في قلب مدينة ميونيخ الألمانية، وتحت الأبراج الشهيرة لكاتدرائية فراونكيرشه Frauenkirche أي "كنيسة سيدتنا"، توجد علامة صغيرة على الأرض تستوقف الزوار أكثر مما قد تفعله كثير من زخارف الكنيسة الضخمة: أثر يشبه قدم إنسان غُرست في الحجر، وفي مؤخرة كعبها علامة غريبة تبدو كأنها مهماز، يطلق عليها الألمان اسم خطوة الشيطان Der Teufelstritt
لكن من الذي ترك هذه القدم ؟ ولماذا ارتبطت بالشيطان تحديداً ؟ وهل تعود الحكاية فعلاً إلى زمن بناء الكاتدرائية في القرن الخامس عشر، أم أن الأسطورة نمت وتغيرت مع مرور القرون حتى وصلت إلينا بالشكل الذي نعرفه اليوم ؟
قبل البحث عن الإجابة، علينا أولاً الدخول إلى الحكاية كما رواها أهل ميونيخ.
صفقة مع الشيطان
تقول أشهر روايات الأسطورة إن المعماري يورغ فون هالسباخ Jörg von Halspach بدأ عام 1468 تشييد كنيسة ضخمة في ميونيخ، لكنه وجد نفسه عاجزاً عن تأمين الأموال اللازمة لإتمام مشروع بهذا الحجم، وهنا ظهر الشيطان.
وفق الرواية الشعبية، عرض عليه أن يمول البناء، لكن مقابل شرط غريب: ألا تحتوي الكنيسة على نوافذ يدخل منها نور النهار، وفي بعض النسخ كان الثمن أكبر من المال؛ فقد دخلت روح المعماري نفسها في الرهان ، وافق المعماري لكنه لم يكن ينوي الوفاء بالاتفاق بالطريقة التي تصورها الشيطان.
بُنيت الكنيسة بالفعل وفي جدرانها نوافذ عديدة، إلا أن صفوف الأعمدة الضخمة صُممت بحيث تحجبها عن العين عندما يقف المرء في نقطة معينة قرب المدخل، وعندما اكتمل البناء، جاء الشيطان ليتفقده ، دخل الكاتدرائية ووقف في الموضع الذي أصبح لاحقاً مشهوراً. نظر إلى اليمين واليسار وإلى الأمام، فلم ير نافذة واحدة ، كان المكان يبدو أمامه كما أراد تماماً ، فضرب الأرض بقدمه فرحاً، تاركاً علامته في الحجر ، لكن فرحته لم تدم طويلاً.
يكفي، وفق الأسطورة، أن يتحرك المرء قليلاً عن تلك النقطة حتى تظهر النوافذ الكبيرة بين الأعمدة، وعندما أدرك الشيطان أن المعماري خدعه، استشاط غضباً ، وفي روايات أخرى لم يترك الأثر وهو مسرور، بل ضرب الأرض بعنف لحظة اكتشاف الخديعة.
الشيطان يعود في هيئة الريح
لم يستطع الشيطان، بحسب الحكاية، تدمير الكنيسة بعد اكتمالها وتكريسها، ولذلك خرج منها غاضباً وأطلق رياحاً عاتية حول المبنى محاولاً اقتلاعه لكنه فشل.
ومن هنا جاءت أسطورة أخرى يعرفها سكان ميونيخ: الرياح التي تهب حول برجي فراونكيرشه ليست مجرد ظاهرة جوية، بل هي بقايا غضب الشيطان الذي لا يزال يدور حول المكان بحثاً عن وسيلة للانتقام ، وتضيف بعض الروايات أن أحد أتباعه ظل يحوم حول الأبراج، ولذلك لا تهدأ الرياح حول الكاتدرائية ، وبقي أثر القدم في الداخل شاهداً على تلك المواجهة.
لكن المشكلة تبدأ عندما نسأل السؤال البسيط: هل حدثت القصة بهذه الصورة فعلاً منذ القرن الخامس عشر ؟
الكنيسة الحقيقية وراء الأسطورة
بدأ بالفعل بناء كنيسة فراونكيرشه الجديدة سنة 1468 تحت إشراف المعماري يورغ فون هالسباخ واكتمل الجزء الأساسي منها سنة 1488، وتم تكريسها عام 1494 وكان إنجاز مبنى بهذا الحجم خلال نحو عشرين عاماً أمراً لافتاً بمقاييس ذلك العصر، وربما ساهمت هذه السرعة نفسها لاحقاً في تغذية القصص الشعبية عن وجود مساعدة خارقة وراء المشروع ، لكن الوثائق التاريخية لا تشير إلى أي أزمة غامضة في التمويل.
فقد ساهمت الرعية ومدينة ميونيخ في تمويل البناء، وباعت الكنيسة بعض أملاكها وحقوقها، كما شارك مجلس المدينة في توفير مواد البناء، واستخدمت موارد دينية ومالية كانت مألوفة في أوروبا آنذاك.
أي أن قصة "الشيطان الذي موّل الكاتدرائية" لا تظهر بوصفها حقيقة تاريخية، وإنما كطبقة أسطورية أضيفت إلى الحكاية في مرحلة لاحقة.
الخدعة الموجودة فعلاً
هنا يظهر الجزء الأكثر إثارة في القصة، لأن الأسطورة لم تنشأ من فراغ كامل، فالذي يقف اليوم عند موقع "خطوة الشيطان" وينظر إلى داخل الكنيسة سيلاحظ بالفعل أن الأعمدة الضخمة تحجب معظم النوافذ عن مجال الرؤية ، أي أن الخدعة البصرية حقيقية.
لكن تبقى مشكلة واحدة: من هذه النقطة يمكن رؤية نافذة كبيرة في نهاية الكنيسة، وهو ما يناقض فكرة أن الشيطان لم ير أي نافذة ، والإجابة تكمن في تغيير معماري حدث بعد بناء الكاتدرائية بأكثر من قرن.
في بدايات القرن السابع عشر جرى إضافة مذبح ضخم إلى منطقة الجوقة، وكان هذا البناء يحجب النافذة المركزية أيضاً، وهكذا أصبح الشخص الذي يقف عند موضع القدم لا يرى تقريباً أي نافذة داخل الكنيسة، واستمر هذا الوضع من نحو عام 1620 حتى منتصف القرن التاسع عشر.
وهنا يظهر احتمال مثير: ربما لم تولد قصة "الكنيسة بلا نوافذ" أثناء تشييد المبنى في القرن الخامس عشر أصلاً، بل بعد إنشاء ذلك المذبح بقرون، عندما بدأ الزوار يلاحظون الخدعة البصرية الغريبة.
ماذا قالت الروايات القديمة ؟
من أقدم الروايات المكتوبة المعروفة للحكاية نسخة منشورة سنة 1868 تحت عنوان الشيطان في كنيسة السيدة ، واللافت أنها تختلف كثيراً عن النسخة السياحية المنتشرة اليوم، فلا وجود فيها لمعماري يبيع روحه ولا لشيطان يمول المشروع مقابل إزالة النوافذ.
في تلك الرواية يغضب الشيطان لأن كنيسة جديدة قد شُيدت، ويدخلها قاصداً تخريبها، لكنه يقف في موضع معين فلا يرى النوافذ بسبب الأعمدة، فيعتقد أن البشر ارتكبوا خطأ فادحاً ببناء كنيسة مظلمة، فيضحك ويترك أثر قدمه ثم يكتشف لاحقاً أنه خُدع.
وهذا الاختلاف يكشف شيئاً مهماً: الأسطورة نفسها تطورت بمرور الزمن.
بدأت، على ما يبدو، من أثر قدم وخدعة بصرية وشيطان غاضب، ثم ظهرت قصة الرهان على روح المعماري، وبعدها تحولت في الروايات الحديثة إلى صفقة مالية كاملة يمول فيها الشيطان البناء.
هل القدم نفسها قديمة ؟
حتى العلامة الموجودة اليوم تحتاج إلى شيء من الحذر ، فالكاتدرائية تعرضت لأضرار جسيمة خلال الحرب العالمية الثانية، وخضعت بعدها لإعمار وترميمات عديدة، كما جرى تجديد أرضيتها في العصر الحديث.
وقد ذكر الباحث في الظواهر الغريبة جو نيكل Joe Nickell بعد زيارته للمكان أن أحد العاملين في الكنيسة أخبره بأن العلامة الموجودة حالياً أعيد إنشاؤها أثناء أحد الترميمات، ولم يتمكن من تحديد مصير الأثر الأقدم ، ولا توجد، فيما هو منشور، سلسلة أثرية موثقة تثبت أن البلاطة الموجودة اليوم هي نفسها التي شاهدها سكان ميونيخ قبل قرون.
أسطورة صنعتها العمارة ؟
ربما تكمن قوة "خطوة الشيطان" في أن عناصرها الأساسية موجودة فعلاً أمام الزائر: أثر قدم في الأرض، أعمدة تخفي النوافذ، ونقطة داخل الكنيسة تستطيع أن تجعل مبنى مليئاً بالضوء يبدو لوهلة وكأنه بلا نوافذ ، ثم أضاف الزمن بقية الحكاية.
شيطان يدخل الكنيسة ، معماري يخدعه ، قدم تضرب الحجر وريح غاضبة تستمر في الدوران حول الأبراج.
لكن التحقيق التاريخي يقلب السؤال في النهاية: هل بقي أثر القدم لأن الشيطان وقف هناك ذات يوم كما تقول الأسطورة ؟
أم أن خدعة معمارية غريبة دفعت الناس إلى نسج قصة الشيطان حولها، ثم احتاجت القصة بعد ذلك إلى أثر قدم يجعلها أكثر إقناعاً ؟
وفي الحالتين، نجحت الحكاية فيما تفشل فيه كثير من الأساطير: بعد مرور قرون، لا يزال الزائر يقف فوق العلامة نفسها، ينظر إلى الأعمدة، ويجرب بعينيه الخدعة التي ربما صنعت واحدة من أشهر أساطير ميونيخ.