وراء قصص سندريلا وبياض الثلج ورابونزل، التي ارتبطت بذكريات الطفولة والأميرات والنهايات السعيدة، تاريخ آخر أكثر قتامة، تمتزج فيه الأساطير الشعبية بالعنف والموت والإيحاءات الجنسية والسحر. فمن أين جاءت هذه الحكايات ؟ وكيف جمعها الأخوان غريم وأعادا صياغتها، قبل أن تتحول تدريجياً إلى أشهر قصص الأطفال في العالم ؟

الوجه المظلم لبياض الثلج

في قصر ملكي بألمانيا الخيالية، كانت الاستعدادات تجري لحفل زفاف الأميرة بياض الثلج، التي نجت بأعجوبة من محاولات اغتيال متكررة، ودخلت أخيراً حياة جديدة مع أمير أحبها ، لكن القصة لم تنته بالزواج السعيد ، فقد وصلت إلى الحفل امرأة كانت يوماً ملكة جميلة، اعتادت الوقوف أمام مرآتها السحرية لتسألها عن أجمل نساء البلاد، وكانت هذه المرأة قد حاولت مراراً التخلص من بياض الثلج، بعدما عجزت عن احتمال أن تصبح الفتاة أجمل منها، وعندما حضرت إلى القصر، كانت هناك عقوبة تنتظرها: حذاءان من الحديد وُضعا في النار حتى احمرّا من شدة الحرارة، أُجبرت المرأة على ارتدائهما والرقص أمام الحاضرين، ولم يُسمح لها بالتوقف حتى فارقت الحياة.

هذه النهاية الوحشية ليست إضافة حديثة من كاتب أراد تحويل قصة بريئة إلى حكاية رعب، بل وردت في قصة "بياض الثلج" التي نشرها الأخوان غريم في القرن التاسع عشر، لكن المفاجأة الأكبر تكمن في هوية المرأة الشريرة.

ففي الطبعة الأولى الصادرة عام 1812، لم تكن تلك المرأة زوجة أب بياض الثلج، كما يعرفها معظم الأطفال اليوم، بل كانت أمها الحقيقية، وفي الطبعة الثانية سنة 1819، غيّر الأخوان غريم هذه العلاقة، فأصبحت الأم تموت بعد ولادة ابنتها، ويتزوج الملك امرأة أخرى تغار من جمال الفتاة وتحاول قتلها، لقد تغيرت هوية القاتلة المحتملة، لكن النهاية الوحشية بقيت.

وهذا الاختلاف الصغير ظاهرياً يفتح الباب أمام قصة أكبر بكثير من حكايات الأميرات والساحرات: قصة الأخوين غريم، اللذين جمعا الموروث الشعبي الأوروبي وأعادا صياغته عبر عقود، حتى أصبح جزءاً أساسياً من أدب الأطفال العالمي.

فكيف حدث هذا التحول ؟ ولماذا حُذفت بعض الإشارات الجنسية، بينما بقيت مشاهد التعذيب والقتل والتشويه ؟

من هما الأخوان غريم ؟

وُلد جاكوب غريم Jacob Grimm في 4 يناير 1785، ثم شقيقه فيلهلم غريم Wilhelm Grimm في 24 فبراير 1786، في مدينة هاناو الألمانية، في زمن لم تكن فيه ألمانيا دولة موحدة كما نعرفها اليوم، بل مجموعة من الإمارات والممالك والكيانات السياسية.

نشأ الشقيقان في أسرة متوسطة الحال، لكن وفاة والدهما سنة 1796 تركت الأسرة تواجه صعوبات مالية، وعلى الرغم من تلك الظروف، درسا القانون في جامعة ماربورغ، حيث ازداد اهتمامهما باللغة والأدب الجرماني القديم والمخطوطات التاريخية.

وكانت أوروبا آنذاك تعيش اضطرابات سياسية عميقة في ظل الحروب النابليونية، التي أدت إلى تغير موازين السلطة وإخضاع مناطق ألمانية للنفوذ الفرنسي، وفي هذه الأجواء، برزت الحركة الرومانسية الألمانية، التي رأت في اللغة والأغاني والحكايات الشعبية تعبيراً عن روح الجماعة وهويتها الثقافية.

تأثر الأخوان غريم بهذا المناخ الفكري، واقتنعا بأن التراث الشفهي يحمل شواهد على حياة الأجداد ومعتقداتهم وأساليب تفكيرهم، وأن جمعه قد يساعد على فهم التاريخ الثقافي للشعوب الناطقة بالألمانية.

لكن من الخطأ اختزال الشقيقين في دور راويي قصص الأطفال، فقد كانا باحثين في اللغة وفقهها وتاريخ الأدب والفولكلور، وأسهم جاكوب خصوصاً في تأسيس الدراسات اللغوية الجرمانية المقارنة، وارتبط اسمه بما يعرف في علم اللغة باسم قانون غريم  Grimm's Law الذي يصف تحولات صوتية تاريخية في اللغات الجرمانية.

كما شرع الشقيقان سنة 1838 في مشروع ضخم لإعداد معجم تاريخي للغة الألمانية، عُرف باسم Deutsches Wörterbuch وبدأ نشر أجزائه سنة 1854، لكن المشروع لم يُستكمل إلا سنة 1961، بعد وفاتهما بأكثر من قرن، ومع ذلك، طغت شهرة الحكايات الشعبية على إنجازاتهما العلمية الأخرى.

كيف بدأ مشروع جمع الحكايات ؟

بدأ اهتمام الأخوين غريم بجمع القصص الشعبية بصورة منظمة في السنوات الأولى من القرن التاسع عشر، بتأثير من الكاتبين الرومانسيين كليمنس برنتانو Clemens Brentano وأخيم فون أرنيم Achim von Arnim اللذين كانا مهتمين بجمع الأغاني والمواد الأدبية الشعبية.

وفي سنة 1810، أرسلا إلى برنتانو مخطوطة تضم عشرات الحكايات التي جمعاها، أملاً في الاستفادة منها ضمن مشروع أدبي، لكن المشروع لم يتحقق كما كان متوقعاً، وبتشجيع من فون أرنيم، قرر الشقيقان نشر مجموعتهما الخاصة.

وفي ديسمبر 1812، صدر المجلد الأول من كتاب "حكايات الأطفال والبيوت" Kinder- und Hausmärchen  متضمناً 86 حكاية وتبعه المجلد الثاني سنة 1815، وفيه 70 حكاية إضافية.

لم يكن العمل في طبعته الأولى كتاباً مصوراً للأطفال بالمعنى الحديث، بل مجموعة من النصوص الفولكلورية مصحوبة بملاحظات ومادة علمية، ضمت حكايات عن الساحرات والأرواح والعمالقة والحيوانات الناطقة والأطفال المهجورين والصفقات الشيطانية والقتل والانتقام، كما تضمنت قصصاً لا يسهل تصور قراءتها للأطفال اليوم، سواء بسبب قسوتها أو إيحاءاتها أو غرابة موضوعاتها، وكان الهدف الأساسي حفظ الحكايات ودراسة التراث، لا مجرد توفير قصص مسائية لطيفة.

ومع ذلك، لم تكن المجموعة محايدة تماماً من الناحية الأدبية؛ فقد بدأ الأخوان، منذ المراحل الأولى، في الاختيار بين الروايات وتعديل صياغاتها وترتيبها، وهنا بدأت عملية طويلة غيّرت صورة الحكايات نفسها.

هل كان الأخوان غريم يجوبان القرى بحثاً عن القصص ؟

ترسم المخيلة الشعبية صورة جذابة للأخوين غريم وهما يسافران عبر الغابات والقرى الألمانية، ويجلسان قرب المواقد في بيوت الفلاحين للاستماع إلى حكايات العجائز وتسجيلها كلمة بكلمة، لكن الأبحاث التاريخية كشفت أن هذه الصورة مبالغ فيها، فقد وصلت إليهما نسبة كبيرة من القصص عبر شبكة من الأصدقاء والمعارف، وكثير منهم نساء متعلمات من أسر تنتمي إلى الطبقة الوسطى أو النبلاء، فضلاً عن مصادر مكتوبة سابقة، وكانت النساء تحديداً من أهم المساهمين في نقل هذه الحكايات، ومن أبرزهن دوروتيا فيهمان Dorothea Viehmann التي اشتهرت بقدرتها على رواية القصص بطريقة متماسكة، وأسهمت بنحو أربعين حكاية في مشروع الأخوين.

وقد قُدمت في بعض أوصاف العصر بوصفها فلاحة من منطقة هِسّن، لكن الأبحاث اللاحقة أوضحت أنها كانت زوجة خياط، ومن أسرة ذات أصول فرنسية.كذلك أسهمت الأخوات ماري وأمالي ويوهانا هاسنفلُوغ Hassenpflug، ودوروتيا فيلد Dorothea Wild التي أصبحت لاحقاً زوجة فيلهلم غريم، في نقل عدد من الحكايات.

واللافت أن بعض هذه الأسر كانت من أصول هوغونوتية فرنسية، وهو ما يفسر انتقال عناصر من الحكايات الفرنسية إلى المجموعة التي أصبحت تُعرف عالمياً باسم "حكايات غريم الألمانية".

فمثلاً، كانت حكاية "ذات الرداء الأحمر" معروفة في الأدب الفرنسي قبل غريم، إذ نشر شارل بيرو Charles Perrault صيغة مشهورة منها سنة 1697.

كما سبقت المجموعة الألمانية أعمال إيطالية، أبرزها "البنتاميروني" Pentamerone  لـ جامباتيستا باسيلي Giambattista Basile المنشورة في القرن السابع عشر.

وهذا يعني أن الأخوين غريم لم يبتكرا معظم شخصياتهما من العدم، ولم يجمعا تراثاً ألمانياً معزولاً عن بقية أوروبا، بل عملا على مادة ثقافية انتقلت بين البلدان واللغات والأجيال ، كما لم يكونا مجرد ناقلين للحكايات، بل أصبحا أيضاً من أهم من أعاد تشكيلها.

سبع طبعات غيّرت الحكايات

بين عامي 1812 و1857، صدرت سبع طبعات رئيسية من مجموعة الأخوين غريم، ولم تكن الطبعات اللاحقة مجرد إعادة طباعة للنصوص الأولى، بل تضمنت تغييرات كثيرة في الأسلوب والحبكة والشخصيات والتفاصيل الأخلاقية، وكان فيلهلم غريم المسؤول الأبرز عن عمليات التنقيح الأدبي، فقد أضاف أوصافاً وحوارات، وطور الإيقاع السردي، وأدخل في بعض المواضع تعبيرات دينية وأخلاقية، وأعاد ترتيب الأحداث لتصبح أكثر ترابطاً، كما حذف قصصاً كاملة، واستبدل بعض الروايات بصيغ أخرى، ودمج عناصر مأخوذة من مصادر متعددة، وبمرور الوقت، أصبحت النصوص أقرب إلى الأدب المصقول، وأبعد عن بعض سمات الرواية الشفهية المقتضبة.

وكان من أهم التحولات صدور "الطبعة الصغيرة" Kleine Ausgabe سنة 1825 التي اختيرت لها خمسون حكاية مع رسوم أنجزها لودفيغ إميل غريم Ludwig Emil Grimm الشقيق الأصغر لجاكوب وفيلهلم، ساعدت هذه الطبعة المختارة على زيادة انتشار القصص بين الأسر، وعلى ترسيخ صورتها بوصفها أدباً يمكن أن يقرأه الأطفال، أما الطبعة النهائية الصادرة سنة 1857، فقد ضمت مئتي حكاية رئيسية وعشر أساطير قصيرة للأطفال.

لكن ما الذي تغير فعلياً في محتواها ؟

رابونزل: الحمل الذي اختفى من الحكاية

تُعد حكاية "رابونزل" Rapunzel من أبرز الأمثلة على حذف الإشارات الجنسية من النسخ المبكرة، تحكي القصة عن فتاة ذات شعر طويل حُبست في برج معزول، لا يستطيع أحد الوصول إليه إلا بالتسلق عبر ضفائرها المتدلية من النافذة، وفي النسخة المنشورة سنة 1812، يتمكن أمير من زيارة رابونزل سراً، وتتطور علاقتهما إلى علاقة حميمة، ثم تكشف الفتاة، دون إدراك كامل لما تقوله، عن تغير جسدها عندما تلاحظ أن ثيابها لم تعد تتسع لها، في إشارة واضحة إلى حملها، تكتشف المرأة التي تحتجزها الأمر، وتعاقبها بقص شعرها ونفيها إلى البرية، لكن في الطبعات اللاحقة، حُذفت الإشارة المباشرة إلى الحمل، واستُبدلت بطريقة أخرى تكشف بها رابونزل عن زيارات الأمير، كذلك أصبحت العلاقة بين الاثنين أكثر تحفظاً في التعبير، وإن بقي ظهور طفليهما التوأمين في نهاية الحكاية، وهنا لا نرى اختفاء الحدث تماماً، بل إخفاء دلالته الجنسية المباشرة وراء أسلوب أكثر ملاءمة للقيم الأخلاقية التي أرادها المحرر، وهو تغيير يكشف أن عملية التنقيح لم تكن مرتبطة بالخوف من العنف وحده، بل أيضاً بتصورات المجتمع عن العفة والآداب العامة.

سندريلا: الأحذية الملطخة بالدماء

تُعرف سندريلا اليوم بوصفها فتاة فقيرة تتغير حياتها بفضل مساعدة سحرية وحذاء زجاجي يقود الأمير إليها، لكن نسخة الأخوين غريم، المعروفة بالألمانية باسم آشنبوتل Aschenputtel  تختلف عن الصورة التي اشتهرت في السينما، فبدلاً من العرابة السحرية، تؤدي شجرة تنمو عند قبر الأم دوراً أساسياً في تحقيق أمنيات الفتاة، وتساعدها الطيور، كما أن الحذاء في النسخة الألمانية ذهبي، لا زجاجي؛ فالحذاء الزجاجي يرتبط بالصيغة الفرنسية الشهيرة التي نشرها شارل بيرو، وعندما يحاول الأمير العثور على الفتاة التي يناسبها الحذاء، تعجز الأختان غير الشقيقتين عن إدخال قدميهما فيه، فتطلب منهما أمهما التضحية بجزء من القدم للحصول على فرصة الزواج من الأمير، تقطع الأولى إصبعاً من قدمها، بينما تقطع الثانية جزءاً من كعبها،  لكن الدم يكشف الخداع.

أما نهاية الحكاية فلا تكتفي بحرمان الأختين من الزواج، إذ تقوم الطيور بفقء أعينهما عقاباً على شرهما، واللافت أن هذا النوع من العنف لم يختفِ من النص النهائي للأخوين غريم، لقد بقي التشويه الجسدي مقبولاً داخل منطق القصة، لأنه يمثل عقوبة على الكذب والقسوة والطمع، وهذا يثير سؤالاً عن طبيعة الأخلاق التي كانت الحكايات تسعى إلى ترسيخها: هل المطلوب حماية الطفل من مشاهد العنف، أم تعليمه أن الشر يستحق عقوبة قاسية ؟

هانسل وغريتل: لماذا أصبحت الأم زوجة أب ؟

تبدأ حكاية "هانسل وغريتل" Hansel und Gretel بأزمة جوع وفقر تدفع أسرة إلى التخلي عن طفليها في الغابة، وفي الطبعة الأولى سنة 1812، كانت المرأة التي تقترح التخلص من الطفلين هي أمهما الحقيقية، وظلت هذه الصفة واضحة أيضاً في طبعة 1819.

لكن بدءاً من طبعة سنة 1840، أدخل الأخوان غريم وصف "زوجة الأب" وإن بقيت بعض الصياغات غير متسقة تماماً في البداية، وفي النسخة النهائية أصبحت صورة المرأة الشريرة مرتبطة بزوجة الأب بدلاً من الأم البيولوجية.

يشبه هذا التعديل ما حدث مع بياض الثلج، ويشير إلى اتجاه تحريري يخفف الصدام بين صورة الأم الحقيقية بوصفها مصدر الحماية، وبين أفعال القسوة والهجر والقتل ، ومع ذلك، بقيت عناصر الرعب الرئيسية في الحكاية: طفلان تائهان في الغابة، ومنزل مصنوع من الحلوى يستخدم لاستدراجهما، وساحرة تعتزم أكل أحدهما.

وفي النهاية، تنجو غريتل عندما تدفع الساحرة إلى الفرن ، لم يُلغِ التنقيح الرعب، بل أعاد توزيع الأدوار الأخلاقية داخله، فالأم أصبحت أقل عرضة للاتهام، بينما احتفظت الساحرة بدور الشر المطلق الذي ينبغي القضاء عليه.

حكايات كانت أكثر رعباً من أن تُروى للأطفال

ليست جميع قصص الأخوين غريم عن أميرات وعرائس وملوك، ففي حكاية "شجرة العرعر" The Juniper Tree تقتل زوجة أب طفلاً، ثم تطهو لحمه وتقدمه إلى والده الذي يأكله دون أن يعرف الحقيقة ، وتقوم أخت الطفل بجمع عظامه ودفنها تحت شجرة، قبل أن تتحول بقاياه، بفعل خارق للطبيعة، إلى طائر يغني بكلمات تكشف الجريمة.

أما حكاية "عريس اللصوص" The Robber Bridegroom، فتتضمن مشاهد عنيفة لرجال يقتلون النساء، بينما تنجو البطلة بعدما تشهد جريمة وتكشف حقيقة الرجل الذي يفترض أن تتزوجه.

وتظهر في المجموعة أيضاً قصص عن الشياطين والعهود المشروطة والقطعان المسحورة والموتى العائدين إلى الحياة.

ومن الأمثلة اللافتة حكايتان بعنوان "كيف لعب بعض الأطفال لعبة الذبح" وردتا في الطبعة الأولى سنة 1812، وتتناولان تقليد الأطفال لأفعال عنيفة تنتهي بنتائج مأساوية، وقد حُذفتا من الطبعات اللاحقة، بعدما أثارت طبيعة هذا المحتوى تساؤلات حول ملاءمته للأطفال.

وهذا المثال يثبت أن التنقيح شمل بالفعل حذف بعض القصص العنيفة، لكنه لم يكن سياسة متسقة لإزالة العنف من المجموعة كلها، فقد اختفت مشاهد أو حكايات معينة، بينما بقيت أخرى، بل أصبحت بعض النهايات أكثر قسوة.

لماذا حُذف الجنس وبقي العنف ؟

يمثل هذا السؤال جوهر التحول الذي طرأ على حكايات الأخوين غريم، فمن منظور القارئ المعاصر، قد يبدو غريباً أن يُحذف تلميح إلى حمل فتاة، بينما تبقى مشاهد قطع القدمين وفقء العيون والحرق حاضرة في القصص، لكن ينبغي فهم الأمر ضمن السياق الاجتماعي والأخلاقي لأوروبا في القرن التاسع عشر، فقد كانت الطبقة الوسطى الألمانية تعيد تشكيل تصورها للأسرة والتربية والطفولة، مع تزايد الاهتمام بالأدب الذي يحمل رسائل أخلاقية واضحة، وأصبحت الإشارات الجنسية المباشرة، خصوصاً خارج إطار الزواج، أقل قبولاً في الكتب الموجهة إلى الأسر.

أما العنف، فلم يكن يُنظر إليه دائماً بوصفه مشكلة تربوية في حد ذاته، بل قد يؤدي وظيفة أخلاقية إذا جاء عقاباً للأشرار أو وسيلة لتحذير الأطفال من الأخطار، وهكذا يمكن أن تصبح نهاية تُعاقب فيها ساحرة بالموت، أو تُشوه فيها أختان مخادعتان، جزءاً من درس عن العدالة، حتى لو بدت قاسية للغاية بمعايير اليوم.

ولا يعني ذلك أن المجتمع الألماني كان متفقاً على هذه التصورات، أو أن الأخوين غريم اتبعا خطة محددة لحذف الجنس والإبقاء على العنف، إنما تكشف المقارنة بين الطبعات عن تداخل عدة عوامل، منها ذوق القراء، والانتقادات الموجهة إلى الكتاب، والتحرير الأدبي، والمواقف الدينية، وتصورات التربية.

والنتيجة أن الحكايات أصبحت أكثر تهذيباً في بعض جوانبها، دون أن تفقد طبيعتها المرعبة في جوانب أخرى.

الساحرات والأقزام والأرواح: بقايا المعتقدات القديمة

من الأسباب التي تجعل حكايات الأخوين غريم مهمة لدراسة عالم ما وراء الطبيعة أنها تحتفظ بكثير من الصور المرتبطة بالمعتقدات الشعبية الأوروبية، فالغايات السحرية لا تتحقق فيها دائماً بواسطة جنيات لطيفات، بل قد تتدخل ساحرات شريرات وأقزام غامضون وأرواح منزلية وحيوانات ناطقة وكائنات تعقد اتفاقات مع البشر.

وفي بعض القصص، يظهر السحر بوصفه قوة تساعد المحتاجين، بينما يمثل في قصص أخرى خطراً يهدد الأسرة أو الأطفال، وتتقاطع هذه الشخصيات مع الموروث الجرماني الأوسع، الذي عرف كائنات مثل "الكوبولد" Kobold" المرتبط بالمنازل والمناجم، وصوراً متعددة للجنيات والأرواح والكائنات الغابية.

لكن ينبغي التمييز بين الحكاية الشعبية والمعتقد الديني.

فوجود ساحرة أو قزم في قصة لا يثبت بالضرورة أن الناس اعتقدوا بوجود تلك الشخصية بعينها، كما أن تشابهها مع كائنات الأساطير القديمة لا يعني أنها احتفظت بهوية واحدة عبر القرون.

إن الحكايات تعيد تشكيل المعتقدات وتخلط بينها وبين الخيال والرموز الاجتماعية، وقد يتحول الكائن الذي كان مخيفاً أو مقدساً في سياق قديم إلى شخصية هزلية أو شريرة في رواية لاحقة.

ومن الأمثلة اللافتة قصة "رومبلستيلتسكين" Rumpelstilzchen التي تدور حول كائن صغير يحول القش إلى ذهب، لكنه يطالب بطفل الملكة، ولا يُهزم إلا عندما يُكتشف اسمه السري.

وقد تغيرت نهاية هذه القصة نفسها بين الطبعات؛ ففي سنة 1812 كان الكائن يهرب غاضباً، بينما أُضيفت في طبعة 1819 النهاية التي يمزق فيها نفسه إلى نصفين ، وتعكس الحكاية معتقداً فولكلورياً واسع الانتشار عن القوة المرتبطة بمعرفة الاسم الحقيقي للكائن الخارق.

وتساعد هذه الأمثلة على فهم أهمية مشروع الأخوين غريم بالنسبة إلى تاريخ المعتقدات الشعبية، لا إلى أدب الأطفال فقط.

هل ابتكر الأخوان غريم قصص الأميرات ؟

من الأخطاء الشائعة الاعتقاد بأن الأخوين غريم هما المؤلفان الأصليان لكل القصص المرتبطة باسميهما، فالكثير من الحكايات كان معروفاً قبل ظهورهما بقرون، في روايات شفهية وأعمال أدبية متعددة، فحكاية "سندريلا" تنتمي إلى نمط فولكلوري واسع الانتشار، وله صيغ أوروبية وآسيوية مختلفة، أما "الجميلة النائمة" فقد سبقتها حكاية إيطالية بعنوان "الشمس والقمر وتاليا" Sun, Moon, and Talia نشرها جامباتيستا باسيلي في القرن السابع عشر، وفي تلك الرواية، تتعرض الفتاة النائمة لاعتداء جنسي من رجل يصل إلى مكانها، ثم تنجب طفلين قبل أن تستيقظ، وهي عناصر تختلف جذرياً عن الصورة الرومانسية المعروفة اليوم، كذلك نشر شارل بيرو سنة 1697 رواية فرنسية للجميلة النائمة، تختلف عن نسخة غريم في تفاصيلها ونهايتها.

وهنا ينبغي تجنب وصف كل رواية سابقة بأنها "النسخة الأصلية" الوحيدة؛ فالحكايات الشعبية غالباً ما تكون لها جذور متعددة، وتنتقل بين الرواية الشفهية والتدوين الأدبي، ولا يمكن دائماً تحديد نقطة بداية واحدة لها.

كانت مساهمة الأخوين غريم الأساسية في الجمع والانتقاء والتوثيق وإعادة الصياغة، ثم منح مجموعة كبيرة من هذه الحكايات شكلاً أدبياً مؤثراً ساعد على انتشارها عالمياً.

من الفولكلور إلى السينما: كيف اكتملت الصورة الحديثة ؟

لم ينته تحول حكايات غريم بوفاة الأخوين، فخلال القرن التاسع عشر، ساعدت الترجمات الإنجليزية والفرنسية والطبعات المصورة على انتشار قصصهما بين الأطفال، وأعادت دور النشر اختيار النصوص وتبسيطها بما يتناسب مع جمهورها، ثم جاء القرن العشرون ليمنح الحكايات شكلاً جديداً عبر المسرح والسينما والرسوم المتحركة.

وكانت إحدى أبرز المحطات عرض فيلم "بياض الثلج والأقزام السبعة" Snow White and the Seven Dwarfs من إنتاج والت ديزني سنة 1937 ، قدّم الفيلم عالماً بصرياً جذاباً، وشخصيات قريبة من الأطفال، وموسيقى ومشاهد كوميدية ورومانسية، وأعاد صياغة تفاصيل من الحكاية بما يتناسب مع طبيعة الفيلم العائلي، فبدلاً من عقوبة الحذاء الحديدي المحمى، تسقط الملكة الشريرة من مرتفع خلال مطاردة، بينما تختفي بعض صور الانتقام الوحشي الموجودة في النص المكتوب، وبمرور العقود، أصبحت أفلام الرسوم المتحركة والكتب المصورة مرجعاً أساسياً في تصور الجمهور لهذه القصص.

لكن من المهم ألا ننسب كل هذا التحول إلى شركة ديزني وحدها؛ فقد بدأت عمليات التهذيب والاختيار والتعديل قبل ذلك بزمن طويل، وشاركت فيها دور النشر والمترجمون والمسرحيون والرسامون، ولم تكن كل الاقتباسات الحديثة لطيفة أيضاً، إذ استمرت الحكايات المظلمة في إلهام أعمال رعب وفانتازيا موجهة إلى البالغين.

لقد أصبحت لدينا، عملياً، طبقات متعددة من الحكاية الواحدة: تراث شفهي، ونصوص أدبية قديمة، وصياغات الأخوين غريم، ثم نسخ تربوية ومسرحية وسينمائية حديثة.

ماذا تخبرنا الحكايات عن الخوف الإنساني ؟

بعيداً عن تفاصيل التحرير والنشر، يلفت الانتباه أن كثيراً من حكايات الأخوين غريم تتناول مخاوف إنسانية عميقة، الغابة ليست مجرد مكان للأشجار، بل فضاء تضيع فيه الحدود بين الأمان والخطر، والبيت الذي يفترض أن يحمي الطفل قد يتحول إلى مكان للقسوة أو الخيانة، أما الساحرة، فقد تمثل تهديداً يأتي متنكراً في هيئة امرأة عجوز تقدم الطعام أو المساعدة.

ويظهر الجوع في "هانسل وغريتل" والغيرة بين الأجيال في "بياض الثلج" والتسلط والعزلة في "رابونزل" والطمع والصفقات المشروطة في "رومبلستيلتسكين".

ويمكن قراءة هذه الصور بوصفها انعكاساً لمخاوف مرتبطة بالفقر والمرض والموت والعلاقات الأسرية والسلطة، وهي مخاوف كانت حاضرة بقوة في المجتمعات التي تناقلت الحكايات.

وقد اهتم علماء النفس والمحللون لاحقاً بهذه المادة، ومن أبرزهم برونو بيتلهايم Bruno Bettelheim الذي ناقش الرموز النفسية للحكايات الشعبية في كتابه "استخدامات السحر" The Uses of Enchantment سنة 1976 ، لكن تفسيراته ليست حقائق علمية محسومة؛ فقد تعرضت للنقد بسبب تعميماتها النفسية واعتمادها على تأويلات يصعب اختبارها، ومن ثم، فإن قراءة الغابة باعتبارها رمزاً للمجهول، أو الساحرة بوصفها تجسيداً للخوف من الأم القاسية، تظل تفسيراً ممكناً، وليست الدلالة الوحيدة أو الأصل التاريخي المؤكد للحكاية.

ومع ذلك، تساعد هذه القراءات على فهم سبب استمرار جاذبية القصص عبر الأزمنة: فهي لا تتحدث عن السحر وحده، بل عن مواقف بشرية مألوفة، وإن قدمتها بلغة الخيال.

هل شوّه الأخوان غريم الفولكلور أم أنقذاه ؟

هذا هو السؤال الذي يواجه الباحث عندما ينتهي من مقارنة الطبعات والمصادر.

فمن جهة، يُحسب للأخوين غريم أنهما أسهما في حفظ عدد كبير من الحكايات التي ربما كانت ستظل متفرقة أو تندثر بعض رواياتها مع مرور الزمن، كما أن الملاحظات والمخطوطات التي تركاها أتاحت للباحثين دراسة انتقال القصص وتغيرها، وأسهم عملهما في تطوير الاهتمام العلمي بالفولكلور الأوروبي، لكن من جهة أخرى، فإن المجموعة ليست سجلاً حرفياً نقياً لروايات شفهية قديمة.

فقد اختار الأخوان بين مصادر مختلفة، وحذفا وأضافا وعدلا الشخصيات والنهايات، وأخضعا بعض القصص لتصورات أدبية وأخلاقية تتفق مع عصرهما.

كما أن تقديم الحكايات باعتبارها تعبيراً عن التراث الألماني أخفى أحياناً تعقيد أصولها الأوروبية المشتركة، وصلتها بمصادر فرنسية وإيطالية وغيرها، ولا ينبغي تفسير ذلك كله بوصفه تزويراً متعمداً، فمفهوم التوثيق الفولكلوري في أوائل القرن التاسع عشر لم يكن مطابقاً للمعايير الأكاديمية اللاحقة التي تميز بدقة بين كلام الراوي وتدخل المحرر.

كذلك فإن الحكايات الشفهية نفسها لم تكن نصوصاً ثابتة؛ فكل راوٍ قد يضيف ويحذف ويعدل وفق الجمهور والسياق، والأدق أن الأخوين غريم قاما بعمل مزدوج: حفظا جانباً مهماً من التراث الشعبي، وفي الوقت نفسه أعادا تشكيله في صورة أدبية جديدة.

ولعل هذا هو السبب الذي يجعل مجموعتهما مهمة للغاية؛ فهي لا توثق الحكايات وحدها، بل توثق أيضاً كيف تغيرت نظرة المجتمع إلى الحكايات والطفولة والأخلاق.

وقد اعترفت منظمة اليونسكو بالقيمة التاريخية لهذا العمل عندما أدرجت نسخاً شخصية مشروحة من المجموعة، تتضمن تصحيحات وملاحظات بخط الأخوين، في سجل "ذاكرة العالم" سنة 2005.

هل كانت الحكايات للأطفال أصلاً ؟

عندما يسمع طفل اليوم قصة سندريلا أو بياض الثلج أو رابونزل، فقد يتخيل عالماً تسكنه الأميرات والجنيات والأقزام، وتنتهي فيه الأحداث بانتصار الخير والزواج السعيد، لكن وراء هذه الصورة تاريخاً أطول وأكثر تعقيداً.

فالحكايات التي أصبحت جزءاً من طفولتنا لم تنشأ كلها من أجل الأطفال، ولم تُكتب في بدايتها بوصفها قصصاً تربوية بالمعنى الحديث. لقد انتقلت بين أجيال من الرواة، واحتفظت بصور من القسوة والخوف والجوع والموت والسحر، ثم تغيرت مع تغير المجتمع الذي يرويها.

وكان الأخوان غريم حلقة محورية في هذا التحول؛ إذ جمعا الروايات المتفرقة، وأعادا تحريرها، ومنحاها شكلاً أدبياً مهّد لانتشارها على نطاق عالمي.

غير أن عملية التحول لم تكن مجرد إزالة للعنف والجنس، بل إعادة تحديد لما اعتُبر مناسباً للتربية وللقيم الأخلاقية في كل عصر.

فحُذفت الإشارات الجنسية من بعض القصص، بينما بقي العنف أحياناً لأنه أدى وظيفة العقوبة والردع، وتغيرت الأمهات القاسيات إلى زوجات أب، بينما بقيت الساحرات والذئاب والغيلان تجسيداً للأخطار التي يواجهها الأبطال.

ومع ظهور أدب الأطفال الحديث والسينما والرسوم المتحركة، اكتملت تدريجياً صورة الحكايات التي نعرفها اليوم.

وربما كان أكثر ما يثير التأمل في هذا التاريخ أن القصة نفسها تستطيع الانتقال من مجالس الكبار إلى غرف الأطفال، ومن التحذير من الموت والخيانة إلى الترفيه والتعليم، دون أن تفقد قدرتها على التأثير في الخيال الإنساني.

فهل كانت الحكايات القديمة أكثر قسوة، أم أننا أصبحنا نروي لأطفالنا نسخاً مختلفة من المخاوف نفسها ؟