قد تمرّ قلادة غريبة أمام الكاميرا فلا ننتبه إليها، أو يتمتم شخص بكلمات مبهمة فنحسبها اختراعاً لزيادة الرعب. لكن بعض هذه التفاصيل عاش خارج الشاشة قبل أن يدخلها: ختم في كتاب سحري، أو طقس تتوارثه جماعة، أو معتقد قديم أعاد المخرج إيقاظه. أحياناً يستعين صُنّاع الفيلم بممارسين لتصحيح الحركات، وأحياناً يغيّرون الأسماء ويتعمّدون حذف أجزاء مما وجدوه.
من الحسيني الفلكي في السينما المصرية إلى الشامانات في كوريا، تكشف تسعة أفلام عن علاقة مثيرة بين الخيال السينمائي والتراث الباطني. والمقصود بأصولها «الفعلية» أنها موجودة في كتب وممارسات ومعتقدات، لا أن تأثيرها الخارق ثابت. فالتاريخ يستطيع أن يخبرنا بما آمن به الناس، دون أن يثبت بالضرورة أن ما آمنوا به حدث.
فيلم عاد لينتقم
في فيلم "عاد لينتقم" من انتاج عام 1988 ومن بطولة عزت العلايلي وإخراج ياسين إسماعيل ياسين، ظهر سيد الحسيني، المعروف بالحسيني الفلكي، في دور الروحاني، وتحوّل ظهوره إلى مركز لحكاية متداولة تقول إنه قرأ "العزيمة البرهتية"، أو جزءاً منها، أمام الكاميرا.
مشاركته مثبتة في بيانات الفيلم، أما مقدار مطابقة ما نطق به للنص المتداول فيحتاج إلى مقارنة مباشرة، ولا تكفي لتأكيده عناوين المقاطع المنتشرة.
تضخّمت الحكاية لاحقاً إلى مزاعم عن خداع المخرج واستحضار الجن وإصابة المشاهدين بأحداث غريبة، لكن هذه الإضافات لا يصح التعامل معها كوقائع موثقة، وهنا تتضاعف جاذبية المثال: لدينا مشهد سينمائي، ولدينا أيضاً فلكلور نشأ حول المشهد نفسه.
وقد تجدد الاهتمام بالحسيني مع أخبار عن تجسيد أحمد مكي لشخصيته في مسلسل "الفلكي" من كتابة أحمد مراد والمخطط عرضه في رمضان 2027، بحسب تقرير نشرته صحيفة الخليج في أغسطس 2026.
فيلم الفيل الأزرق
في حالة فيلم الفيل الأزرق نجد شهادة من كاتب العمل نفسه، فقد أوضح أحمد مراد، خلال ظهوره في برنامج "سهرانين" عام 2019، أن بعض الأرقام والتعاويذ المكتوبة والمنطوقة في جزأي الفيلم استخرجها من كتب تتناول ما يُعرف بـ"علم الحرف"، وأضاف أن بعض الأغاني استلهمها من أغاني أفراح قديمة في الصعيد.
ولا تقتصر الصلة بالتراث الباطني في "الفيل الأزرق" على الكلمات الغامضة؛ فالقميص المغطّى بالكتابات والرموز الذي يرتديه كريم عبد العزيز يستحضر تقليداً تاريخياً يُعرف بـ "القمصان الطلسمية" Talismanic Shirt وهي أثواب صُممت لتكون أشبه بتمائم تُلبس على الجسد وقد ربط مدير متحف الفن الإسلامي بالقاهرة، في حديث إلى "الشروق" القميص الذي استلهمه العمل بقطعة صفوية محفوظة في المتحف، تحمل رموزاً ومربعات سحرية ارتبطت باعتقاد الحماية من الأمراض والجن.
تجمع نماذج تاريخية من هذه الملابس بين الآيات والأدعية والأسماء المقدّسة والتقسيمات الهندسية، وقد ارتُدي بعضها طلباً للحماية في المعارك؛ ويحتفظ متحف المتروبوليتان بقميص يُعتقد أنه أُعدّ ليُلبس تحت الدرع، لذلك لا يصح وصف جميع كتاباتها بأنها طلاسم مبهمة، ولا افتراض أن غرضها الأصلي استدعاء الكيانات؛ فكثير منها ارتبط بالحماية ودفع الأذى وفق معتقدات أصحابه.
فيلم A Dark Song
في فيلم A Dark Song من انتاج عام 2016 تنعزل امرأة مع رجل متخصّص في السحر الطقسي داخل منزل، وتخضع لإعداد طويل وشاق سعياً إلى التواصل مع ملاك، تستند الفكرة إلى "عملية أبراملين" المرتبطة بكتاب سحري معروف، والتي يُنسب إليها في ذلك التقليد تحقيق التواصل مع "الملاك الحارس المقدّس".
لكن المخرج ليام غافن كشف تفصيلاً يغيّر طريقة مشاهدة الفيلم: لقد استلهم البناء العام للعملية، مع تعمّد عدم عرض الطقس الفعلي كاملاً أثناء تنفيذه، لذلك يجمع الفيلم بين أصل مكتوب وتعديلات درامية، ولا يمكن اعتبار كل اختبار أو ممارسة فيه جزءاً من أبراملين، وتنبع قوته من تحويل الانتظار والانضباط والعزلة إلى تجربة تستنزف الشخصيتين قبل أن تمنحهما أي جواب.
فيلم Hereditary
في فيلم Herediraty أي "وراثي" تتكرر علامة غريبة على قلادات وفي مواضع أخرى داخل الحكاية، ليست مجرد زخرفة اختارها مصمم الديكور؛ إنها مستلهمة من ختم بايمون، أحد الأسماء الواردة في "آرس غويتيا"، القسم الأول من كتاب "مفتاح سليمان الأصغر" Lesser Key of Solomon حيث ترد أوصاف للأرواح وأختام ووظائف منسوبة إليها ، إقرأ المزيد عن شياطين الغرب.
يستخدم الفيلم الرمز كدليل بصري يسبق فهم المشاهد لمعناه، فتتحول التفاصيل العائلية المألوفة تدريجياً إلى إشارات مقلقة، ومع ذلك، فإن وجود بايمون وختمه في التراث لا يجعل الجماعة السينمائية وطقوسها الدموية نقلاً حرفياً عنه، لقد أخذ الفيلم اسماً ورمزاً قديمين، وبنى حولهما كابوسه الخاص.
The Love Witch
وراء المظهر الملون لـ فيلم The Love Witch أي "ساحرة الحب" هناك بحث في ممارسات الويكا وهي ديانة وثنية حديثة، قالت المخرجة آنا بيلر إنها قرأت كتباً وحضرت طقوساً ودروساً وتحدثت مع ممارسين، وحدّدت تقليدين استندت إليهما في مشاهد الفيلم: الغاردنري والإسكندري.
كما استلهمت "زجاجات السحر" التي ارتبطت تاريخياً بالحماية ودفع الأذى، أعادت بيلر توظيف هذه المادة داخل قصة عن امرأة مهووسة بالحب، لتكشف كيف يمكن للرغبة في اجتذاب الآخر أن تتحول إلى رغبة في السيطرة عليه، هنا لا تأتي الصلة بالتراث من الرمز وحده بل من بحث معلن شرحته صاحبة الفيلم.
فيلم The Craft
استعان فيلم The Craft أي "الحرفة" من انتاج عام 1996 بـ بات ديفين، وهي ممارِسة للويكا لتقديم المشورة بشأن الطقوس، وأسهمت في بناء مشاهد الانتساب إلى الجماعة واستدعاء الجهات والعناصر بحيث تستند إلى مفاهيم يعرفها ممارسو السحر الوثني الحديث.
غير أن "مانون" الكيان الذي تتوجه إليه الفتيات، جرى تقديمه بوصفه كياناً خيالياً خاصاً بالفيلم، بذلك اجتمعت داخل المشهد الواحد بنية مستوحاة من ممارسات موجودة واسم مختلق لخدمة القصة، وهذا يفسّر لماذا لا تكفي الاستعانة بمستشار لإعلان أن كل ما نشاهده طقس أصيل؛ فالسينما تنتقي وتعيد التركيب.
فيلم Exhuma
في الفيلم الكوري Exhuma أي "نبش القبور" يقود نقل قبر إلى سلسلة من الأحداث الغامضة، ومن أبرز مشاهده أداء طقس "دايسال غوت" 대살굿 المنتمي إلى الشامانية الكورية، قالت الممثلة كيم غو أون إنها شاهدت الطقس في الواقع، وقضت وقتاً مع شامانات، وراجعت معهن حركات اليدين والجسد وطريقة أداء التراتيل.
وبحسب شرحها، ترتبط طقوس "غوت" بتهدئة الأرواح وتسوية مظالمها ضمن المعتقد المحلي، هذه شهادة واضحة على تدريب يستند إلى ممارسة قائمة، لكنها تظل شهادة عن إعداد أداء تمثيلي؛ فلا تثبت الشائعات التي تحوّل إتقان الممثلة لدورها إلى ادعاء بأنها استحضرت روحاً أثناء التصوير.
فيلم The Wailing
الفيلم الكوري The Wailing أي "النحيب" من انتاج عام 2016 يضع المشاهد أمام طقس شاماني صاخب داخل قصة عن مرض غامض وأب يخشى على طفلته، الإيقاعات والحركات والقرابين تجعل المشهد يبدو شديد الحضور، لكن القصة تتركنا نتساءل عن معناه ودور القائم به.
أكد المخرج نا هونغ جين أنه أدخل الشامانية إلى العمل انطلاقاً من جذوره الكورية، وتستند المشاهد إلى تقليد "غوت"، إلا أن هذا الأصل الثقافي لا يكفي للجزم بأن كل تفصيل إعادة إنتاج دقيقة لطقس بعينه، يستخدم الفيلم الممارسة الموروثة لبناء معضلة الثقة: حين يصبح الخوف أكبر من قدرتنا على الفهم، إلى من نلجأ، وكيف نعرف أنه يساعدنا ؟
فيلم The Witch
استند روبرت إيغيرز في فيلم The Witch أي "الساحرة" إلى معتقدات السحر القديمة، مقدّماً عالماً تتجسد فيه مخاوف أسرة تعيش قرب الغابة في نيو إنغلاند ، ومن عناصره "مرهم الطيران" وصور العهد مع الشيطان واجتماعات الساحرات.
وتحتاج هذه الحالة إلى قراءة مختلفة عن الأمثلة السابقة، فالفيلم يجسّد ما قيل عن الساحرات وما خافه الناس منهن، وليس سجلاً يثبت أن المتهمات بالسحر مارسن تلك الأفعال، وقد وصف إيغيرز عمله بأنه أشبه بكابوس آتٍ من الماضي، إن أصالة المصدر هنا تعني أصالة المعتقد التاريخي، بما يحمله من مخاوف واتهامات، لا صحة الاتهام نفسه.
وفي الختام ، تمنح معرفة هذه الأصول مشاهدة ثانية للأفلام: تصبح القلادة نصاً، والحركة إرثاً، والكلمات الغامضة أثراً من معتقد أقدم من الكاميرا ، ربما تكمن المفارقة الأشد إثارة في أن السينما أخذت تصنع فلكلوراً جديداً حول نفسها بعدما استعارت من الفلكلور؛ حكايات عن تعويذة خرجت من الشاشة، أو ممثل نطق بما لم يكن ينبغي له نطقه، وعند تلك النقطة يبدأ تحقيق آخر: كيف تتحول صناعة الخوف إلى قصة يصدقها الجمهور ؟