في أحد شوارع القاهرة القديمة، كان يُعتقد أن سوقاً غريبة تظهر عند منتصف الليل خلال الأيام العشرة الأولى من شهر محرّم، يبدو الباعة فيها أشخاصاً عاديين، يعرضون التمر والفاكهة والخبز والكعك، لكنهم في الحقيقة من الجن المتنكرين في هيئة البشر، ومن يحالفه الحظ ويمر بالسوق ويشتري شيئاً من بضائعها، يكتشف بعد مغادرته أن مشترياته تحولت إلى ذهب خالص !
لم تكن هذه الحكاية مجرد أسطورة متداولة حديثاً، فقد سجلها المستشرق البريطاني إدوارد ويليام لين Edward William Lane في كتابه الشهير "عادات المصريين المحدثين وتقاليدهم" الصادر عام 1836 والأغرب أنه حدد موقع السوق أمام أثر فرعوني عُرف باسم "الحوض المرصود"، وربط اختفاءها بنقل هذا الأثر من مصر إلى بريطانيا، حيث لا يزال محفوظاً حتى اليوم.
سوق لا يراه إلا المحظوظون
أقام إدوارد ويليام لين في مصر خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر، ودرس عادات أهلها ومعتقداتهم وحياتهم اليومية، وفي الفصل المخصص للاحتفالات الدورية، يروي أن بعض سكان القاهرة كانوا يعتقدون بوجود سوق للجن تظهر في شارع الصليبة، جنوبي المدينة، بالقرب من موضع يُعرف بقلعة الكبش.
لم يكن الجن، بحسب الحكاية، يظهرون بهيئات مخيفة، بل يتخذون أشكال الباعة العاديين، وينصبون سوقهم أمام تابوت حجري قديم يدعوه الناس "الحوض المرصود"، وكان العابر الذي يشتري منهم طعاماً أو فاكهة يجد ما اشتراه قد تحول إلى ذهب بعد مغادرته المكان.
لكن لين أورد تفصيلاً لافتاً: لم يكن الاعتقاد بهذه السوق واسع الانتشار، بل أخبره بعض معارفه أن قلة من الناس كانت تعرف قصتها. كما أشار إلى أنها توقفت عن الظهور، وفق الرواية الشعبية، منذ نقل الحوض المرصود من موضعه.
وتندرج هذه الحكاية ضمن معتقدات أخرى ارتبطت بالأيام العشرة الأولى من محرّم، كان لين قد وثقها في الفصل نفسه، من بينها ظهور جني بهيئة سقّاء يطرق الأبواب ليلاً، فإذا سأله صاحب البيت عن مكان تفريغ قربته وأرشده إلى جرة الماء، وجدها بعد ذلك مملوءة بالذهب.
وفي رواية أخرى، يظهر الجني على هيئة بغلة تحمل خرجين مليئين بالذهب، وعلى ظهرها رأس إنسان ميت، وتُسمع الأجراس المعلقة حول عنقها عند اقترابها من المنزل، وكان على صاحب البيت أن يأخذ الذهب، ويملأ الخرجين بالقش أو النخالة، ثم يتركها تنصرف.
وربط الخيال الشعبي هذه الزيارات بما يشبه الصدقات التي يمنحها الجن للبشر خلال أيام محرم المباركة، وهكذا لم تكن السوق وحدها مصدر الثراء الغامض، بل كانت جزءاً من معتقد أوسع عن كائنات خفية قد تمنح المال لأشخاص تختارهم.
الحوض المرصود: تابوت فرعوني تحيط به الأساطير
لم يكن الحوض المرصود من نسج الخيال، بل أثراً مصرياً حقيقياً يعود إلى نحو عام 600 قبل الميلاد، خلال الأسرة السادسة والعشرين. وقد صُنع من الجرانيت الداكن ليكون تابوتاً جنائزياً لمسؤول مصري يُدعى حابمن Hapmen ومزين بنقوش هيروغليفية ونصوص جنائزية مستمدة من كتاب الموتى.
وبعد قرون طويلة، أعيد استخدام التابوت حوضاً للمياه في القاهرة، بالقرب من مسجد أحمد بن طولون وقلعة الكبش، ومع مرور الزمن، أصبح موضوعاً لحكايات تنسب إليه قوى غامضة، أشهرها قدرته المزعومة على شفاء المصابين بعذاب الحب.
كان هذا المعتقد معروفاً قبل زيارة لين لمصر بقرون، ففي أوائل القرن السابع عشر زار الرحالة الإيطالي بيترو ديلا فالي Pietro della Valle القاهرة، ووصف حوضاً من الحجر الداكن تعلوه نقوش غريبة وصورة للإله المصري أنوبيس، عُرف باسم "ينبوع العشاق".
وقد أخبره السكان أن شرب الماء منه يخفف آلام العشق والهيام، والطريف أن ديلا فالي، الذي كان قد مر بتجربة عاطفية مؤلمة، رفض أن يشرب منه مفضلاً الاحتفاظ بمشاعره على التخلص منها، فضلاً عن ملاحظته أن الماء كان عكراً وتشرب منه الحيوانات أيضاً.
ولم تكن أسطورة الشفاء الوحيدة المرتبطة بالحوض، ففي رواية أوردها المؤرخ المملوكي ابن إياس عن القرن العاشر الميلادي، يظهر حوض من الحجر الداكن يحمل نقوشاً تشبه أشكال الطيور، ويُقال إنه كان يتحرك فوق مياه النيل بطريقة خارقة، فيعبر الناس بواسطته من ضفة إلى أخرى، وعندما أمر الحاكم كافور الإخشيدي بإخراجه من الماء لفحصه، فقد قدرته المزعومة على الحركة.
ويربط باحثون ومؤرخو المتحف البريطاني هذه الرواية بالحوض المرصود، لكن ذلك لا يعني إمكان الجزم بأن كل الحكايات التي تناولت أحواضاً غامضة كانت تشير إلى القطعة نفسها.
وقد تراكمت حول الحوض أيضاً روايات عن كنوز مخفية تحته، وجن يحرسونها، وقوة غامضة تمنع نقله من مكانه، وكانت تلك المعتقدات كافية لتجعل حجراً جنائزياً قديماً يتحول في الذاكرة الشعبية إلى موضع للعلاج والسحر والثراء الخارق.
كيف اختفى الحوض واختفت معه سوق الجن ؟
خلال الحملة الفرنسية على مصر، بين عامي 1798 و1801، استولى الفرنسيون على عدد من الآثار المصرية، وكان الحوض المرصود من بينها، لكن بعد هزيمة القوات الفرنسية انتقلت مجموعة من الآثار التي جمعتها الحملة إلى البريطانيين، ومنها حجر رشيد والتابوت المعروف بالحوض المرصود.
استقر التابوت في المتحف البريطاني بلندن، حيث يحمل اليوم رقم التسجيل EA23 وتبلغ أبعاده نحو 274 سنتيمتراً طولاً و140 سنتيمتراً عرضاً.
وهنا تكتسب حكاية لين معناها الأكثر غرابة: فبحسب ما سمعه من أهل القاهرة، لم تعد سوق الجن تظهر منذ نقل الحوض إلى بريطانيا، وكأن وجودها كان مشروطاً ببقاء ذلك الأثر في موضعه.
وربما يفسر هذا الربط جانباً من كيفية تشكل الأساطير حول الأماكن، فعندما يختفي معلم اعتاد الناس أن يربطوه بقوى غامضة، قد تتحول إزالته إلى تفسير لاختفاء تلك القوى أيضاً. ويصبح الأثر المادي، مع مرور الأجيال، مركزاً لذاكرة جماعية يصعب الفصل فيها بين التاريخ والمعتقد.
واللافت أن اسم "الحوض المرصود" بقي حياً في القاهرة، وانتقل لاحقاً إلى مستشفى اشتهر بعلاج الأمراض الجلدية والتناسلية في منطقة السيدة زينب، بينما ظل التابوت الأصلي بعيداً عن المدينة التي نسجت حوله الحكايات.
تسخير الجن في المعتقد الشعبي
لم تقتصر علاقة الجن بالبشر، في الفلكلور المصري، على المصادفات الغريبة أو منح الثروة، فقد انتشرت أيضاً معتقدات عن أشخاص يستطيعون مصاحبة الجن واستدعاءهم وتسخيرهم لقضاء الحاجات، وهي تصورات تقترب مما يسميه البعض اليوم "تربية الجن".
ويعرض إدوارد لين في الفصل الخاص بالسحر والتنجيم والخيمياء روايات عن الشيخ إسماعيل أبو رؤوس من دسوق، الذي اشتهر بين معاصريه بقدرات سحرية مزعومة، وكان بعض الناس يفسرون تلك القدرات بأنه تزوج من جنية، بينما اعتقد آخرون أن لديه جناً يخدمونه، ويستطيع التواصل معهم وإصدار الأوامر إليهم بمجرد التفكير، دون الحاجة إلى طلاسم أو تعاويذ ظاهرة.
ولم يكن الزواج المزعوم من الجن أو الاستعانة بهم مجرد عنصر من عناصر الحكايات الخيالية، بل ظهر أيضاً في شهادات إثنوغرافية عن ممارسات السحر الشعبي.
ففي كتابها "فلاحو صعيد مصر" The Fellahin of Upper Egypt الصادر سنة 1927، سجلت الباحثة البريطانية وينيفريد سوزان بلاكمان Winifred S. Blackman مشاهدات ميدانية عن نساء ورجال يمتلكون القدرة على التواصل مع كائنات خفية بحسب الزعم.
ومن أبرز الحالات امرأة أرملة تعيش مع اثنين من أبنائها، خصصت غرفة في منزلها غير مسموح لأحد بدخولها، وكانت تضع فيها الطعام وقُلّة (جرة) مملوءة بالماء بصورة دائمة، اعتقاداً منها بأنها تقيم علاقة مع خمسة كائنات خفية تعيش تحت الأرض.
وسجلت بلاكمان أسماء بعض هذه الكائنات كما وردت على ألسنة أصحاب المعتقد، ومنها "زيدمال" و"معوّض" و"الأخرس" و"الحاجة"، وكانت المرأة تزعم الاستعانة بهم للوصول إلى عفاريت وكائنات أخرى، والحصول على المشورة أو تفسير الاضطرابات التي تصيب بعض الأشخاص.
وكانت لهذه العلاقة المزعومة شروطها أيضاً؛ أحد الكائنات الخفية المسمى "الأخرس" يغضب إذا ارتدت المرأة ثياباً غير نظيفة، ويتسبب في إصابتها بنوبات من الارتجاف والعجز عن الحركة، ولم يكن مسموحاً لها، وفق هذا الاعتقاد، بارتداء ألوان غير الأسود والأخضر والأحمر.
وشهدت بلاكمان بنفسها إحدى الجلسات التي ادعت فيها المرأة التحدث إلى أحد مرافقيها الخفيين، وكانت الجلسة مرتبطة بسيدة تعاني من تلبس روح غامضة، قيل إنها تطالب بأقراط ذهبية وثوب جديد حتى تكف عن إزعاجها.
وتوضح هذه الشهادات طبيعة الفكرة الشعبية عن تسخير الجن؛ فهي ليست مجرد استدعاء كائن خفي عند الحاجة، بل علاقة تتضمن التزامات متبادلة من الطعام والنظافة والهدايا إلى الطاعة أو العقاب.
غير أن المصادر التاريخية تستخدم في الغالب تعبيرات مثل "تسخير الجن" و"استخدامهم" و"مصاحبة الأرواح" أو "مخاويتهم" ، ويبقى ما وثقته بلاكمان هو سلوك البشر ومعتقداتهم والطقوس التي شهدتها وليس وجود الكائنات غير المرئية نفسها.
بين المعتقد الشعبي والتفسير التاريخي
تكشف حكاية سوق الجن والحوض المرصود عن تداخل ثلاث طبقات من التراث المصري : الآثار الفرعونية التي بقيت حاضرة في المشهد العمراني، والمعتقدات الشعبية المرتبطة بالجن والسحر، وحكايات الثراء والشفاء التي دارت حول أماكن وأشياء اكتسبت سمعة استثنائية.
لكن الربط بين هذه الطبقات يحتاج إلى الحذر، فوجود نقوش جنائزية على تابوت قديم لا يعني أنها مستحدمة بالفعل لاستحضار الجن، كما أن ارتباط السوق بالحوض في رواية لين لا يثبت أن طقساً سحرياً كان يمارس عنده، والأرجح أننا أمام تراكم طويل للروايات أعاد فيه الناس تفسير أثر قديم وفق تصوراتهم عن القوى الخفية.
ومن اللافت أيضاً أن المصادر لا تصف المصريين جميعاً بوصفهم مؤمنين بهذه الحكايات، فقد ميز لين بين المعتقدات التي سمعها وبين المواقف المتشككة منها، وأشار إلى أن بعض تلك الروايات كان معروفاً لدى فئة محدودة من السكان.
وتكشف الممارسات التي سجلتها بلاكمان بعد ذلك بنحو قرن جانباً آخر من الظاهرة؛ فالإيمان بقدرة بعض الأشخاص على مصاحبة الجن أو تسخيرهم قد يمنح هؤلاء مكانة اجتماعية، ويجعل الناس يلجؤون إليهم طلباً للعلاج أو الحماية أو حل المشكلات، وفي المقابل، قد يفتح المجال للاستغلال، خاصة عندما ترتبط الخدمات المزعومة بمطالب مالية أو بطقوس مكلفة.
ولا تتيح الشهادات المتاحة إثبات وجود سوق خفية أو معاملات مع الجن، لكنها تكشف بوضوح كيف تعامل الناس مع العالم غير المرئي بوصفه امتداداً محتملاً لحياتهم اليومية؛ عالماً يمكن أن يمنح الثروة، أو يعالج المرض، أو يفرض الشروط، أو يعاقب من يخالفها.
أسطورة بقيت بعدما رحل الحجر
بعد أكثر من قرنين على نقل الحوض المرصود من القاهرة، لا يزال التابوت قائماً في المتحف البريطاني، شاهداً مادياً على تاريخ طويل من التحولات، فقد صُنع أولاً ليحتضن جسد مسؤول مصري في العالم الآخر، ثم أصبح حوضاً للمياه في مدينة إسلامية، وتحول في المعتقد الشعبي إلى ينبوع للشفاء ومركز لحكايات الجن والكنوز، قبل أن ينتهي به المطاف قطعة أثرية في لندن.
أما سوق الجن التي قيل إنها كانت تنعقد أمامه، فلم يبق منها سوى سطور قليلة سجلها إدوارد ويليام لين، وحكاية عن بشر يشترون الخبز والتمر ليجدوهما ذهباً.
ولعل أغرب ما في هذه الأسطورة ليس السوق نفسها، بل الاعتقاد بأن اختفاء قطعة حجرية من شارع قديم كان كافياً لينهي صلة البشر بعالم خفي طالما اعتقدوا أنه يجاورهم.
وهكذا رحل الحوض عن القاهرة، واختفت السوق من الحكاية، لكن الأسطورة بقيت لتروي كيف استطاع تابوت فرعوني أن يجمع حوله، عبر القرون، أحلام الثراء وآلام العشق وأسرار الجن.


