قد يبدأ المشهد بطريقة مألوفة في روايات "المس": يتغير صوت الشخص فجأة، وتتبدل حركاته ونظراته، وربما يتحدث عن نفسه باسم آخر أو بضمير مختلف، ويقول إن قوة ليست منه أصبحت تحرك جسده أو تتكلم من خلاله، قد يرتجف، يصرخ، يسقط، يتخذ وضعيات غير معتادة، أو يبدو كأنه دخل حالة مختلفة تماماً من الوعي، وبعد انتهاء النوبة قد يتذكر بعض ما حدث، أو أجزاء منه، أو لا يتذكر شيئاً تقريباً.
على امتداد التاريخ كان تفسير مشاهد كهذه يعتمد في المقام الأول على الثقافة المحيطة بها: أرواح الموتى، الجن، الشياطين، الآلهة، الأسلاف أو غيرها من الكيانات غير المرئية، وما زالت هذه التفسيرات حاضرة بقوة في مجتمعات كثيرة.
لكن الطب النفسي وجد نفسه أمام سؤال مختلف: هل يمكن أن تظهر حالة التلبس نفسها بوصفها ظاهرة نفسية حقيقية، لا تمثيلاً ولا خداعاً، من دون أن يكون إثبات وجود كيان خارجي ضرورياً لتفسيرها ؟
الإجابة هي نعم ، فمنظمة الصحة العالمية تعترف في التصنيف الدولي للأمراض ICD-11 بتشخيص مستقل يحمل اسم اضطراب غشية التلبس Possession Trance Disorder ورمزه 6B63 وهو يقع ضمن مجموعة الاضطرابات التفارقية Dissociative Disorders ، كما يفصل ICD-11 بينه وبين اضطراب الغشية Trance Disorder ذي الرمز 6B62.
وهنا ندخل إلى منطقة شديدة الحساسية: المنطقة التي يلتقي فيها الطب النفسي بالدين والثقافة والاعتقاد بالماورائيات.
ما المقصود بغشية التلبس ؟
جوهر الحالة ليس مجرد الإغماء أو الصراخ أو التصرف بغرابة، بل حدوث تغير واضح وغير إرادي في حالة الوعي والهوية.
وفق وصف ICD-11 تتراجع هوية الشخص المعتادة بصورة مؤقتة،ويحل محلها إحساس بهوية خارجية "مستحوذة" ويشعر المصاب بأن بعض حركاته أو تصرفاته أو كلامه تخضع لسيطرة تلك الهوية أو القوة الخارجية، ويجب أن تكون الظاهرة غير مرغوبة وغير متعمدة وأن تسبب ضيقاً واضحاً أو تعطل الحياة الاجتماعية أو الأسرية أو المهنية.
كما ينبغي ألا تكون الحالة أفضل تفسيراً بمرض عصبي، أو مادة مخدرة أو دواء، أو اضطراب نوم، أو اضطراب نفسي آخر، والأهم أن التصنيف لا يعتبر حالات الغشية التي تشكل جزءاً طبيعياً ومقبولاً من ممارسة دينية أو ثقافية جماعية اضطراباً نفسياً.
وهذا الشرط الأخير بالغ الأهمية ، فالإنسان الذي يدخل طوعاً في حالة غشية خلال احتفال ديني متعارف عليه في ثقافته، ثم يعود إلى حالته المعتادة دون معاناة أو فقد للسيطرة أو تعطيل لحياته، لا يحصل على هذا التشخيص لمجرد أن ثقافته تصف ما حدث بأنه حلول روح فيه.
أما عندما تبدأ "الزيارة" من دون إرادته، وتتكرر، وتخيفه، وتسيطر على حياته، أو تسبب له الأذى وتعطل قدرته على العمل والعلاقات، فإن المسألة تصبح سريرية.
من غشية التلبس إلى الاضطراب التفارقي
لفهم الحالة يجب أولاً فهم معنى التفارُق Dissociation، في الظروف العادية نشعر بأن ذكرياتنا وجسدنا وأفكارنا وإرادتنا وهويتنا تنتمي إلى "أنا" واحدة متصلة نسبياً، أما في الحالات التفارقية فقد يحدث اضطراب في هذا الترابط: يمكن للإنسان أن يشعر بالانفصال عن نفسه أو جسده، أو أن يفقد جزءاً من الذاكرة، أو يشعر بأن أفعاله لا تصدر عنه، أو تظهر حالات هوية مختلفة.
وتصف الجمعية الأمريكية للطب النفسي الاضطرابات التفارقية بأنها اضطرابات في التكامل الطبيعي للوعي والذاكرة والهوية والإدراك والسلوك والإحساس بالذات، وترتبط بعض أشكالها ارتباطاً وثيقاً بالخبرات الصادمة.
في اضطراب غشية التلبس يتخذ هذا الانفصال شكلاً خاصاً جداً:
بدلاً من أن يقول الشخص ببساطة "لا أشعر أنني أنا"، قد تكون تجربته: "هناك شخص آخر بداخلي"، أو "روح تتحكم بي" أو "جني يتحدث من خلال لساني" ، وهنا تلعب الثقافة دوراً حاسماً في إعطاء التجربة اسمها وصورتها.
كيف يمكن أن تبدو النوبة ؟
ليس هناك نموذج واحد لجميع الحالات، ومن أوصاف الحالات المنشورة نجد تغيراً في الصوت، وتعابير الوجه، والحركة والسلوك، وظهور كلام أو شخصية مختلفة، والارتجاف أو الحركات الإيقاعية، والصراخ، والتحدث بصورة غير مألوفة، والإحساس بفقد السيطرة على الجسد.
وبعض الحالات تتضمن تجارب سمعية أو بصرية يصفها المصاب بأنها أصوات أو حضور لكيانات، وقد تظهر أعراض جسدية وألم أو شلل مؤقت أو تشنجات تشبه النوبات العصبية.
إحدى أهم المراجعات العلمية للموضوع نشرها الطبيب النفسي ايمانويل دورينغ Emmanuel During وزملاؤه عام 2011، بعد مراجعة الأدبيات المنشورة بين 1988 و2010، جمع الباحثون 402 حالة من 28 دراسة من مناطق مختلفة من العالم، كانت مظاهر "التلبس" موجودة في نحو 69% من الحالات المدروسة، بينما غلبت الغشية دون التلبس في 31%، وسجلت أعراض شبيهة بالهلوسة أثناء النوبات لدى 56% تقريباً، وشكاوى جسدية لدى 34% بينما سجل فقد الذاكرة في نحو 20% فقط.
وهذا يعني أن فقدان الذاكرة الكامل ليس شرطاً، كما أن سماع أصوات أو رؤية أشياء لا يعني تلقائياً أن الشخص مصاب بالفصام، الصورة أكثر تعقيداً من ذلك.
التصنيف النفسي تغير مع الزمن
لم يكن مفهوم التلبس غائباً عن التصنيفات الطبية الحديثة، ففي ICD-10 كان هناك تشخيص باسم " اضطرابات الغشية والتلبس" Trance and Possession Disorders تحت الرمز F44.3، أما ICD-11 ففصل بين حالتين: اضطراب الغشية 6B62، واضطراب غشية التلبس 6B63.
وفي التصنيف الأمريكي DSM حدث تحول مهم أيضاً، فقد توسع وصف اضطراب الهوية التفارقي Dissociative Identity Disorder ليشمل بعض الحالات التي تظهر على هيئة تلبس Possession-form phenomena مع التشديد كذلك على ضرورة عدم الخلط بينها وبين الممارسات الدينية والثقافية المقبولة.
وهكذا انتقلت ظاهرة كانت لقرون حكراً تقريباً على رجال الدين والمعالجين التقليديين إلى كتب التشخيص النفسي، لكن من دون أن يدعي الطب أنه حسم السؤال الماورائي ذاته.
فالطبيب لا يستطيع من خلال التشخيص أن يثبت وجود الجن أو الأرواح، لكنه يستطيع أن يدرس الوعي والذاكرة والسلوك والأعراض والعوامل التي سبقت ظهور الحالة.
هل الصدمة النفسية وراء حالات التلبس ؟
هنا تظهر واحدة من أهم النتائج في الدراسات الحديثة، في عام 2015 نشر توماس هيكر Thomas Hecker وزملاؤه مراجعة منهجية بحثت العلاقة بين التعرض للصدمة النفسية وأعراض التلبس الروحي، شملت المراجعة 21 دراسة و917 شخصاً ظهرت لديهم أعراض تلبس في 14 دولة منخفضة ومتوسطة الدخل.
وجد الباحثون ارتباطاً متكرراً بين الخبرات الصادمة وأعراض التلبس المرضي، وظهر هذا الارتباط بصورة لافتة خصوصاً في المجتمعات التي عاشت الحرب والعنف والنزوح.
لكن الارتباط لا يعني أن كل من تعرض لصدمة سيصاب بالتلبس، ولا أن الصدمة هي التفسير الوحيد، الأدق أن نقول إن الصدمة تبدو أحد عوامل القابلية المهمة لدى جزء من الحالات.
عندما تصبح الخبرة النفسية مؤلمة إلى درجة يصعب دمجها ضمن السيرة الطبيعية للإنسان، قد يحدث التفارق.، وبدلاً من اختبار مشاعر أو ذكريات معينة باعتبارها جزءاً من الذات، يمكن أن يشعر الإنسان بأنها غريبة عنه أو قادمة من خارجه.
وفي ثقافة تتوافر فيها مسبقاً فكرة "كيان يدخل الإنسان ويتحكم فيه" يمكن لهذه اللغة الثقافية أن تمنح التجربة النفسية شكلاً مفهوماً بالنسبة إلى صاحبها ومجتمعه.
دراسات أوغندا وموزمبيق
تقدم الدراسات الإفريقية أحد أوضح الأمثلة على هذه العلاقة، في دراسة من أوغندا قورنت مجموعة من المرضى الذين اعتُبروا مصابين بالتلبس الروحي بأشخاص من المجتمع نفسه، أظهر المرضى مستويات أعلى من الأعراض التفارقية، بشقيها النفسي والجسدي، كما أبلغوا عن عدد أكبر من الخبرات التي يحتمل أن تكون صادمة.
وفي دراسات أخرى من مناطق خرجت من الحروب ظهرت صلات بين خبرات الأرواح والتعرض للعنف والصدمة والضغوط الاجتماعية.
لكن الأرقام هنا تحتاج إلى قراءة حذرة، فعلى سبيل المثال، وجدت دراسة سكانية في موزمبيق أن نسبة ملحوظة من المشاركين أفادوا بمعاناة مرتبطة بأرواح، وفي شمال أوغندا ظهرت أشكال شديدة من "التلبس" لدى جزء من الشباب الذين عاشوا الحرب، هذه ليست بالضرورة نسب انتشار اضطراب غشية التلبس وفق ICD-11 بل هي قياسات لتجارب تلبس أو أرواح وفق التعريفات المحلية المستخدمة في تلك الدراسات.
والتمييز ضروري لأن الاعتقاد بوجود روح أو جن لا يساوي مرضاً نفسياً.
لغة للمعاناة بدلاً من مجرد عرض مرضي
يستخدم بعض الباحثين تعبير لغات ثقافية للمعاناة Idioms of Distress فقد يكون الإنسان عاجزاً في بيئته عن القول:
" أنا تعرضت للإساءة " أو " أنا غاضب من عائلتي" أو " لا أستطيع تحمل الضغط المفروض علي".
لكن الثقافة تتيح له صيغة أخرى لاختبار تلك المعاناة والتعبير عنها: "هناك روح تتحدث بداخلي".
لا يعني هذا أن الشخص يتظاهر، فقد تكون التغيرات في الوعي والحركة والإدراك حقيقية وغير إرادية تماماً، لكن التفسير الذي يعطيه الدماغ والمجتمع لهذه التجربة يتأثر بما تعلمه الإنسان مسبقاً عن الأرواح والتلبس والسحر والجن.
وهذا أحد الأسباب التي تجعل مظاهر التلبس مختلفة بين الثقافات.
فالكيان الذي "يظهر" داخل الإنسان قد يحمل اسم جني في مجتمع، وروح سلف في مجتمع آخر، وإلهاً أو روحاً محلية في ثقافة ثالثة. المحتوى يتغير، بينما قد تبقى وراءه آليات نفسية متقاربة.
التلبس في السياق الإسلامي
تكتسب المسألة حساسية أكبر في المجتمعات الإسلامية لأن مفهوم الجن جزء أصيل من التصور الديني، ولذلك لا يستطيع الطبيب أن يعامل الاعتقاد بالجن في حد ذاته باعتباره وهماً مرضياً.
وفي دراسة تناولت المسلمين في بريطانيا، وجد الباحثون انتشاراً واسعاً للاعتقاد بأن الجن والسحر والعين قد تكون مرتبطة بالمشكلات الجسدية والنفسية، وكان عدد معتبر من المشاركين يرى أن المساعدة ينبغي أن تأتي من الأطباء ومن الشخصيات الدينية معاً.
ويرى الباحثان سايمون دين Simon Dein وعبد الصمد إلاي Abdool Samad Illaiee أن فهم الطبيب لهذه النماذج التفسيرية، وإمكانية التعاون مع رجال الدين عند الحاجة، قد يكون أفضل من الدخول في مواجهة مباشرة مع معتقدات المريض.
وهذا مهم جداً في حالة "المس" ، فالقول للمريض منذ الجلسة الأولى: " لا يوجد شيء مما تعتقده " قد يؤدي ببساطة إلى انقطاعه عن العلاج، وفي المقابل فإن قبول تفسير "المس" دون فحص طبي ونفسي قد يؤدي إلى إغفال مرض قابل للعلاج.
المقاربة الأكثر أماناً هي السؤال: ما الذي يحدث لهذا الإنسان، وما الذي يمكن علاجه، بغض النظر عن تفسيره النهائي لطبيعة التجربة ؟
الزار والغشية الطقسية
توضح طقوس مثل الزار في مصر والسودان وأجزاء من شرق إفريقيا، وطقوس الستنبالي Stambali في تونس مدى صعوبة الفصل بين الدين الشعبي والثقافة وعلم النفس.
في هذه الممارسات قد تدخل المرأة أو الرجل حالة غشية، وتتغير الحركة والصوت والإحساس بالذات، ويُفسر الأمر ضمن ثقافة الجماعة باعتباره حضوراً روحياً.
لكن حدوث هذه الظواهر في إطار طقس ثقافي معروف لا يجعل المشاركين مرضى نفسيين تلقائياً ، ولهذا شدد ICD-11 على أن الممارسة المقبولة والمتعمدة ثقافياً ليست اضطراب غشية تلبس في حد ذاتها، المشكلة تبدأ عندما تصبح الحالة لاإرادية، متكررة، مؤذية، خارجة عن السياق المقبول، وتسبب اضطراباً في حياة الإنسان.
لماذا يبدو "الشخص الآخر" حقيقياً إلى هذه الدرجة ؟
هذه من أصعب المسائل التي تواجه المحيطين بالمصاب ، كيف يمكن لشخص أن يتكلم بصوت مختلف، ويتخذ ملامح مختلفة، وينسب أفكاره إلى شخصية أخرى، من دون أن يكون ممثلاً ؟
الإجابة تكمن جزئياً في طبيعة التفارق نفسه ، ليس كل ما يفعله الدماغ يصل إلى وعينا باعتباره فعلاً إرادياً، وفي بعض الاضطرابات يمكن أن تحدث حركات أو كلمات أو مشاعر أو ذكريات يشعر الإنسان بأنها لا تنتمي إليه.
إن عبارة "لم أكن أنا من يفعل ذلك" قد تكون وصفاً صادقاً تماماً لما يشعر به والتشخيص النفسي لا يعني أن المصاب كاذب.
بل إن معيار ICD-11 نفسه يشترط أن تكون حالات التلبس المرضية غير متعمدة وغير مرغوبة ، وهنا ربما يكمن سبب قوة التجربة: بالنسبة إلى صاحبها لا تبدو كمسرحية يقوم بها، بل كشيء يحدث له.
هل كل ممسوس يعاني اضطراب غشية التلبس ؟
قطعاً لا ، كلمة "مس" في الاستخدام الشعبي تجمع تحتها حالات شديدة الاختلاف، بينما التشخيص النفسي يحاول تفكيكها.
ولهذا فإن مشاهدة فيديو لشخص يصرخ بصوت غريب لا تكفي لتشخيصه لا بالمس ولا بالذهان ولا باضطراب غشية التلبس ، يحتاج التشخيص إلى تاريخ مرضي وفحص نفسي، وأحياناً إلى فحص عصبي وتحاليل أو تخطيط دماغ أو غير ذلك بحسب الحالة.
وتشير إرشادات الاضطرابات التفارقية إلى أهمية استبعاد إصابات الرأس وأمراض الدماغ واضطرابات النوم وتأثير المواد والأدوية وغيرها من الأسباب الجسدية قبل تثبيت التشخيص.
عندما يكون "المس" مرضاً عصبياً
هناك سبب قوي لعدم القفز مباشرة إلى التفسير الروحي أو النفسي: بعض الحالات التي تبدو كتلبس يمكن أن تكون ذات أصل عصبي ، النوبات البؤرية بما فيها بعض نوبات الفص الصدغي قادرة على تغيير الوعي والإدراك والعاطفة والسلوك، وقد تسبب حركات تلقائية أو تكرار أصوات أو كلمات، ثم يعاني الشخص تشوشاً أو نقصاً في الذاكرة بعد انتهاء النوبة.
وتعرض الأدبيات بالفعل حالات وصفت في البداية بلغة التلبس ثم ظهرت فيها شواهد عصبية ، وهذا لا يعني أن الصرع يفسر جميع حالات "المس" بل العكس تماماً: إنه يوضح خطورة افتراض تفسير واحد قبل الفحص.
ماذا عن الذهان ؟
هناك تشابه ظاهري بين بعض حالات غشية التلبس والذهان ، فالشخص المصاب بالذهان قد يسمع أصواتاً ويعتقد أن جهة ما تتحكم في أفكاره أو أفعاله، أو يتحدث عن قوى خارجية.
لكن اضطراب غشية التلبس يتميز عادة بنمط نوبات تحدث فيها تغيرات في الهوية والوعي، بينما يمكن لأعراض الذهان أن تمتد خارج هذه النوبات وأن تشمل اضطراباً أوسع في اختبار الواقع والتفكير.
ومع ذلك لا يمكن الاعتماد على قاعدة بسيطة للفصل بينهما؛ فالحالتان قد تتداخلان، وقد توجد اضطرابات أخرى في الوقت نفسه ، ولهذا السبب ينص ICD-11 على ألا يستخدم تشخيص غشية التلبس عندما تكون الأعراض أفضل تفسيراً باضطراب نفسي آخر.
هل يمكن لـ "المس" أن ينتقل بين الأشخاص ؟
هذه المسألة تصبح مثيرة خصوصاً عندما تبدأ الأعراض لدى مجموعة من الأشخاص في منزل واحد أو مدرسة أو قرية ، في عام 2026 نشر أطباء تقريراً عن أربعة أطفال من أسرة واحدة ظهرت لديهم أعراض مشتركة فُسرت كتلبس، لاحظ الباحثون أن الأعراض انخفضت بعد فصل الأطفال بعضهم عن بعض، واقترحوا أن التعلم الاجتماعي والتوقعات وتعزيز تفسير الظاهرة داخل الأسرة قد يكون لها دور في انتشارها، ولا يعني ذلك وجود "عدوى نفسية" بالمعنى الجرثومي.
لكن الإنسان يتعلم بصورة لا واعية من الآخرين كيف يعبر عن الخوف والألم والاضطراب، وخاصة في المجموعات المغلقة التي تمتلك تفسيراً مشتركاً لما يجري ، وهو مبدأ معروف أيضاً في بعض أشكال المرض النفسي الجماعي.
لذلك قد تكون الحالات التي يقال فيها إن "الجني انتقل من شخص إلى آخر" بحاجة أحياناً إلى دراسة ديناميات المجموعة، والخوف والتوقع والإيحاء، وليس الشخص الأول وحده.
هل جلسات طرد الأرواح تؤكد وجود التلبس ؟
وجود استجابة لطقس ديني لا يكفي، من الناحية العلمية، لإثبات سبب ماورائي، فالطقوس قد تحتوي على عناصر نفسية قوية: توقع شديد، سلطة المعالج، تركيز الانتباه، الإيحاء، التنفس، الانفعال، الدعم الاجتماعي، وإعادة تفسير التجربة، ويمكن لكل هذه العوامل أن تؤثر في الأعراض.
وفي دراسة ميدانية في أوغندا وصف عدد كبير من المرضى الذين لجؤوا إلى معالجين تقليديين تحسناً بعد العلاج ضمن النموذج الروحي المحلي، لكن الدراسة كانت قائمة على مجموعة منتقاة وعلى تقييم المرضى أنفسهم، ولذلك لا تستطيع إثبات أن السبب كان روحاً أو أن الطقس نفسه علاج طبي مثبت الفعالية.
والعكس صحيح أيضاً: عدم نجاح الرقية الشرعية أو الطقس لا يثبت أن الحالة نفسية ، كل ما يمكن قياسه علمياً هو الأعراض وما يغير شدتها وتكرارها.
عندما يعزز التشخيص نفسه الاعتقاد بالتلبس
في دراسة حالة نُشرت عام 2022 تابع الباحثون امرأة كانت تعاني حالات تلبس وخضعت سابقاً لـ طقوس طرد أرواح، أشار الباحثون إلى مفارقة مهمة: حتى وصف الحالة طبياً بأنها إضطراب استحواذ الغشية Possession Trance Disorder يمكن أحياناً أن يفهمه المريض خطأ باعتباره اعترافاً طبياً بوجود الكيان الذي يعتقد أنه يسكنه، مما قد يعزز التفسير الخارق ويؤخر العلاج النفسي.
لذلك يجب شرح الاسم جيداً ، كلمة "استحواذ" Possession في اسم الاضطراب تصف شكل التجربة كما يعيشها الشخص، ولا تعني أن الطب أثبت وجود روح مستحوذة، إنها شبيهة بتسمية "الإحساس بوجود شخص"؛ الاسم يصف التجربة ولا يثبت أن شخصاً كان موجوداً بالفعل.
العلاج: ماذا تقول الأدلة ؟
الأدلة العلاجية الخاصة باضطراب غشية التلبس ما زالت أضعف بكثير مما قد يوحي به انتشار الظاهرة ثقافياً.
في المراجعة المنشورة عام 2011 كانت المعلومات العلاجية المتاحة محدودة، ولم تكن هناك تجارب علاجية مضبوطة تسمح بالقول إن تقنية واحدة هي "العلاج المثبت" للاضطراب، وكانت المعالجة النفسية هي الأسلوب الأكثر ذكراً، لكن تفاصيلها ونتائجها لم تكن موحدة.
عملياً يبدأ العلاج من السبب والسياق وليس من محاولة "مواجهة الشخصية المستحوذة".
يتم أولاً استبعاد الأمراض العصبية والعضوية وتأثير المواد والأدوية، ثم تقييم الاكتئاب والقلق والذهان والصدمات النفسية وغيرها من الاضطرابات المصاحبة.
ويشكل العلاج النفسي أساس علاج الاضطرابات التفارقية عموماً، بينما لا يوجد دواء مخصص للتفارُق نفسه، ويمكن استخدام أدوية لعلاج اضطرابات مصاحبة كالاكتئاب أو القلق أو الذهان عندما تكون موجودة فعلاً.
وقد يركز العلاج على التعرف إلى المحفزات، وتنظيم الانفعال، وتقنيات تثبيت الانتباه في الحاضر Grounding وفهم العلاقة بين الضغوط والنوبات، ومعالجة الصدمات النفسية بطريقة متدرجة وآمنة عندما تكون موجودة.
والهدف ليس أن يقول المعالج للمريض: " ما تعتقده غير موجود" بل أن يساعده على استعادة السيطرة على جسده ووعيه وحياته.
الجمع بين العلاج النفسي والمساندة الدينية
في المجتمعات التي يحتل فيها الاعتقاد بالجن أو الأرواح مكانة قوية قد يكون التعاون ممكناً، بشرط ألا تكون الممارسة الدينية مؤذية وألا تحل محل التقييم الطبي عند الحاجة.
وقد دعا باحثون في الصحة النفسية للمسلمين إلى بناء جسور بين العاملين في الطب النفسي والقيادات الدينية بدلاً من إجبار المريض على الاختيار بين عالمين متخاصمين.
فالإنسان يستطيع أن يحتفظ بتفسيره الديني لتجربته وفي الوقت نفسه يحصل على علاج للصدمة أو القلق أو الاكتئاب أو النوبات التفارقية.
أما الضرب والخنق والتقييد والتجويع والإجبار أو إيقاف الأدوية بحجة "إخراج الكيان" فهي ممارسات خطرة لا يمكن تبريرها علاجياً.
ما زالت الجذور النفسية للمس أقل حضوراً
ربما لأن التلبس يقع عند نقطة عمياء بين تخصصات عدة، رجل الدين يراه من خلال عقيدته، وعالم الأنثروبولوجيا يدرسه بوصفه ظاهرة ثقافية، والطبيب النفسي يبحث عن التفارق والصدمة، وطبيب الأعصاب يبحث عن النوبات والاضطرابات العصبية.
وفوق ذلك فإن معظم الأدبيات النفسية الحديثة نشأت في مجتمعات غربية تقل فيها أنماط التلبس التقليدية مقارنة بمجتمعات أخرى، ولهذا اقترحت مراجعة دورينغ During وزملائه أن اضطرابات الغشية والتلبس قد تكون أقل تشخيصاً في الغرب نتيجة اختلاف السياقات الثقافية، وأكدت أهمية التقييم العابر للثقافات.
كذلك لا توجد "حالة تلبس عالمية" واحدة، فالظاهرة نفسها تضم مجموعة غير متجانسة من الحالات، وهو ما يجعل الدراسات صعبة والمقارنات بين الثقافات أكثر تعقيداً، وقد ناقش باحثون هذه المشكلة تحديداً عند محاولة تطبيق مفاهيم الطب النفسي الغربي على مجتمعات تمتلك تصورات مختلفة للذات والروح والهوية.
بين الجنون والتمثيل والتلبس: مساحة ثالثة
لعل أهم ما يقدمه مفهوم اضطراب غشية التلبس أنه يفتح مساحة ثالثة غالباً ما تضيع في النقاش الشعبي، ليس علينا أن نختار حصراً بين: "إنه ممسوس". أو: "إنه يمثل".
فهناك احتمال آخر: إنسان يمر بتجربة نفسية غير إرادية وحقيقية بالنسبة إليه، يستطيع فيها العقل إنتاج انفصال بالغ القوة بين الإحساس بالذات وبين الكلام والحركة والذاكرة ، وقد تمنح الثقافة لهذا الانفصال وجهاً واسماً وصوتاً.
وهنا تصبح دراسة "المس" أكثر إثارة، لا أقل ، لأن السؤال ينتقل من: "هل كان الشخص يكذب ؟"
إلى سؤال أصعب بكثير:
كيف يستطيع العقل أن يجعل جزءاً من صاحبه يبدو له كأنه شخص آخر ؟
هل أثبت العلم أن "المس" مجرد مرض نفسي ؟
لا، وهذه نتيجة تتجاوز ما تسمح به الأدلة، يستطيع العلم دراسة حالات مشخصة يظهر فيها التلبس كظاهرة نفسية، والعلاقة بينها وبين الصدمة والتفارُق والثقافة والأمراض العصبية، لكنه لا يمتلك تجربة مخبرية تحسم الادعاءات الميتافيزيقية المتعلقة بوجود الجن أو الأرواح من عدمه.
وفي المقابل لا يجوز أن يتحول غياب القدرة على حسم المسألة الميتافيزيقية إلى مبرر لتجاهل الأسباب الطبية والنفسية المثبتة التي يمكن أن تنتج المشهد نفسه.
فالإنسان الذي يصرخ بصوت آخر ويقول إن كياناً يتحكم بجسده قد يحتاج إلى طبيب أعصاب، أو طبيب نفسي، أو علاج للصدمة، أو علاج لاضطراب آخر، قبل أن يصبح موضوعاً لنقاش عن عالم الأرواح.
وتلك ربما هي أهم رسالة يقدمها اضطراب غشية التلبس لدراسة ظواهر "المس":
المظهر الماورائي لا يكشف بالضرورة عن سبب ماورائي.
وحتى عندما يبقى تفسير التجربة موضع اعتقاد شخصي أو ديني، فإن جذورها النفسية والعصبية الممكنة تستحق التحقيق الكامل، لأن تجاهلها قد يعني ترك إنسان يعاني من اضطراب قابل للفهم والعلاج.