقع قبل ولادة الطفلة بنحو ستة أشهر ونصف.
ما جعل القصة تتجاوز مجرد ادعاء تذكّر حياة أخرى هو مظهر جلدها، فقد وُصفت بعض العلامات بأنها بارزة، وشُبّهت في الرواية بآثار حروق ملتئمة، كما نُسب إليها خوف شديد من النار. وهكذا اجتمعت، في نظر المهتمين بالحالة، قصة موت بالحريق وعلامات جسدية وسلوك يبدو منسجماً معها.
غير أن التوثيق يفرض هنا قيداً مهماً: لم يتمكن ستيفنسون من الحصول على سجلات طبية لإصابات المرأة المتوفاة، وكانت علامات الطفلة موصوفة أيضاً بأنها وحمات صباغية، أي مناطق يزداد فيها تصبغ الجلد، وشملت أجزاء من وجهها وجذعها وأطرافها، لذلك يبقى التشابه مع الحروق تقديراً مستنداً إلى الرواية والمظهر، ولا يصح تقديمه بوصفه تطابقاً أثبته تقرير تشريح.
وتنقلنا حالة رافي شانكار Ravi Shankar إلى الهند، حيث تقول الرواية إنه وُلد عام 1951 بعلامة تشبه ندبة ممتدة عبر مقدمة عنقه وفي سنواته الأولى قال إنه كان طفلاً يُدعى "مُنّا"، قُتل بقطع عنقه.
بحسب رواية الحالة، تحدث رافي عن عائلة الطفل المتوفى وظروف مقتله، ونُسبت إليه معرفة أشخاص وتفاصيل قيل إنها وافقت حياة مُنّا، أما علامة العنق، فقد وصفها ستيفنسون بأنها ذات مظهر مجعّد ومنقّط يشبه أثر جرح.
تكمن قوة الحكاية السردية في هذا الاقتران: علامة تبدو كندبة، وطفل يتحدث عن إصابة في الموضع نفسه، لكن تقييمها يحتاج إلى أكثر من وضع العنصرين جنباً إلى جنب. فمن الضروري معرفة ما الذي سُجّل من أقوال الطفل قبل التواصل مع عائلة المتوفى، وما الذي كان معروفاً عن الجريمة في محيطه، وكيف جرت محاولات التعرف إلى الأشخاص، كما أن تسمية الطفل لمتهم لا تتحول بذاتها إلى دليل جنائي على إدانته.
أما حالة دحام جميل فهريجي Dahham-Cemil Fahrici فتلفت الانتباه إلى علامتين رُبطتا بمسار رصاصة ، يروي ستيفنسون أن الطفل وُلد في أنطاكية عام 1935، بعد أيام قليلة من وفاة قريب بعيد يُدعى جميل حايك Cemil Hayik، وكانت لديه منطقة تشبه الندبة تحت الجانب الأيمن من الذقن، نزفت بعد الولادة واستدعت، وفق رواية الأسرة، خياطتها في المستشفى ، وربطت العائلة هذه العلامة بطريقة موت القريب، الذي قيل إنه أطلق النار على نفسه تحت الذقن، وعندما بدأ الطفل الكلام، أصرّ، بحسب الرواية، على أن اسمه جميل، حتى استجاب والداه وغيّرا الاسم الذي اختاراه له.
وبعد سنوات من التحقيق، سمع ستيفنسون وصفاً لخروج الرصاصة من أعلى رأس المتوفى، فسأل صاحب الحالة عن وجود علامة أخرى، فأشار إلى أعلى رأسه، حيث وُجدت منطقة خطية خالية من الشعر.
لكن الرواية نفسها تتضمن معلومة تؤثر في تفسيرها: كان والد الطفل قد حلم بالقريب المتوفى قبل الولادة، وكان الوالدان مستعدين للاعتقاد بأنه سيعود في ابنهما، وهذا لا يفسر العلامات الجسدية بمفرده، لكنه يجعل احتمال انتقال هوية المتوفى وقصته إلى الطفل جزءاً ضرورياً من التحقيق، كذلك استند وصف مخرج الرصاصة في هذا العرض إلى شهادات، لا إلى تقرير تشريح .
توضح هذه الأمثلة لماذا جذبت الوحمات اهتمام ستيفنسون، فالعلامة الجسدية تمنح الرواية شيئاً ملموساً، وقد يبدو اجتماعها مع أقوال محددة أكثر إثارة من أي منهما منفرداً. ومع ذلك، فإن وجود العلامة حقيقة مختلفة عن صحة القصة المرتبطة بها، وصحة بعض تفاصيل القصة تختلف بدورها عن إثبات التفسير المقترح.
ومن منظور الطب، لا تمثل الوحمات ظاهرة واحدة ذات سبب واحد، فبعضها يرتبط بتكوّن الأوعية الدموية، وبعضها بتجمع الخلايا المنتجة لصبغة الجلد، وتختلف أشكالها وألوانها ومواضعها، وقد يكون بعضها بارزاً أو غير منتظم، وتوضح الأكاديمية الأمريكية للأمراض الجلدية أن أسبابها تختلف باختلاف النوع، مع بقاء جوانب غير مفهومة بالكامل. الأكاديمية الأمريكية للأمراض الجلدية: أسباب الوحمات.
إلا أن عدم معرفة سبب ظهور وحمة بعينها في موضع محدد لا يجعلها أثراً لحياة سابقة، فقولنا "لم نجد تفسيراً حاسماً لهذه الحالة" يصف حدود معرفتنا؛ أما قولنا "إذن انتقلت إليها إصابة شخص متوفى" فيضيف ادعاءً يحتاج إلى دليل مستقل.
وهناك أيضاً مشكلة المقارنة بعد معرفة القصة، إذا عرف شخص أن المتوفى أُصيب في العنق، فقد تبدو له أي علامة قريبة من العنق ذات دلالة خاصة، ولتقدير قوة التشابه، ينبغي السؤال عن دقته وحدوده: هل يتوافق الموضع والشكل والحجم ؟ وهل توجد علامات لا توافق شيئاً في قصة المتوفى ؟ وهل كان يمكن ربط العلامة بإصابات أشخاص آخرين ؟
وتزداد قيمة التوثيق عندما يتم تصوير الوحمة مبكراً وتُسجّل أقوال الطفل بتاريخ واضح قبل تحديد الشخص المتوفى، ثم تُفحص المطابقة بمعايير معلنة، كما أن المقارنة التي يجريها مختص لا يعرف القصة مسبقاً تساعد على تقليل أثر التوقعات، أما الشهادات التي تُجمع بعد سنوات من تداول الحكاية فتظل معرضة للنسيان وإعادة ترتيب الأحداث، حتى عندما يكون أصحابها صادقين.
لا يلزم من هذه الملاحظات اتهام العائلات بالكذب، ولا إنكار أن بعض الروايات قد تبقى محيرة، لكنها تمنع تحويل الحيرة إلى يقين، أو التعامل مع الوحمات بوصفها خريطة تكشف للإنسان كيف مات قبل أن يولد.
لقد ترك ستيفنسون ملفات تستحق القراءة النقدية، ورأى فيها قرائن تدعم فرضية التناسخ، لكن توثيق العلامات والشهادات لا يساوي إثبات انتقال الأرواح، وربما كان السؤال الأجدى أمام هذه الحالات هو: ما الذي نعرفه فعلاً، وما الذي أضافه الشهود والباحثون والتوقعات إلى ما نراه ؟ هنا يمكن الحفاظ على الدهشة، من دون منحها سلطة الدليل.