يبدأ فيلم The Deliverance أو " الخلاص" من أرض مألوفة لعشاق الرعب: أم تنتقل مع أطفالها إلى منزل جديد، ثم تبدأ أصوات غريبة، وتتغير تصرفات الأبناء، ويظهر ما يوحي بأن شيئاً مظلماً يعيش داخل المكان.
لكن الفيلم الذي أخرجه لي دانيالز Lee Daniels وعرضته منصة نتفليكس عام 2024 لا يريد أن يكون مجرد حكاية أخرى عن منزل مسكون، منذ البداية يضع أمامنا أسرة متصدعة أصلاً، تعاني الغضب والمرض والإدمان والخلافات القديمة، ثم يسمح للرعب الخارق بأن يدخل إلى هذه الشقوق ويستغلها.
والأكثر إثارة أن الحكاية لم تبدأ بالكامل في خيال كاتب سيناريو، بل استُلهمت من قضية حقيقية اشتهرت باسم "منزل الشياطين في غاري" أو قضية أموس Ammons Haunting Case، وهي القضية التي تورط فيها أطباء وموظفو حماية الطفل وضباط شرطة وكاهن كاثوليكي، قبل أن تتحول لاحقاً إلى واحدة من أشهر قصص المس المزعوم في الولايات المتحدة.
لكن The Deliverance لا يعيد بناء تلك القضية كما وقعت، بل يستخدمها كنقطة انطلاق لصناعة قصة مختلفة تماماً عن الخلاص والإيمان والأسرة.
منزل جديد لأسرة لا تبدأ من الصفر
تنتقل إبوني جاكسون Ebony Jackson التي تؤدي دورها أندرا داي Andra Day إلى منزل جديد مع أطفالها الثلاثة ووالدتها ألبرتا Alberta التي تجسدها غلين كلوز Glenn Close.
إبوني ليست بطلة رعب تقليدية، هي أم غاضبة، مرهقة، ذات ماض مضطرب مع الكحول، وعلاقتها بأبنائها ووالدتها مشحونة بالتوتر، أما ألبرتا فتعاني السرطان وتحمل بدورها تاريخاً طويلاً من الصدام مع ابنتها ، ولهذا، حين تبدأ الظواهر الغريبة، لا يدخل الشر إلى أسرة مستقرة ثم يفسدها، بل يجد أمامه بيتاً هشاً من الداخل.
تظهر علامات صغيرة في البداية: ذباب، أصوات، وتغيرات في سلوك أصغر الأطفال، أندريه Andre الذي يبدأ الحديث مع شخص غير مرئي يسميه تري Trey ثم تتصاعد الأحداث، ويصبح الأمر أكثر خطورة، بينما تحاول إبوني أن تفهم ما الذي يحدث داخل منزلها.
لكن المشكلة أن الآخرين لا يرون ما تراه هي بالطريقة نفسها، فعندما تدخل موظفة خدمات حماية الطفل سينثيا هنري Cynthia Henry تبدو أمامها صورة مختلفة: أم ذات تاريخ مضطرب، وأطفال تظهر عليهم سلوكيات مقلقة، وبيت يمكن تفسير ما يحدث فيه من دون الحاجة إلى استدعاء الشياطين.
هنا يجد الفيلم واحدة من أفضل أفكاره: ما يبدو للأم مساً خارقاً قد يبدو للسلطات مجرد انهيار أسري ، وهذه النقطة مأخوذة مباشرة من جوهر القضية الحقيقية التي ألهمت الفيلم.
الرعب الذي يسبق ظهور الشيطان
قوة الفيلم الحقيقية تظهر في نصفه الأول، حين يبقى المشاهد متردداً بين أكثر من تفسير.
هل ما يحدث نفسي ؟ هل هو نتيجة الصدمات التي تحملها الأسرة ؟ هل الأطفال يتفاعلون مع توتر الأم ؟ أم أن هناك بالفعل شيئاً آخر داخل المنزل ؟
لا يتعامل لي دانيالز مع البيت بوصفه مصدر الرعب الوحيد، بل يجعل الأسرة نفسها جزءاً من المشهد المظلم.
إبوني تخشى فقدان أطفالها والأطفال يعيشون وسط صراعات الكبار والجدة مريضة والأسرة تحت رقابة الجهات الاجتماعية وفي الخلفية هناك حضور يزداد وضوحاً.
لهذا بدا الفيلم، في أفضل لحظاته، أقرب إلى دراما أسرية ثقيلة تتسلل إليها عناصر الرعب تدريجياً، لا إلى فيلم مس شيطاني تقليدي.
من الخوف إلى الخلاص
مع تقدم الأحداث يتخلى الفيلم شيئاً فشيئاً عن الغموض، ويختار موقفاً واضحاً: الشر هنا حقيقي ، وهنا تظهر شخصية القسيسة برنيس جيمس Reverend Bernice James ومن خلالها يقدم الفيلم معنى عنوانه.
كلمة Deliverance تعني "الخلاص" أو "التحرر" لكنها تحمل أيضاً في بعض التقاليد المسيحية الإنجيلية معنى التحرر من تأثير الأرواح الشريرة.
لذلك لا يسير الفيلم تماماً على الطريق الكاثوليكي الشهير في أفلام طرد الشياطين، بل يربط المواجهة بالإيمان الشخصي والقدرة على الانتصار الداخلي بقدر ارتباطها بطرد الشر الخارجي.
وهنا تتحول القصة من سؤال: "هل المنزل مسكون ؟" إلى سؤال آخر:
هل يمكن للإنسان أن ينتصر على الشر من الخارج إذا كان ما زال يحمل داخله غضبه وصدماته القديمة ؟
هذا هو المحور الذي يحاول الفيلم أن يبني عليه نهايته.
إبوني ليست ضحية فقط
أداء أندرا داي يجعل الشخصية أكثر تعقيداً من كونها مجرد أم يطاردها شيطان ، إبوني ترتكب أخطاء، وتفقد السيطرة أحياناً، ويمكن أن تبدو قاسية أو عنيفة. لكن الفيلم لا يقدمها بوصفها شخصية شريرة، بل امرأة تحاول الاحتفاظ بأسرتها بينما تنهار حياتها من جهات متعددة ، وهذا ما يجعل علاقتها بأطفالها محوراً أساسياً في القصة.
أما غلين كلوز فتقدم شخصية ألبرتا بصورة مختلفة تماماً عن صورة "الجدة الحكيمة" المألوفة في أفلام الرعب. هي صريحة، صدامية، مثقلة بتاريخها مع ابنتها، لكنها في الوقت نفسه شديدة الارتباط بأحفادها.
العلاقة بين الأم والجدة تصبح أحياناً أكثر ثقلاً من مشاهد الرعب نفسها، وهذا يتفق مع رؤية دانيالز للفيلم بوصفه قصة عن الأسرة والإيمان قبل أن يكون فيلماً عن الشياطين.
أين تنتهي الحقيقة ويبدأ الفيلم ؟
رغم استلهام The Deliverance من قضية حقيقية، فإن الفيلم يغير الكثير من التفاصيل، القضية الأصلية وقعت في غاري بولاية إنديانا وكانت بطلتها الحقيقية لاتويا أمونز Latoya Ammons التي عاشت مع والدتها روزا كامبل Rosa Campbell وأطفالها الثلاثة.
أما الفيلم فيغير الأسماء، والمدينة، والخلفيات العائلية، وشخصيات المشاركين، ويعيد ترتيب الأحداث بما يخدم البناء الدرامي ، حتى الشخصية الدينية الأساسية تختلف جذرياً.
في القضية الحقيقية كان الشخص الأبرز هو الكاهن الكاثوليكي مايكل ماغينو Michael Maginot الذي دخل المنزل وكتب إلى أسقفه طالباً الإذن بإجراء طقوس طرد شيطاني، بينما يقدم الفيلم القسيسة برنيس بشخصية مختلفة في الخلفية الدينية والدور الدرامي.
كما يعيد الفيلم توظيف بعض العناصر المستوحاة من الوقائع الأصلية، ومنها سلوك الأطفال الغريب وتدخل خدمات حماية الطفل وحركة طفل على الجدار، لكنه يصوغها بصورة أكثر وضوحاً وحسماً.
ولمن يرغب في معرفة الوقائع بعيداً عن المعالجة السينمائية، تناولنا القصة الحقيقية بالتفصيل في مقال مستقل: منزل الشياطين في غاري: القصة التي انتهت تحت الجرافة.
في القضية الحقيقية بقي كل شيء أكثر تعقيداً.
كانت هناك شهادات من الأسرة، وتقارير طبية، وموظفو حماية طفل، وضباط شرطة، وكاهن شارك فعلاً في طقوس دينية. لكن هذه الوثائق تثبت أن الناس سجلوا أحداثاً وادعاءات غريبة، لا أنها تثبت أن سببها كان شيطانياً.
كما ظهرت لاحقاً تفسيرات نفسية واجتماعية لبعض السلوكيات، وتساؤلات عن دور الإيحاء والمعتقدات داخل الأسرة.
الفيلم لا يحتفظ بهذه المنطقة الرمادية.
هو يختار أن يجعل الشر موجوداً فعلاً، ثم يبني صراعه حول كيفية مواجهته.
وهنا تحديداً يفترق The Deliverance عن القصة التي استلهم منها.
منزل مسكون... أم أسرة تبحث عن النجاة ؟
أهم ما يميز الفيلم ليس قائمة الممثلين ولا حقيقة أنه "مستوحى من قصة حقيقية" ، ما يميزه هو محاولته تحويل قصة منزل مسكون إلى سؤال عن الأسرة نفسها ، ماذا يحدث عندما يدخل الشر إلى مكان يحمل سكانه جروحهم معهم ؟
وهل يحتاج الإنسان دائماً إلى شيطان خارجي كي تتحول حياته إلى جحيم ؟ في القصة الحقيقية بقيت الإجابات معلقة بين الشهادات والطب والمعتقد والتفسير.
أما الفيلم فاختار إجابة أكثر وضوحاً :
الشر موجود ، لكن الخلاص ممكن أيضاً.
وهذا هو المعنى الذي يريد The Deliverance أن يتركه بعد أن تنتهي آخر مشاهد الرعب.