بعد نحو ثمانية عقود على حادثة روزويل الشهيرة، التي أصبحت رمزاً للجدل حول الأجسام الطائرة المجهولة واحتمال زيارة كائنات فضائية للأرض، عادت القضية إلى الواجهة من جديد، وهذه المرة من خلال وثائق نشرتها وزارة الحرب الأمريكية ضمن الدفعة السابعة من ملفات الظواهر الشاذة غير المحددة UAP.
ففي يوم الجمعة 23 أكتوبر 2026، أفرجت الوزارة عن 28 وثيقة جديدة ضمن برنامج PURSUE المخصص لنشر السجلات الحكومية المتعلقة بهذه الظواهر، وكانت من أبرز المواد التي أثارت الاهتمام شهادة قديمة لضابط خدم في قاعدة روزويل الجوية عام 1947 يزعم فيها أنه شاهد مركبة غريبة بيضاوية الشكل وجثثاً صغيرة الحجم داخل حظيرة عسكرية شديدة الحراسة.
ونشرت صحيفة دايلي ميل Daily Mail البريطانية تفاصيل هذه الشهادة، التي أعادت إحياء التساؤلات حول ما إذا كان الجيش الأمريكي قد استعاد بالفعل مركبة غير بشرية وأخفى حطامها وركابها عن العالم.
داخل الحظيرة رقم 84: مركبة بيضاوية وجثث تحت الأغطية
تعود الشهادة إلى 26 ديسمبر 2002، ويُعتقد بدرجة كبيرة أنها تعود إلى الضابط والتر جي هوت Walter G. Haut، الذي شغل منصب مسؤول الإعلام في قاعدة روزويل التابعة للقوات الجوية للجيش الأمريكي خلال حادثة يوليو 1947.
وتصف الإفادة اجتماعاً عسكرياً عُقد صباح 8 يوليو 1947، عند الساعة السابعة والنصف، وحضره عدد من كبار الضباط، ووفقاً لرواية الشاهد، تناول الاجتماع اكتشاف موقعين مختلفين للحطام: الأول في مقاطعة لينكولن على مسافة نحو 120 كيلومتراً شمال غربي روزويل، والثاني على مسافة تقارب 64 كيلومتراً شمال المدينة.
ويزعم الشاهد أن الموقع الثاني كان الأكثر أهمية، إذ احتوى على ما بدا أنه مركبة متحطمة وجثث مجهولة الهوية، وأضاف أن عينات من الحطام عُرضت خلال الاجتماع، وكانت تتضمن قطعاً معدنية تشبه الرقائق شديدة الرقة، لكنها تتمتع بمتانة غير مألوفة، إضافة إلى أجزاء تحمل علامات غريبة، ولم يتمكن الحاضرون، بحسب الإفادة، من تحديد طبيعتها.
لكن الجزء الأكثر إثارة في الشهادة يتعلق بما حدث لاحقاً، عندما اصطحبه قائد القاعدة، العقيد ويليام بلانشارد William Blanchard، إلى المبنى رقم 84، المعروف أيضاً باسم الحظيرة P-3 ، وصف الشاهد المكان بأنه حظيرة لطائرات B-29 تحيط بها حراسة عسكرية مشددة من الداخل والخارج، وهناك، قال إنه شاهد من مسافة آمنة جسماً غريباً يبلغ طوله نحو 3.7 إلى 4.6 أمتار، وارتفاعه قرابة 1.8 متر، ويتميز بهيئة بيضاوية أقرب إلى شكل البيضة، وبدا سطحه معدنياً، دون نوافذ أو أجنحة أو ذيل أو معدات هبوط ظاهرة، في حين كانت الإضاءة داخل الحظيرة ضعيفة.
أما المشهد الثاني فكان أشد غرابة؛ إذ ذكر أنه رأى من بعيد جسدين على الأقل مغطّيين بقماش مشمع، لا تظهر منهما إلا الرؤوس، وبحسب وصفه، بدت الرؤوس أكبر من الحجم البشري المعتاد، بينما أوحت أبعاد الجسدين تحت الغطاء بأنهما بحجم طفل يبلغ نحو عشر سنوات، وأضاف أن بلانشارد أشار له لاحقاً إلى ارتفاع يقارب 1.2 متر، بوصفه تقديراً لطول تلك الأجساد.
ولم يزعم الشاهد أنه استطاع تمييز ملامح الوجوه أو فحص الجثث عن قرب، لكنه أكد أنه أُبلغ بتجهيز مشرحة مؤقتة لاستيعاب الجثث المستعادة، واختتم إفادته بقوله إنه مقتنع بأن ما شاهده كان مركبة وطاقماً قادمين من الفضاء الخارجي.
بيان الصحن الطائر: هل كان وسيلة لصرف الأنظار ؟
تعيد الإفادة أيضاً تفسير أحد أشهر الأحداث الإعلامية في تاريخ الأجسام الطائرة المجهولة، ففي 8 يوليو 1947، أصدرت قاعدة روزويل بياناً أعلن فيه الجيش العثور على "قرص طائر" في مزرعة شمال غربي المدينة، وقد انتشر الخبر سريعاً عبر وكالات الأنباء، قبل أن يتراجع الجيش عن تفسيره الأول ويعلن أن الحطام يعود إلى بالون للأرصاد الجوية مزود بعاكس راداري.
لكن رواية هوت تقدم تصوراً مختلفاً، فهو يدعي أن الاجتماع العسكري ناقش إمكانية الإعلان عن الموقع الأول الذي عُثر فيه على الحطام، من أجل صرف انتباه الصحافة والمدنيين عن الموقع الثاني الذي يُزعم أنه احتوى على المركبة والجثث.
ويذكر أن الجنرال روجر ريمي Roger Ramey اقترح هذا التوجه، وأن بلانشارد أصدر لاحقاً تعليماته لإعداد البيان الصحفي، كما تتضمن الإفادة اتهاماً آخر يتعلق بالضابط جيسي مارسيل Jesse Marcel، مسؤول استخبارات القاعدة، الذي قيل إنه نقل أجزاء من الحطام إلى فورت وورث في تكساس. فبحسب ما نسبه هوت إلى مارسيل، استُبدلت المواد الأصلية بحطام بالون وعاكس راداري أثناء وجود مارسيل في غرفة أخرى.
وتبقى هذه المزاعم جزءاً من شهادة لاحقة للأحداث، وليست وقائع أثبتتها الوثائق الحكومية المعاصرة لعام 1947.
كيف وصلت شهادة روزويل إلى ملفات البنتاغون ؟
تكمن أهمية الإفراج الجديد في السياق الذي ظهرت فيه الشهادة، فهي ليست تقريراً مستقلاً أعده الجيش الأمريكي عام 1947، وإنما وردت بوصفها ملحقاً في وثيقة تحمل الرمز DOW-UAP-D168 وهي خطة إدارة مشروع أعدتها شركة Bigelow Aerospace Advanced Space Studies المعروفة اختصاراً باسم BAASS، بتاريخ 2 ديسمبر 2008.
وكانت الشركة، المرتبطة برجل الأعمال الأمريكي روبرت بيغلو Robert Bigelow، تعمل بموجب عقد مع وكالة الاستخبارات الدفاعية الأمريكية DIA لدراسة تقنيات الطيران المتقدمة والظواهر الجوية غير المألوفة، ضمن برنامج عُرف باسم AAWSAP.
وتضمنت خطة الشركة دراسة تقنيات الدفع والطاقة والمواد المتقدمة وإمكانات تقليل البصمات الرادارية والحرارية، بالإضافة إلى البحث عن شهادات وأدلة يُزعم ارتباطها بمركبات مجهولة المصدر.
واللافت أن التقرير تحدث عن امتلاك باحثين مرتبطين بالشركة معلومات عن نحو عشرة أشخاص قيل إنهم شاركوا أو ارتبطوا ببرامج لاستعادة معدات جوية متقدمة أو مواد بيولوجية مصاحبة لها.
كما زعم التقرير وجود شهادات تشير إلى وقوع حوادث تحطم لمركبات غير مألوفة خارج الولايات المتحدة، وأبدى اهتماماً باحتمال حصول دول أخرى على تقنيات مستخلصة من حطام تلك المركبات.
لكن هذه العبارات تمثل ادعاءات وتصورات قدمتها الشركة المتعاقدة، ولا تثبت بحد ذاتها وجود برامج سرية لاستعادة مركبات فضائية أو جثث غير بشرية.
الدفعة السابعة تتضمن أيضاً جسماً مثلثاً رُصد عام 2026
لم تقتصر الوثائق الجديدة على حادثة روزويل، فقد تضمنت الدفعة تقريرين عن مشاهدة حديثة وقعت في يونيو 2026، بالقرب من منشأة مرتبطة بالأمن القومي في غرب الولايات المتحدة، أدلى بتفاصيلها عملاء اتحاديون.
وتحدثت الشهادات عن جسم أسود مثلث الشكل، غير عاكس للضوء، ظهر فوق سلسلة جبلية قبيل حلول الظلام، وقدّر الشهود امتداد جناحيه بنحو 2.7 إلى 4.6 أمتار، ووصفوه بأنه يشبه طائرة مسيّرة ذات جناح دلتا، لكنه كان يتحرك بطريقة أثارت انتباههم.
فبحسب التقرير، ارتفع الجسم عمودياً فوق خط الجبال، ثم توقف وحلّق ثابتاً لفترة قصيرة، قبل أن يتحرك بسرعة كبيرة ويختفي عن أنظار المراقبين، وقال الشهود إنهم لم يسمعوا صوت محركات أو يلاحظوا عوادم احتراق، بينما أظهر جهاز الرصد الحراري المحمول توقيعاً حرارياً متجانساً نسبياً على سطح الجسم.
وقد سُجلت المشاهدة في وثيقة لمكتب التحقيقات الفيدرالي FBI تحمل الرمز FBI-UAP-D043، وأخرى من مكتب البنتاغون المعني بالظواهر الشاذة AARO تحمل الرمز DOW-UAP-D176.
واعتبر مكتب AARO أن الحادثة تستحق المزيد من التحقيق، نظراً لتشابه بعض أوصافها مع مشاهدات أخرى في المنطقة، دون أن يتوصل إلى استنتاج نهائي بشأن هوية الجسم أو مصدره.
كما ضمت الدفعة تقارير تاريخية تعود إلى خمسينيات القرن الماضي، تشمل مشاهدات في الولايات المتحدة وكندا وإيطاليا والسويد وألمانيا ومناطق أخرى، إلى جانب سجلات بحثية مرتبطة ببرامج دراسة الأجسام المجهولة.
ما حقيقة شهادة والتر هوت ؟
رغم الاهتمام الذي أثاره نشر الإفادة ضمن ملفات البنتاغون، فإن مراجعة تاريخها تكشف جانباً مهماً من القضية، فالشهادة كُتبت عام 2002، أي بعد نحو 55 عاماً من حادثة روزويل، واشترط أن تبقى مغلقة حتى وفاة صاحبها، وقد توفي هوت في ديسمبر 2005، ثم نُشرت الإفادة عام 2007 في كتاب Witness to Roswell للباحثين توم كاري ودونالد شميت.
وبذلك فإن النص لم يكن مجهولاً قبل الإفراج الحكومي في أكتوبر 2026، وتثير مقارنة شهادات هوت المتعاقبة أسئلة حول ثبات التفاصيل في ذاكرته؛ ففي إفادة سابقة تعود إلى عام 1993، تحدث عن دوره في نشر البيان الصحفي وعن ثقته بضباط القاعدة، لكنه لم يصف مشاهدة المركبة والجثث داخل الحظيرة.
والأكثر أهمية أنه سُئل مباشرة خلال ظهوره في برنامج Larry King Live على شبكة CNN يوم 1 يوليو 2003 عما إذا كان قد شاهد حطام روزويل، فأجاب بالنفي، رغم أن إفادته المختومة، المؤرخة قبل ذلك بأشهر، تضمنت وصفاً لمواد الحطام ومركبة داخل حظيرة.
ولا يكفي هذا التناقض وحده للجزم ببطلان روايته المتأخرة، لكنه يضعف الاعتماد عليها باعتبارها شهادة مستقرة ومتسقة، خصوصاً مع غياب صور أو عينات مادية يمكن ربطها بما قال إنه شاهده.
في المقابل، انتهى تحقيق للقوات الجوية الأمريكية عام 1994 إلى أن التفسير الأرجح للحطام المستعاد قرب روزويل هو معدات مرتبطة بمشروع MOGUL السري، الذي استخدم بالونات على ارتفاعات عالية في أبحاث مرتبطة برصد التجارب النووية السوفيتية.
كما تناول تقرير لاحق عام 1997 شهادات الجثث الغريبة، ورجّح أن بعضها نتج عن الخلط بين حوادث وتجارب عسكرية جرت في سنوات لاحقة، بما فيها استخدام دمى اختبار بشرية الشكل.
أما مكتب AARO، فقد أكد في تقريره التاريخي الصادر عام 2024 أنه لم يعثر على أدلة قابلة للتحقق تثبت أن حادثة روزويل كانت تتعلق بمركبة من خارج الأرض.
بين نشر الوثائق وإثبات الروايات
تكشف الدفعة السابعة عن استمرار اهتمام المؤسسات الأمريكية بتوثيق مشاهدات الأجسام المجهولة، وعن وجود مقترحات بحثية قديمة تناولت احتمالات غير مألوفة، بما فيها استعادة مركبات متقدمة ومواد بيولوجية مجهولة المصدر.
غير أن إدراج رواية ضمن أرشيف حكومي لا يجعل مضمونها حقيقة مثبتة، كما أن رفع السرية عن تقرير أعدته شركة خاصة لا يعني بالضرورة تبني الحكومة لجميع استنتاجاته.
ويظل السؤال المطروح بعد الإفراج الجديد: هل توجد أدلة مادية مستقلة يمكن أن تؤكد ما ورد في شهادة والتر هوت عن حظيرة روزويل، أم أن الوثائق تعيد تدوير روايات مثيرة لم تنجح التحقيقات السابقة في إثباتها ؟
حتى الآن، لا تتضمن المواد المنشورة ما يثبت بصورة مستقلة وجود المركبة البيضاوية أو الجثث الموصوفة، لكنها تضيف فصلاً جديداً إلى السجل الوثائقي لإحدى أكثر الحوادث إثارة للجدل في تاريخ الأجسام الطائرة المجهولة.